أبويا لقاني حكايات ميراا حصري

لمحة نيوز

إنه ما نامش طول الليل.
أول ما شافها، وقف وقال
ممكن نتكلم شوية؟
مريم بصت لأبوها، فهز راسه وقال لها
اتكلمي معاه لو إنتِ مرتاحة، وأنا موجود لو احتجتيني.
قعدت مريم على الكنبة، وأحمد قعد بعيد عنها بمسافة.
طلع من شنطته ملف أزرق، وحطه على الترابيزة.
أنا روحت لبابا الصبح، وطلبت منه يشرح لي موضوع الورق ده.
مريم سألت بسرعة
وقال لك إيه؟
أحمد فتح الملف، وطلع منه ورقة قديمة.
بابا كان عارف إن ماما عايزة تتحكم في موضوع العربية، لكنه ما كانش موافق على إننا نبيعها من غير علمك.
مريم عقدت حاجبيها.
أمال ليه مضى على الورقة؟
أحمد شرح لها إن والده كان قد وقّع على مستند متعلق بمناقشة حل مالي للديون، وإن توقيعه ما كانش معناه نقل ملكية العربية أو إعطاء سعاد الحق في التصرف فيها.
لكن المشكلة إن سعاد استخدمت الورقة دي علشان تقنع أحمد إن والده موافق على خطتها.
مريم بصت له بذهول.
يعني إنت ما سألتش باباك بنفسك؟!
أحمد نزل عينيه.
لأ. صدقت كلام ماما، وده كان غلط مني.
مريم أخدت الورقة وراجعتها، وبعدها رجعتها مكانها.
كويس إن الحقيقة ظهرت. بس ده ما يغيرش اللي إنت عملته معايا.
أحمد هز راسه.
أنا عارف.
وبعدين طلع من جيبه مفتاح العربية وحطه قدامها.
دي مفاتيح عربيتك. أنا جبتها من ماما، وعايزك تعرفي إني مش هحاول أتصرف فيها تاني.
مريم بصت للمفتاح، لكنها ما مدتش إيدها تاخده.
قالت له
أنا مشكلتي ما كانتش في المفتاح نفسه يا أحمد. لو كنت اديتهولي من أول مرة، كنت هفضل أسأل نفسي ليه سكت لما ماما أخدته؟ وليه ما وقفتش جنبي؟
أحمد رد بحزن
علشان كنت ضعيف، وخفت أواجه ماما، وكنت فاكر إن السكوت هيخلّي الدنيا أهدى.
مريم قالت
لكن سكوتك خلّى حياتي أصعب.
فضل أحمد ساكت، وبعدها قال
أنا مش طالب منك تسامحيني النهارده. أنا بس عايز فرصة أصلح اللي بوظته.
مريم بصت له طويلًا.
كانت لسه بتحبه، أو على الأقل كانت بتحب الشخص اللي كانت فاكرة إنه جوزها. لكن الحب لوحده ما بقاش كفاية علشان يخليها ترجع لنفس الظروف.
قالت له
لو إنت فعلًا عايز تصلح اللي حصل، لازم تبدأ بأفعالك، مش بالكلام.
قولي لي أعمل إيه.
أول حاجة، كل ورق العربية يتراجع بشكل قانوني، وأتأكد إن مفيش أي التزام أو إجراء اتعمل من غير علمي. تاني حاجة، أنا مش هرجع أعيش في بيت مامتك. ولو هنفكر في مستقبلنا، لازم يكون عندنا مكان مستقل، وقراراتنا تكون بيني وبينك.
أحمد هز راسه ببطء.
موافق.
مريم كملت
وتالت حاجة، ياسين مش وسيلة ضغط بيننا. مش هسمح إن حد يستخدمه علشان يجبرني أرجع أو يخليني أخاف من إني أمشي.
أحمد بص ناحية الغرفة اللي ابنه نايم فيها، وقال
عمره ما هيكون وسيلة ضغط. ده ابني زي ما هو ابنك.
في اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
كانت سعاد.
رد عليها، فسمعها بتسأله بعصبية
إنت فين يا أحمد؟ وإيه اللي بتعمله عند مريم؟
أحمد رد بهدوء
أنا عند مراتي وابني، وبحاول أصلح المشكلة اللي أنا كنت جزء منها.
سعاد رفعت صوتها
يعني إنت واقف في صفها ضدي؟ بعد كل اللي عملته علشانك؟
أحمد سكت لحظة، وبعدها قال
يا ماما، إنتِ ساعدتيني كتير، وأنا مش هنكر ده. لكن المساعدة مش معناها إننا نتحكم في حياة مريم أو نقرر نبيع حاجتها من غير موافقتها.
سعاد ردت بانفعال
إنت هتندم على الكلام ده!
أحمد قال
ممكن أندم على حاجات كتير، لكن مش هكرر نفس الغلط.
وقفل المكالمة.
مريم كانت بتراقبه في صمت.
المرة دي، أحمد ما حاولش يطلب منها تتدخل أو تهدي أمه أو تتحمل علشان خاطره.
لكنه برضه كان لسه محتاج يثبت إن التغيير ده حقيقي، مش مجرد رد فعل لخوفه من خسارتها.
بعد شوية، قام أحمد وقال
أنا همشي دلوقتي، وهبدأ أدوّر على شقة مناسبة. ومش هضغط عليكِ ترجعي قبل ما تكوني مستعدة.
مريم ردت
خليك فاكر إن الثقة بترجع بالأفعال، ومش في يوم وليلة.
هز راسه، وخرج.
وبعد ما الباب اتقفل، أبوها دخل وقعد جنبها.
سألها
إنتِ حاسة بإيه دلوقتي؟
مريم بصت لمفاتيح العربية اللي لسه فوق الترابيزة، وقالت
حاسة إني أخيرًا عرفت جزء من الحقيقة، لكن مش عارفة إذا كنت أقدر أثق فيه تاني ولا لأ.
أبوها رد بهدوء
مش لازم تحسمي كل حاجة النهارده. خدي وقتك، وركزي على صحتك وابنك وشغلك. واللي عايز يصلح غلطه، هيبان من تصرفاته.
مريم هزت راسها.
لكن قبل ما تقوم، وصلتها رسالة من رقم الحاج حسن.
كانت رسالة قصيرة جدًا
يا مريم، فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها عن الفلوس اللي أحمد خسرها، والموضوع أكبر من الديون اللي قال لك عليها. لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، تعالي قابليني لوحدك.
مريم قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين بصت لأبوها، وورته الموبايل.
أبوها قرأ الرسالة، وملامحه اتغيرت.
قال لها
مش هتروحي تقابلي حد لوحدك وإنتِ مش عارفة هو عايز إيه. لو فيه حقيقة لازم تعرفيها، نقدر نسمعها في مكان آمن وبوجود حد معاكي.
مريم فضلت تبص للرسالة.
لأنها بدأت تشك إن خسارة أحمد لشغله والديون اللي دخل فيها، كانوا مجرد جزء من حكاية أكبر.
فإيه اللي كان الحاج حسن مخبيه عن ابنه ومراته؟ وليه استنى لحد ما مريم سابت البيت علشان يتكلم؟
الإجابة كانت هتغيّر نظرة مريم للعيلة كلها، لكن المرة دي كانت مصممة إنها تعرف الحقيقة من غير ما تسمح لأي حد يتحكم في قرارها.
يتبع في الجزء الخامس...
الجزء الخامس السر اللي قلب حياة العيلة كلها
مريم فضلت تبص لرسالة الحاج حسن، وتحاول تفهم ليه عايز يقابلها لوحدها، وليه اختار الوقت ده بالذات علشان يتكلم.
أبوها محمود قال لها
يا بنتي، إحنا مش هنفترض سوء النية، لكن برضه مش هنمشي ورا كلام أي حد من غير ما نفهم. اتصلي بيه وخليه ييجي هنا، ولو عنده حاجة يقولها، يقولها قدامنا.
مريم فكرت شوية، وبعدها بعتت للحاج حسن رسالة
يا عمي، أنا مستعدة أسمعك، لكن المقابلة هتكون عند بابا، وبوجوده.
بعد حوالي عشر دقايق، رد عليها
موافق. أنا جاي حالًا.
مريم قلبها كان بيدق بسرعة. كانت خايفة تسمع حاجة جديدة توجعها، لكنها في نفس الوقت ما بقتش مستعدة تعيش في الشك.
بعد نص ساعة، الحاج حسن وصل.
دخل البيت وملامحه باين عليها التعب. سلّم على محمود، وقعد قدام مريم، وبعدها طلع ظرف أبيض من جيبه.
قال بصوت هادي
أنا عارف إن اللي حصل لك مش سهل، وعارف إنك اتظلمتي في حاجات كتير. ويمكن أنا كمان غلطت لما سكت.
مريم سألته مباشرة
حضرتك كنت عارف إن طنط سعاد أخدت مفاتيح عربيتي؟
هز راسه.
عرفت بعد ما حصلت المشكلة بينكم، لكن ما كنتش أعرف إنها هتسيبك تمشي كل المسافة دي وإنتِ مصابة وشايلة ياسين.
مريم ردت بحزن
حتى لو حضرتك ما كنتش تعرف التفاصيل، كنت تقدر توقف اللي بيحصل من الأول.
الحاج حسن نزل عينيه.
عندك حق يا بنتي.
وبعدين فتح الظرف وطلع مجموعة أوراق.
أنا جاي علشان أوضح لك موضوع الديون، لأن أحمد ما قالكِش كل الحقيقة.
محمود قرب الكرسي بتاعه، وقال
اتفضل، إحنا سامعينك.
الحاج حسن بدأ يحكي.
بعد ما أحمد خسر شغله، حاول يفتح مشروع صغير لتصميم المواقع والخدمات الإلكترونية. كان متحمس للفكرة، واعتقد إنه هيقدر يعوض دخله بسرعة.
في البداية، استخدم جزء من مدخراته، وبعدها اقترض مبلغًا من أحد معارفه علشان يدفع تكاليف المشروع.
لكن المشروع ما حققش الأرباح اللي كان متوقعها، وبدأت الالتزامات تزيد عليه.
مريم كانت عارفة إنه بيحاول يشتغل من البيت، لكنها ما كانتش تعرف إنه وصل للمرحلة دي.
سألته
طيب، ليه أحمد ما قالش لي؟
الحاج حسن رد
لأنه كان محرج من نفسه. كان خايف تحسي إنه مش قادر يتحمل مسؤولية بيته. ولما أمه عرفت بحجم المشكلة، قررت إنها تتدخل بطريقتها.
مريم هزت راسها بحزن.
يعني بدل ما يساعدوه يواجه المشكلة، قرروا يتحكموا في حياتي أنا كمان؟
الحاج حسن ما حاولش يدافع عن سعاد.
قال
للأسف، أمه كانت شايفة إن السيطرة على المصاريف هي الحل، وأنا ما وقفتش عند النقطة دي بالجدية الكافية.
وبعدين مد لها ورقة من الأوراق.
كانت كشفًا بالمبالغ اللي أحمد اقترضها، والمبالغ اللي سددها بالفعل.
مريم قرأت الأرقام بتركيز.
الديون كانت حقيقية، لكن فيه تفصيلة مهمة لاحظتها.
جزء من المبالغ كان متعلقًا بمصروفات شخصية للأسرة، مش بالمشروع وحده.
رفعت عينيها وسألته
المصاريف دي كلها كانت على المشروع؟
الحاج حسن اتردد.
لأ. جزء منها كان للمشروع، وجزء تاني كان مصاريف البيت، وجزء كانت أم أحمد بتدفعه في حاجات تخص العيلة.
مريم رجعت الورقة للظرف.
طب إيه علاقة عربيتي بكل ده؟
الحاج حسن أخد نفس طويل، وقال
سعاد كانت شايفة إن بيع العربية هيحل جزءًا من الأزمة، وبدل ما أحمد يواجهك بالحقيقة، حاول يقنع نفسه إن الموضوع مؤقت وإنه هيعوضك بعدين.
مريم بصت له بثبات.
بس أنا ما وافقتش، وهو كان عارف إني مش هوافق.
الحاج حسن رد
أيوه، وده كان غلطه.
سكتت مريم شوية، وبعدها سألت السؤال اللي كان شاغلها من أول ما شافت الورق
هل فيه أي ورقة اتوقعت فعلًا تسمح ببيع العربية أو نقل ملكيتها؟
الحاج حسن رد بحزم
حسب الأوراق اللي معايا، ما فيش مستند مكتمل ينقل ملكيتها. لكن علشان تطمني تمامًا، لازم تراجعي أوراق العربية مع جهة مختصة، وتتأكدي إن بيانات الملكية والتمويل سليمة.
محمود أومأ موافقًا.
وده اللي هنعمله.
مريم حسّت إن جزءًا من الغموض بدأ يختفي، لكنها ما كانتش مرتاحة تمامًا.
لأنها اكتشفت إن المشكلة الحقيقية ما كانتش بس في الديون، ولا في الورق.
كانت في إن أقرب الناس ليها قرروا يتعاملوا مع حقوقها وكأنها أمر قابل للتفاوض من غير ما يرجعوا لها.
الحاج حسن كمل كلامه
فيه حاجة تانية يا مريم. أنا عايزك تعرفي إن أحمد مش شخص سيئ، لكنه أخد قرارات غلط، وسكوته زوّد المشكلة. وأنا مش جاي أطلب منك ترجعي له غصب عنك، ولا أطلب منك تنسي اللي حصل. أنا بس عايزك تسمعي الحقيقة كاملة.
مريم ردت بهدوء
أنا مش بحكم عليه من غلطة واحدة، يا عمي. لكن اللي حصل كان مجموعة قرارات، وكل قرار كان بيخليني أحس إني لوحدي أكتر.
الحاج حسن هز راسه.
فاهمك.
وبعدين قال جملة خلت محمود يبص له باهتمام
أنا قررت أساعد أحمد في تسوية الديون، لكن بشرط إنه يتحمل مسؤولية قراراته، ويكون واضح معاكم من دلوقتي.
مريم سألته
يعني حضرتك هتدفع الديون كلها؟
مش كلها بالضرورة، لكن هساعده يرتبها، وهنشوف إيه اللي ممكن يتسدد وإيه اللي محتاج اتفاق جديد مع أصحاب الديون. والأهم إنه ما يدخلش في التزامات جديدة من غير ما يدرسها كويس.
مريم قالت
ده شيء كويس ليه، لكن بالنسبة لي، مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
الحاج حسن رد
وأنا ما طلبتش منك كده.
قبل ما يمشي، بص لمريم وقال
فيه حاجة واحدة عايزك تفكري فيها. أحمد محتاج يتعلم إنه يكون زوج وأب مسؤول، مش مجرد شخص بيحاول يرضي أمه ويهرب من المواجهة. ولو قررتي تدي له فرصة، خليها فرصة بشروط واضحة، مش مجرد وعود.
مريم شكرته، وودعته.
بعد ما خرج، محمود قال لبنته
شايفة يا مريم؟ الحقيقة بدأت تظهر، لكن القرار في إيدك إنتِ.
مريم فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قامت، وراحت تطمن على ياسين.
كان ابنها نايم بهدوء، وإيده الصغيرة ماسكة طرف البطانية.
قعدت جنبه، وبدأت تفكر في كل اللي حصل خلال الأيام الماضية.
هي ما كانتش عايزة تنتقم من أحمد، ولا كانت عايزة تحرمه من ابنه.
كانت عايزة
تم نسخ الرابط