قبل فرحي. حكايات ميراا حصري
قبل فرحي بساعة واحدة، بنتي اللي عندها 11 سنة قلعت الفستان الموف اللي كنا مختارينه سوا، وقالتلي بصوت واطي
معلش يا ماما، إنتِ تستاهلي يكون عندك عيلة سعيدة.
لمدة ست شهور، كانت بتتدرب إزاي تمشي جنبي في ممر الفرح.
حتى إنها كانت بتلبس الجزمة الجديدة بتاعتها في البيت، عشان تتعود عليها وما تتكعبلش يوم الفرح.
كنت فاكرة إنها متوترة من اليوم الكبير.
لحد ما حكتلي خطيبي قالها إيه.
وفجأة، فهمت ليه بنتي الصغيرة كانت ساكتة بشكل غريب طول الصبح.
اسمي مريم، عندي 38 سنة، ولحد يوم السبت ده، كنت فاكرة إني هتجوز راجل بيحبني أنا وبنتي بجد ومن قلبه.
لما دخلت أوضة تجهيز العروسة، لقيت بنتي ملك قاعدة على طرف الكرسي.
الفستان الموف كان متعلّق بعناية على ضهر الكرسي.
أما هي، فكانت لابسة الفستان الأزرق الصيفي اللي جت بيه الصبح، وشعرها لسه متصفف وحلو من الموعد اللي كنا رايحين فيه سوا.
قربت منها وسألتها بابتسامة
حبيبتي، إنتِ غيرتي الفستان ليه؟
بصت للأرض وقالت
مش حاسة إني المفروض أمشي جنبك خلاص يا ماما.
ابتسمت، وافتكرت إني فهمت سبب قلقها.
إنتِ خايفة إن الناس كلها تبصلك؟
هزت كتفها من غير ما ترد.
فقلت لها بحنان
طب إيه رأيك نتدرب تاني؟ أو تمسكي إيدي طول الطريق. إنتِ عارفة إنك تقدري تعملي كده.
ردت بهدوء
يا ماما، عادي.
سألتها وأنا لسه مبتسمة
إيه اللي عادي يا حبيبتي؟
لكن في حاجة في نبرة صوتها خلت ابتسامتي تختفي بالتدريج.
طول الشهور اللي فاتت، ملك كانت متحمسة للفرح أكتر مني أنا شخصيًا.
لما قلتلها إن كريم طلب إيدي، كانت فرحتها كبيرة لدرجة إنها ما صدقتش إن اليوم اللي مستنياه قرب.
وأول سؤال سألتهولي كان إذا كان ينفع يكون ليها دور في مراسم الفرح.
وقتها قلتلها إني عايزاها جنبي.
سألتني باستغراب
يعني بدل جدو؟
ضحكت وقلت لها
لأ، بدل أي حد في الدنيا.
فكرت شوية، وبعدين سألتني
يعني إحنا الاتنين هنتجوز مع بعض؟
ضحكت تاني وقلت لها
مش بالظبط يا حبيبتي، بس إحنا الاتنين هنبقى جزء من عيلة أكبر.
ابتسمت ملك، وفضلت مبسوطة طول الليلة دي.
ساعدتني في اختيار الورد، وأصرت إن التورتة تكون بالفانيليا بدل الليمون، وقضت يوم سبت كامل وهي بتدور على فستان موف يعجبها وتقدر تتحرك فيه براحتها.
وقبل الفرح بثلاث أسابيع، طلبت مني نتدرب على المشي في طرقة البيت، وهي بتدندن على موسيقى الفرح.
لكن دلوقتي، كانت بتبص للفستان نفسه كأن رغبتها في لبسه كانت غلطة عملتها.
قعدت جنبها وقلت لها
ملك، حبيبتي، بصيلي.
رفعت عينيها ناحيتي.
سألتها بهدوء
حصل حاجة يا بنتي؟
ردت بسرعة
لأ.
طب حد قالك حاجة ضايقتك؟
فضلت تلف صوابعها في بعض بتوتر.
وبعدين قالت
كريم شايف إن ده هيكون أحسن.
حسيت بقبضة غريبة في معدتي.
سألتها
أحسن إزاي؟
قالت
إن أنا أفضل قاعدة مع باقي الأطفال بدل ما أمشي جنبك.
بصتلها باستغراب وسألتها
هو ليه يقولك كده؟
اترددت شوية قبل ما تجاوب
قال إن الفرح المفروض يكون خاص بالعروسة والعريس بس، وإن دي فرصتك عشان تبدأي عيلة جديدة.
مسكت إيديها وقلت لها
إحنا فعلًا هنبدأ عيلة جديدة يا ملك، إحنا التلاتة.
هزت راسها بسرعة وقالت
أنا عارفة.
لكن نبرة صوتها كانت بتقول إنها مش متأكدة من الكلام ده.
قربت منها أكتر وسألتها
ملك، إنتِ بنتي. مش محتاجة إذن من أي حد عشان تكوني جزء من فرحي.
ردت بصوت ضعيف
عارفة يا ماما.
قلت لها
أمال ليه بنتكلم في الموضوع ده؟
عينيها اتمَلَت بالدموع، وقالت
عشان كريم قال إن أهله ممكن يحسوا بعدم ارتياح.
اتجمدت مكاني.
سألتها وأنا مش مصدقة
عدم ارتياح من إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
من إني أكون واقفة هناك جنبك.
وليه؟
نزلت عينيها للأرض، وقالت
عشان أنا اتولدت وإنتِ لسه متجوزة بابا.
لثواني، ما عرفتش أنطق بكلمة واحدة.
ملك بدأت تشرح بسرعة، كأنها خايفة أزعل منها.
هو ما قالش إن ده غلط يا ماما. هو قال إن في عائلات بتحب التقاليد، وممكن تستغرب إن بنتك من جوازك الأول تقف بينك وبين جوزك الجديد.
حسيت إن إيديا بقت ساقعة فجأة.
سألتها بصوت متماسك بالعافية
هو قالك الكلام ده إمتى؟
ردت
يوم الاتنين.
يعني من خمس أيام كاملة.
سألتها
وإنتِ ما قولتيليش ليه يا ملك؟
قالت
هو طلب مني ما أكبرش الموضوع.
وبعدين مسحت دموعها بإيدها الصغيرة وأضافت
قال إنك أصلًا مضغوطة بسبب تجهيزات الفرح، وإنه هيكون شيء جميل لو أنا قررت أسيبك تستمتعي بيومك من غير مشاكل.
وبصتلي بعينين مليانين دموع وقالت
أنا بس كنت عايزاكي تبقي مبسوطة يا ماما.
حاولت أتماسك وأطمنها، وفضلت أتكلم معاها بهدوء لحد ما قدرت أسألها السؤال اللي كنت خايفة أسمع إجابته.
قلت لها
حبيبتي، هو كريم قالك إن أنا اللي عايزاكي تفضلي قاعدة مع الأطفال؟
سكتت شوية.
وبعدين همست
قال إنك غالبًا مش هتتكلمي في الموضوع، عشان مش عايزة تزعلي مشاعري.
غمضت عيني للحظة.
لكنها كملت كلامها، وكل كلمة كانت بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
قال إن الكبار ساعات بيحتاجوا الأطفال يفهموا حاجات معينة لوحدهم، من غير ما يخلوا أي حد يحس بالذنب.
بست راسها برفق وقلت لها
يا حبيبتي، الكلام ده مش حقيقي. إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط.
بعدت عني شوية، وبصتلي بقلق.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت قلبي يقع من مكانه
بس هو قال إنك ممكن تلغي الفرح لو أنا حكيتلك.
فضلت باصة في عينيها، وسألتها
هو قالك كده فعلًا؟
هزت راسها بالإيجاب.
قال إنك هتزعلي، وهتحسي إنك لازم تختاري بين حاجتين.
سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي
تختار بين إيه وإيه؟
صوتها بدأ يرتعش وهي بتقول
بيني وبينه.
للحظات، ما سمعتش أي صوت غير همهمة التكييف الهادية في الأوضة.
وفجأة، خبط حد على الباب.
سمعت صوت نهى، منسقة الفرح، وهي بتقول
مريم؟ ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟ محتاجين نأكد ترتيب دخول الناس في المراسم.
بصيت ناحية الفستان الموف المعلّق على الكرسي.
وبعدين رجعت بصيت لبنتي.
وقلت لها
ملك، حبيبتي، اقعدي هنا مع خالتو رنا شوية.
كانت رنا، صاحبتي المقربة، قاعدة جنب الشباك، وبتبصلنا بتعبير عمري ما شفته على وشها قبل كده.
هزت راسها بهدوء، كأنها فهمت إن في حاجة كبيرة حصلت.
قمت من مكاني، وعدلت فستان الفرح، وفتحت الباب.
بصيت لنهى وقلت لها
عايزة أراجع معاكي جدول مراسم الفرح من الأول.
ابتسمت وقالت
طبعًا يا مريم. كريم بعتلي النسخة النهائية يوم الاتنين.
يوم الاتنين!
نفس اليوم اللي كريم اتكلم فيه مع بنتي.
بصيتلها، وبدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد تغيير مكان بنتي في مراسم الفرح.
لأن لو كريم كان واثق إن مفيش أي مشكلة في طلبه، ليه خلى بنت عندها 11 سنة تشيل هم قرار زي ده لوحدها؟
وليه خوفها من إنها تزعّلني كان أهم عنده من إنها تحس إنها بنتي، وليها مكانها الطبيعي جنبي؟
في اللحظة دي، أخدت قرار إني لازم أعرف كل التفاصيل قبل ما أخرج من الأوضة دي.
لكن اللي اكتشفته في جدول الفرح اللي كريم بعته يوم الاتنين، كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة!
يتبع في التعليقات
فتحت نهى الملف اللي كان معاها، وبدأت تراجع تفاصيل الحفل واحدة واحدة.
في البداية، كل حاجة كانت طبيعية؛ أسماء المدعوين، ترتيب دخول العريس، موسيقى الفرح، ومكان وقوف أهل العريس.
لكن لما وصلت لصفحة ترتيب دخول العروسة، لاحظت إن فيه سطر متشال منه اسم ملك.
سألتها باستغراب
هو اسم بنتي كان موجود هنا واتشال؟
نهى بصت للورق، وبعدها بصتلي بتردد.
أيوه يا مريم، النسخة الأولى كان فيها اسم ملك، وكانت هتدخل معاكي في بداية المراسم. لكن كريم طلب تعديل الجدول يوم الاتنين.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
سألتها
وكتب إيه بدل اسمها؟
قلبت نهى الصفحة، وأشارت لسطر مكتوب فيه إن ملك هتكون مع الأطفال في آخر القاعة، وإن دخول العروسة هيكون بمفردها.
لكن المفاجأة ما كانتش في التعديل ده لوحده.
كان فيه ملاحظة إضافية مكتوبة تحت الجدول
يُرجى عدم تغيير الترتيب يوم الحفل، حتى لو طلبت العروسة ذلك.
فضلت باصة للجملة دي، مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
يعني كريم ما اكتفاش إنه يغيّر دور بنتي من غير ما يرجعلي، ده كمان كان حاطط حسابه إني ممكن أعترض، وطلب من منسقة الفرح إنها تلتزم بقراره مهما حصل!
رفعت عيني لنهى وسألتها
هو قالك ليه لازم تلتزمي بالتعليمات دي؟
ردت بتردد
قال إن الموضوع مهم بالنسبة لأهله، وإنه مش عايز أي خلاف يحصل قدام المدعوين.
سكتت لحظة، وبعدين أضافت
وقال كمان إنك وافقتي على الترتيب الجديد.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أنا؟! أنا وافقت إمتى؟
نهى اتلخبطت وقالت
هو قال إنك عارفة، وإن ملك نفسها ممكن تكون متوترة من الظهور قدام الناس، وإن الأفضل إنها تقعد مع الأطفال.
في اللحظة دي، فهمت إن كريم ما كانش بيحاول يحل مشكلة موجودة بالفعل.
هو كان بيصنع مشكلة، وبيخلّي بنتي تعتقد إن الحل الوحيد هو إنها تتنازل عن مكانها جنبي.
طلبت من نهى تسيبلي الملف شوية، ورجعت لأوضة التجهيز.
لقيت ملك قاعدة في مكانها، ورنا جنبها بتحاول تفهم منها اللي حصل.
أول ما شافتني، سألتني بقلق
ماما، إنتِ زعلانة مني؟
قربت منها وقلت
لأ يا حبيبتي، أنا مش زعلانة منك أبدًا. أنا بس اكتشفت إن فيه حاجات كان لازم أعرفها من زمان.
سألتني بصوت منخفض
يعني أنا لسه ممكن ألبس الفستان الموف؟
بصيت للفستان المعلّق، وابتسمت لها.
طبعًا يا ملك. الفستان ده اخترتيه علشان تكوني جنبي في يوم مهم بالنسبة لنا إحنا الاتنين.
لكنها ما ابتسمتش.
وبعد لحظة صمت، سألتني
طب لو كريم زعل؟
السؤال ده كان أصعب من كل اللي قبله.
لأن بنتي، بدل ما تكون مشغولة بفرحها، بقت شايلة هم مشاعر راجل المفروض إنه هيكون جزء من عيلتنا.
قلت لها بهدوء
يا ملك، من حق أي حد يقول رأيه، لكن مش من حقه يخليكي تحسي إن وجودك في حياة مامتك مشكلة.
رنا بصتلي وقالت
مريم، لازم تتكلمي مع كريم قبل ما تاخدي أي قرار.
هزيت راسي وقلت
عندك حق. لكن المرة دي، أنا اللي هسأله، وأنا اللي هستنى إجابته.
أخدت تليفوني واتصلت بكريم.
رد بعد الرنة التانية، وكان صوته طبيعي جدًا.
أيوه يا مريم، كل حاجة تمام؟
قلتله
محتاجة أتكلم معاك في ترتيب دخول العروسة.
سكت ثانية، وبعدين قال
فيه إيه؟ حصل تغيير؟
سألته مباشرة
ليه شلت اسم ملك من الجدول من غير ما ترجعلي؟
الصمت اللي جه بعد السؤال كان كفاية يخليني أعرف إنه ما كانش متوقع إني أشوف النسخة المعدلة.
وبعدين قال
مريم، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده، وأنا كنت بحاول أرتب الأمور بطريقة مناسبة للجميع.
رديت عليه
إحنا ما اتكلمناش في الموضوع ده نهائيًا.
قال بنبرة حاول يخليها هادية
أنا بس شايف إن الأفضل إن ملك تقعد مع الأطفال. ده يومنا إحنا، ومش عايز أي حاجة تشتت الانتباه عن المراسم.
بصيت لبنتي، اللي كانت بتسمع كلامه من مكاني.
وسألته
طيب، ليه قلتلها إن أهلك ممكن يتضايقوا من وجودها جنبي؟
المرة دي، صوته اتغير.
هي قالتلك الكلام ده؟
قلت
أيوه، قالتلي كل حاجة.
تنهد، وبعدها قال
أنا ما كنتش عايز أزعلك، لكن لازم تفهمي إن فيه اعتبارات عائلية لازم نراعيها.
سألته
اعتبارات إيه اللي تخليك تتفق مع بنت عندها 11 سنة على حاجة تخصني وتخصها، وتطلب منها تخبيها عني؟
رد بسرعة
أنا ما طلبتش منها تخبي حاجة. أنا بس قلتلها ما تكبرش الموضوع.
قلتله
وإيه معنى إنك تقولها إني ممكن أضطر أختار بينك وبينها؟
ما ردش على طول.
وبعدين قال جملة خلتني أعرف إن المكالمة دي مش هتنتهي بسهولة
مريم، إنتِ مكبرة الموضوع أكتر من اللازم. لو كل قرار صغير هيعمل مشكلة بالشكل ده، يبقى إحنا لازم نراجع توقعاتنا من الجواز.
بصيت لملك، ولقيتها بدأت تبص للأرض من جديد.
في اللحظة دي، ما بقيتش مهتمة بإقناعه إن اللي عمله غلط.
كان عندي سؤال واحد بس.
قلتله
كريم، أنا محتاجة إجابة واضحة. هل إنت موافق إن ملك يكون ليها مكان طبيعي في عيلتنا، من غير ما تحسسها إنها عبء أو إنها لازم تتنازل عن حقوقها علشان ترضيك؟
رد بعد صمت قصير
طبعًا، لكن لازم كل واحد يعرف حدوده.
سألته
وحدود ملك إيه بالظبط؟
لكني ما سمعتش إجابة مباشرة.
بدل كده، قال
خلينا نتكلم لما توصلي القاعة. مش وقته دلوقتي.
وبعدها أنهى المكالمة.
فضلت واقفة مكاني، والتليفون في إيدي.
كان فاضل أقل من ساعة على الفرح.
لكن لأول مرة من شهور، ما بقيتش بفكر في الفستان، ولا الورد، ولا المدعوين.
كنت بفكر في سؤال واحد
هل أنا مستعدة أبدأ حياة جديدة مع شخص بيطلب من بنتي إنها تصغّر مكانها في حياتي علشان هو يرتاح؟
وقبل ما أقدر أرتب أفكاري، تليفوني وصلته رسالة جديدة من رقم كريم.
فتحت الرسالة، وقرأت أول سطر.
كان مكتوب
مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تدخلي القاعة، لكن أرجوكي ما تتسرعيش في الحكم عليّا...
وتحت الرسالة، كان فيه صورة لمستند قديم، عليه اسم بنتي ملك.
يا ترى إيه المستند اللي كريم بعتُه؟ وليه كان محتفظ بيه من الأساس؟
كانت بنتي بتسألني إذا كان من حقها تفرح في يوم فرحي، ولا لازم تتنازل عن فرحتها علشان ترضي شخص تاني.
قعدت قدامها وقلت لها
يا ملك، اسمعيني كويس. إنتِ مش مسؤولة عن زعل الكبار، ومش مطلوب منك تتنازلي عن مكانك في حياتي علشان أي حد يكون مبسوط.
فضلت ساكتة، وبعدها قالت
يعني مش هتسيبيني لوحدي؟
قلت