بتدفع من بقشيشها حكايات_ميراا حصري
الجزء الأول كانت بتدفع من بقشيشها أكل ست غلبانة لمدة سنتين وفي يوم ظهر ابنها المليونير ومعاه جواب كشف سر محدش يتخيله!
شيلوا الست العجوز دي من الترابيزة اللي جنب الشباك! الزبون اللي بيدفع بجد أهم عندي من كل الفكة اللي معاها دي!
صوت الحاج جلال، صاحب المطعم، دوّى في المكان لدرجة إن كل الزباين سكتوا وبصوا ناحيته.
مريم حسن، الجرسونة اللي عندها ٣٣ سنة، وقفت مكانها وهي شايلة صينية الأكل بين إيديها. قدامها كانت قاعدة الحاجة فاطمة، ست عجوزة عندها ٨١ سنة، لسه قايلة إنها عايزة تطلب طبق الشوربة بتاعها المعتاد.
مريم ردت بثبات
الترابيزة دي محجوزة للحاجة فاطمة يا حاج.
الحاج جلال اتعصب وقال
أنا اللي هنا صاحب المكان، وأنا اللي أقرر! الأستاذ جاي مع مراته، وهيصرف في الوجبة الواحدة أكتر من اللي الست دي ممكن تدفعه طول السنة!
الحاجة فاطمة بدأت تقوم من مكانها وهي محرجة، وقالت بصوت واطي
معلش يا بنتي، ما تزعليش نفسك عشاني. أنا ممكن أقعد جنب المطبخ.
لكن مريم حطت إيدها برفق على كتفها وقالت
حضرتك مش هتتحركي من مكانك يا حاجة. إنتِ زبونة زينا زي أي حد، ومن حقك تقعدي في المكان اللي يريحك.
القرار ده كان ممكن يضيّع منها شغلها!
المطعم اللي كانت بتشتغل فيه اسمه الكرمة، وكان موجود في وسط البلد في القاهرة، ومشهور بأكله البيتي وترابيزاته الخشب وصور زمان المعلقة على الحيطان.
مريم كانت شغالة فيه بقالها ست سنين. ورغم إنها كانت بتستحمل عصبية الحاج جلال وكلامه الجارح، فإنها كانت محتاجة الشغل عشان تحقق حلمها وتجمع فلوس تفتح بيها مطعم صغير على قدها، مكان كل الناس فيه تتعامل باحترام، مهما كانت ظروفهم المادية.
كانت بتحوش فلوسها في برطمان زجاج جوه دولاب شقتها الصغيرة، وحاطة عليه ورقة مكتوب عليها بخط إيديها
مطعمي الصغير حلم عمري.
لكن كان فيه سر محدش في المطعم يعرفه، لا صاحب المكان ولا زمايلها.
من سنتين، كل يوم أحد، وبالضبط الساعة واحدة الظهر، كانت الحاجة فاطمة بتيجي المطعم، لابسة بالطو أزرق قديم وملفوفة بشال بيج باهت.
وكان طلبها دايمًا واحد.
عايزة طبق شوربة فراخ يا بنتي، بس كده.
وبعدها تطلع محفظتها الصغيرة، وتبدأ تعد الفلوس المعدنية واحدة واحدة، وكأنها بتحسب كل قرش قبل ما تصرفه.
مريم كانت اكتشفت من غير ما الحاجة فاطمة تحكي لها إن ظروفها صعبة، وإن الفلوس اللي معاها بالعافية بتكفيها تجيب وجبة بسيطة.
ومن يومها، قررت تعمل حاجة محدش طلبها منها.
كل يوم أحد، كانت بتدفع من البقشيش بتاعها تمن وجبة كاملة للحاجة فاطمة، فيها فراخ بانيه وأرز بالشعرية، وفاصوليا وسلطة.
وكانت تقول لها بابتسامة
النهارده الأكل على حساب المطعم يا حاجة فاطمة!
الحاجة فاطمة كانت تفرح وترد
ربنا يكرمك يا بنتي. واضح إن صاحب المطعم ده راجل طيب أوي!
ومن جوه المطبخ، كان صوت الحاج جلال بيوصل لهم وهو بيتخانق مع العمال.
مريم والحاجة فاطمة كانوا يبصوا لبعض ويبتسموا، من غير ما يقولوا كلمة.
وعلى مدار السنتين دول، كانت الحاجة فاطمة بتحكيلها عن ابنها الوحيد، أحمد، اللي عايش في القاهرة، وعنده شركات وأعمال كتير.
كانت بتتكلم عنه بفخر وتقول
ابني مشغول يا مريم، بس كل شوية يكلمني ويقولي إنه هيجي يزورني قريب.
ومريم كانت بتسمعها باهتمام، رغم إنها لاحظت إن الوعد ده بيتكرر من شهور طويلة من غير ما ابنها يظهر.
وكان فيه تصرف غريب كمان لاحظته مريم.
مع إن ترابيزة الحاجة فاطمة كانت جنب الشباك، وأجمل إطلالة في المطعم، فإنها نادرًا ما كانت تبص بره.
عينيها كانت دايمًا بتروح لصورة قديمة معلقة على الحيطة، من سنة ١٩٦٧، فيها تلات بنات صغيرين لابسين زي الجرسونات، وواقفين قدام المطعم.
مريم عمرها ما سألتها عن الصورة، لكنها كانت حاسة إن وراها حكاية كبيرة.
بعد الخناقة اللي حصلت بينها وبين الحاج جلال، الحاجة فاطمة سابت ورقة صغيرة تحت الطبق قبل ما تمشي.
مريم لقتها وفتحتها.
كان مكتوب فيها
شكرًا يا بنتي إنك دافعتي عني. بقالى سنين طويلة محدش وقف جنبي بالشكل ده.
الكلمات البسيطة دي فضلت في قلب مريم طول اليوم.
لكن مع مرور الأسابيع، بدأت تلاحظ إن الحاجة فاطمة صحتها بتتراجع، وإن خطواتها بقت أبطأ، ووشها بقى شاحب أكتر من الأول.
وفي يوم، وهي بتقدم لها طبق الشوربة، الحاجة فاطمة مسكت إيدها وقالت
عايزاكي توعديني على حاجة يا بنتي.
مريم قلقت وسألتها
خير يا حاجة؟ إنتِ مالك؟ حاسة إنك تعبانة؟
الحاجة فاطمة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لو جه يوم أحد ومجيتش، استنيني لحد الساعة واحدة ونص. أوعى تمشي قبل الوقت ده.
مريم حاولت تهوّن عليها وقالت
بعد الشر عليكي يا حاجة، ما تقوليش الكلام ده.
لكن الحاجة فاطمة أصرت
وعديني يا مريم.
مريم مسكت إيدها وقالت
وعد يا حاجة، هستناكي.
وعدّى الأسبوع، وجاء يوم الأحد.
مريم جهزت الترابيزة زي كل مرة، وحطت المناديل والكوباية، وطلبت من المطبخ يجهز طبق الشوربة.
الساعة واحدة
واحدة وعشر دقايق
واحدة وعشرين دقيقة
لكن الحاجة فاطمة ما ظهرتش.
مريم بدأت تقلق، وكل شوية تبص ناحية باب المطعم، مستنية تشوف بالطوها الأزرق وشالها البيج.
لحد ما الساعة بقت واحدة ونص بالضبط.
وفجأة، دخل المطعم راجل طويل، لابس بدلة غالية وساعته شكلها ثمين. ملامحه كانت مرهقة، وفي إيده الشال البيج القديم بتاع الحاجة فاطمة، ومعاه ظرف مقفول.
قرب من مريم وسألها
حضرتك مريم حسن؟
ردت بقلق
أيوه، أنا مريم. حضرتك مين؟ حصل إيه للحاجة فاطمة؟
الراجل أخد نفس عميق، وكأنه بيحاول يسيطر على مشاعره، وقال بصوت مكسور
أنا أحمد فاطمة ابن الحاجة فاطمة.
مريم اتصدمت من كلامه، لكنه كمل
أمي حصل لها نزيف في المخ امبارح بالليل، وهي دلوقتي في المستشفى.
مريم حست إن رجليها مش شايلينها، وحطت الصينية على الترابيزة بسرعة.
يا نهار أبيض! هي عاملة إيه دلوقتي؟ طمني عليها، أرجوك!
أحمد ما ردش فورًا. بص للترابيزة اللي أمه كانت بتقعد عليها كل أسبوع، وبعدها مد إيده بالظرف ناحية مريم.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الكلام المكتوب على الظرف.
كان مكتوب بخط الحاجة فاطمة
لابني أحمد افتح الظرف على ترابيزتي، بعد ما تاكل طبق الشوربة.
مريم بصت له باستغراب.
أحمد قعد على نفس الترابيزة، وطلب طبق الشوربة اللي أمه كانت بتطلبه كل أسبوع.
مريم راحت بنفسها للمطبخ، وجهزت له الأكل، وحطته قدامه.
فضل أحمد باصص للطبق شوية، وبعدها بدأ ياكل في صمت، وعينيه مليانة دموع.
ولما خلص، فتح الظرف بإيد بتترعش.
طلع منه جواب طويل وصورة قديمة، وأول ما قرأ السطر الأول، اتغيرت ملامحه تمامًا.
رفع عينيه لمريم، وقال بصوت مخنوق
أمي كاتبة اسمك في الجواب أكتر من مرة بس أنا مش فاهم ليه!
مريم قربت منه، وبدأت تقرأ معاه.
ومع كل سطر، كانت بتكتشف إن الحاجة فاطمة ما كانتش مجرد ست عجوزة فقيرة بتيجي تاكل كل يوم أحد
كان عندها سر مخبياه من عشرات السنين، والسر ده له علاقة مباشرة بمريم وبحلم المطعم الصغير اللي كانت بتحوش عشانه!
يا ترى إيه السر اللي الحاجة فاطمة خبّته عن ابنها طول السنين دي؟ وإيه علاقة الصورة القديمة بمريم؟ وليه اختارت تسيب الجواب على الترابيزة دي بالتحديد؟
يتبع في الجزء التاني
الجزء التاني الجواب اللي كشف سر الحاجة فاطمة بعد السنين دي كلها!
أحمد كان قاعد قدامي، ماسك الجواب بإيد بتترعش، وعينيه بتتنقل بين الكلام المكتوب والصورة القديمة اللي كانت جواه.
بص لي وقال
مريم، إنتِ تعرفي الستات اللي في الصورة دي؟
قربت منه وبصيت للصورة كويس.
كانت صورة قديمة جدًا، فيها تلات بنات واقفين قدام مطعم صغير، لابسين مريلة بيضا، وعلى وشوشهم ابتسامة جميلة.
أشرت للبنت اللي واقفة في النص وقلت
دي شبه الحاجة فاطمة جدًا!
أحمد هز راسه وقال
دي أمي فعلًا، بس الصورة دي من أكتر من خمسين سنة. أنا عمري ما شفتها قبل كده.
قلب الجواب وبدأ يقرأ بصوت مسموع
ابني أحمد، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مقدرتش أحكيلك الحكاية بنفسي.
أنا عارفة إنك زعلان مني، وإنك شايف إني كنت برفض مساعدتك، لكن فيه حاجات كتير عمرك ما عرفتها عن حياتي.
المطعم اللي كنت بروحه كل يوم أحد مش مجرد مكان باكل فيه. ده المكان اللي بدأت فيه حياتي، والمكان اللي اتعلمت فيه إن الإنسان ممكن يكون فقير في الفلوس، لكنه غني بأخلاقه وكرامته.
من سنين طويلة، كنت بشتغل هناك مع بنتين، واحدة اسمها أمينة، والتانية اسمها سعاد.
كنا بنحلم نفتح مطعم صغير لينا، مطعم محدش فيه يترفض عشانه فقير، ومحدش يتحرج لو معهوش فلوس كفاية.
لكن الظروف فرقتنا، وكل واحدة راحت في طريق.
أحمد وقف عن القراءة، ومسح دموعه، وبعدين كمل.
بعد سنين، رجعت للمطعم نفسه، ولقيت بنت اسمها مريم بتعاملني بنفس الطريقة اللي كنت بحلم أشوف الناس بتتعامل بيها.
كانت بتدفع من فلوسها عشان تجيب لي أكل، من غير ما تطلب مني مقابل، ومن غير ما تحسسني إني محتاجة.
وفي كل مرة كانت بتحط الأكل قدامي، كنت بحس إن الحلم القديم لسه عايش.
أنا كنت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق إن الحاجة فاطمة كانت شايفاني بالشكل ده.
أحمد بص لي وقال
هي كانت بتحكيلك عن حياتها القديمة؟
هزيت راسي وقلت
لأ، عمرها ما قالت لي إنها كانت بتشتغل في المطعم زمان. كل اللي كانت بتحكيه لي عنك، وإنها نفسها تشوفك وتقعد معاك وقت أطول.
أحمد نزل عينه للأرض.
أنا كنت مشغول طول الوقت، وكل مرة كانت تطلب مني أزورها، أقول لها الأسبوع الجاي. مكنتش أعرف إنها حاسة بالوحدة بالشكل ده.
سكت شوية، وبعدها رجع للجواب.
يا أحمد، أنا مش زعلانة منك، لكن عايزاك تفهم إن الفلوس مش دايمًا بتعوض الإنسان عن الوقت اللي ضاع منه.
أنا مش محتاجة منك هدايا غالية ولا بيت أكبر. كنت محتاجة أشوفك قاعد معايا، تسمعني، وتحكي لي عن يومك زي ما كنت بتعمل وإنت صغير.
أما مريم، فأنا عايزاك تساعدها تحقق حلمها، مش عشان هي ساعدتني، لكن لأنها أثبتت إن قلبها كبير، وإنها تستحق فرصة حقيقية.
أحمد رفع عينيه ليا وقال
هي كانت تقصد إيه بإنها تساعدك تحققي حلمك؟
قبل ما أرد، قلب الصفحة الأخيرة من الجواب.
وكان فيها سطر واحد مكتوب بخط كبير
فيه مفتاح داخل الظرف، والمفتاح ده هيوصلكم لحاجة أنا محتفظة بيها من سنة ١٩٦٧، والحاجة دي مش ملكي لوحدي.
أحمد قلب الظرف بسرعة، وطلع منه مفتاح صغير قديم، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان في حي السيدة زينب.
بص لي وقال
لازم نروح المكان ده.
وافقت، لكن قبل ما نتحرك، طلبت منه نتصل بالمستشفى ونطمن على الحاجة فاطمة.
لما اتصل، الدكتور قال له إن حالتها مستقرة نسبيًا، وإنه يقدر يزورها بعد شوية.
خرجنا من المطعم، وركبنا عربيته، واتجهنا للعنوان المكتوب في الورقة.
طول الطريق، أحمد كان ساكت، لحد ما قال فجأة
تعرفي يا مريم، أنا عندي شركات ومشاريع كتير، لكن عمري ما سألت أمي عن أكتر حاجة كانت نفسها تحققها.
بصيت له وقلت
لسه عندك فرصة تسمع منها كل الحكايات دي.
هز راسه، وكأنه أخد قرار مهم.
بعد حوالي نص ساعة، وصلنا لعمارة قديمة في شارع جانبي بالسيدة زينب.
طلعنا الدور الأرضي، ولقينا باب خشب قديم عليه لافتة باهتة مكتوب عليها
مطعم الأمانة تأسس سنة ١٩٦٧.
أحمد بص لي بدهشة وقال
هو ده المكان اللي أمي كانت بتتكلم عنه!
دخلنا، فلاقينا المكان مقفول من سنين، والتراب مغطي الترابيزات، لكن على الحيطة كانت فيه نفس الصورة القديمة اللي شفناها في الجواب.
قرب أحمد من الباب الداخلي، وحط المفتاح في القفل.
الباب اتفتح بصعوبة.
جوه، لقينا مكتب خشب قديم، وفوقه صندوق صغير.
فتحناه، فظهر دفتر حسابات قديم، ومجموعة صور، وعقد محفوظ في ملف جلدي.
أحمد فتح العقد، وبدأ يقرأ.
وفجأة، رفع رأسه وبص لي بذهول.
مريم إنتِ لازم تشوفي الاسم المكتوب هنا!
قربت منه، وبصيت للصفحة الأولى.
كان مكتوب فيها اسم واحدة من البنات اللي ظهروا في الصورة القديمة
أمينة حسن، صاحبة مطعم الأمانة السابقة واسمها كان نفس اسم جدتك!
اتجمدت مكاني.
جدتي ماتت من سنين، ومحدش في عيلتي حكى لي إنها كانت تعرف الحاجة فاطمة أصلًا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر اللي بعده، لأن العقد كان بيشير إلى اتفاق قديم بخصوص المطعم، ومذكور فيه إن فيه ورثة لازم يتم الوصول إليهم قبل اتخاذ أي قرار بشأن المكان.
أحمد بص لي وقال
هو ممكن تكون جدتك واحدة من أصحاب المكان؟
ما عرفتش أرد.
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
كان اتصال من المستشفى.
رد بسرعة، وبعد ثواني، ملامحه اتغيرت.
قال بصوت مخنوق
إيه؟! أمي فاقت وبتطلب تشوف مريم بالاسم؟!
قفل المكالمة وبص لي.
لازم نروح لها حالًا. فيه حاجة قالتها للممرضة، ومحدش فاهم معناها غيرك!