أبويا لقاني حكايات ميراا حصري
أبويا لقاني ماشية مسافة تقرب من كيلو، ورجلي مصابة، وشايلة ابني الرضيع، في حين إن العربية اللي أنا بدفع أقساطها كانت سليمة وواقفة قدام البيت! ولما وصلت، حماتي قالت بكل بجاحة العربية دي بتاعة ابني، مش بتاعتك. واتصلت بظابط شرطة، وقررت أمشي من البيت في نفس الليلة. لكن مجموعة مفاتيح كانت مرمية على الكومودينو كشفت مين اللي كان سامح بكل اللي بيحصل من البداية!
الجزء الأول
مريم أحمد عمرها ما كانت تتخيل إن اليوم اللي هتشوف فيه عربيتها السودا واقفة قدام فيلا أهل جوزها، وهي راجعة على رجليها بتعرج وشايلة ابنها اللي عنده 11 شهر، وفي إيديها شنطتين أكل قاطعين صوابعها من تقلهم، هيكون اليوم اللي هتبدأ فيه تشك إن جوازها كله في خطر.
كانت ماشية مسافة تقرب من كيلو من السوبر ماركت في أكتوبر. عجلة عربية البيبي اتكسرت في نص الطريق، وكمان كاحل رجلها الشمال كان متلوّي من 3 أيام وهي نازلة السلم، وكل خطوة كانت بتوجعها كأنها ماشية على نار.
لكن الوجع الحقيقي ماكانش في رجلها.
الوجع كان إنها عارفة إن عربيتها اللي بتدفع قسطها كل شهر، واللي قيمته 21 ألف جنيه تقريبًا، واقفة على بُعد أقل من 20 متر من باب الفيلا!
وفجأة، عربية رمادي وقفت جنب الرصيف.
مريم؟!
كان أبوها، الحاج محمود أحمد، عنده 63 سنة، وخرج معاش بعد سنين طويلة من الخدمة في الجيش. مريم نادرًا ما كانت بتحكي عن ماضيه، ولا عن الخبرات اللي اكتسبها خلال سنين خدمته.
نزل أبوها بسرعة من العربية، أخد منها الشنط، وبص الأول على حفيده ياسين، وبعدها على كاحل رجل بنته اللي كان وارم بوضوح.
سألها بقلق
عربيتك فين يا مريم؟
مريم نزلت عينيها وقالت بصوت واطي
مع طنط سعاد.
أبوها وقف مكانه من غير ما ينطق بكلمة.
سعاد، أم جوزها أحمد، بقالها 6 شهور بتكرر على مسامع مريم إنها المفروض تكون شاكرة ومقدّرة اللي هما بيعملوه معاها.
لما أحمد خسر شغله في شركة تكنولوجيا، اضطروا يسيبوا شقتهم الإيجار، ووافقوا يقعدوا مؤقتًا في فيلا أهله الكبيرة.
في البداية، مريم افتكرت إن الموضوع هيكون فرصة كويسة لحد ما جوزها يلاقي شغل جديد.
كانت سعاد بتطبخ، وبتساعدها في رعاية ياسين وقت ما تدخل تستحمى، وكانت دايمًا تقول
العيلة ضهر لبعض، وإحنا لازم نساعد بعض وقت الشدة.
لكن بعد أسبوعين بس، كل حاجة اتغيرت.
سعاد بدأت تحدد لمريم الساعة اللي مسموح لها تشغّل فيها الغسالة، ومدة الاستحمام، ونوع الأكل اللي ينفع تشتريه للبيبي، وإمتى مسموح لها تدخل المطبخ وتستخدمه.
وبعدها بدأت الأسئلة اللي مالهاش آخر كل ما مريم تحاول تخرج من البيت.
رايحة فين؟
هتتأخري قد إيه؟
هو إنتِ لازم تاخدي العربية كل شوية؟
مريم كانت بتشتغل من البيت بالليل، كمصممة جرافيك لصالح كذا شركة، وكانت بتدفع مصاريف الحفاضات واللبن وجزء من مصاريف البيت، بالإضافة لقسط العربية.
ومع كل ده، كانت سعاد قدام الضيوف بتقول بكل ثقة إن مرات ابنها عايشة على حسابهم.
أما أحمد، فكان دايمًا بيردد نفس الجملة
استحملي شوية يا مريم. أول ما ألاقي شغل، هنسيب البيت ونرجع نعيش لوحدنا.
ومريم استحملت.
استحملت علشان ابنها، وعلشان جوازها، وعلشان كانت لسه مصدقة إن الأيام الصعبة دي مجرد فترة وهتعدي.
لحد ما حصل اللي قلب حياتها من 3 أيام.
بعد ما رجلها اتلوّت، نزلت الصبح علشان تفطر، لكنها اكتشفت إن مفاتيح عربيتها اختفت.
كانت سعاد قاعدة جنب رخامة المطبخ الفخمة، بتشرب قهوتها بكل هدوء.
مريم سألتها
طنط سعاد، إنتِ شفتي مفاتيح عربيتي؟
سعاد ردت من غير ما ترفع عينيها
أيوه، معايا.
مريم استغربت.
طب ممكن تديني إياها؟ أنا عندي ميعاد عند دكتور الأطفال علشان ياسين.
سعاد حطت الفنجان على الرخامة وقالت ببرود
إنتِ مش محتاجة تسوقي ورجلك بالشكل ده.
مريم حاولت تشرح لها
بس أنا لازم أروح للدكتور، والميعاد متحدد من فترة.
سعاد ردت بكل بساطة
غيّري الميعاد.
مريم بصتلها بعدم تصديق، وبعدين قالت بنبرة حازمة
يا طنط سعاد، دي عربيتي وأنا اللي بدفع أقساطها!
سعاد رفعت عينيها أخيرًا، وبصتلها نظرة باردة.
طول ما إنتِ عايشة تحت سقفي، ماينفعش تتصرفي كأن كل حاجة ملكك!
مريم حسّت إن أعصابها خلاص هتفلت منها.
لفّت وشها ناحية أحمد، اللي كان قاعد على بُعد مترين، مركز في موبايله وكأنه مش سامع أي حاجة.
قالت له
أحمد، إنت سامع ماما بتقول إيه؟ قول لها تديني مفاتيح عربيتي!
لكن أحمد ما ردش.
حتى إنه ما رفعش عينيه من على شاشة الموبايل.
وفي اللحظة دي، مريم حسّت إن حاجه جواها اتكسرت.
مش بسبب العربية، ولا بسبب إنها مضطرة تمشي وهي مصابة.
لكن بسبب إن جوزها، الشخص اللي المفروض يكون سندها وأمانها، اختار يسكت ويسيبها تواجه كل ده لوحدها.
رجعنا للحظة اللي أبوها لقاها فيها في الشارع.
جوه عربية أبوها، مريم حكت له كل اللي حصل، وكانت بتحاول طول الوقت تلاقي أعذار لأحمد.
قالت له وهي بتحاول تمنع دموعها
هو بس تعبان نفسيًا يا بابا من ساعة ما خسر شغله. حاسس إنه مش قادر يعمل حاجة، وأنا مش عايزة أضغط عليه أكتر من كده.
أبوها بص لها للحظات، وبعدين سألها سؤال خلّاها تسكت تمامًا
طب وإنتِ يا مريم؟ مين شايلك وإنتِ تعبانة؟ ومين بيسندك وإنتِ مش قادرة تقفي على رجلك؟
مريم فتحت بقها علشان ترد، لكنها ما لقتش أي إجابة.
لأن الحقيقة كانت واضحة قدامها، حتى لو فضلت تهرب منها شهور طويلة.
وصلوا للفيلا، وكانت عربيتها السودا واقفة في مكانها قدام المدخل، سليمة ونضيفة، كأن مفيش أي حاجة حصلت.
أبوها أشار بإيده ناحية العربية وقال
تعالي معايا.
نزلوا من العربية ودخلوا ناحية المدخل.
وهناك، فوق الكومودينو اللي جنب الباب، شافوا مجموعة مفاتيح.
أبوها أشار ليها وسأل
دي مفاتيح عربيتك؟
مريم قربت وبصت كويس.
لأ يا بابا، مش بتاعتي.
أبوها سألها بهدوء
أمال بتاعة مين؟
مريم حسّت إن قلبها بدأ يدق بسرعة.
لأنها كانت متأكدة إن فيه مجموعتين بس من مفاتيح العربية.
المجموعة الأولى كانت بتاعتها، واللي اختفت من شنطتها.
أما المجموعة التانية، فكانت مع أحمد.
بصت لمفاتيح العربية، وبعدها رفعت عينيها ناحية أبوها.
وفجأة، كل حاجة بدأت تتجمع في دماغها.
قالت بصوت مبحوح
أحمد هو اللي اداها لمامته!
أبوها هز راسه بهدوء، من غير ما يرفع صوته أو يدخل في جدال.
وبعدين قال لها
يبقى إحنا النهارده مش هنتخانق علشان عربية يا مريم. إحنا النهارده هنعرف إذا كان جوزك لسه واقف في صفك، ولا إنتِ لوحدك في الجوازة دي من زمان.
مريم بصت ناحية باب الفيلا
ولأول مرة من شهور، بطّلت تدور على أعذار لجوزها، وبطّلت تحاول تبرر تصرفات حماتها.
لكن اللي ماكانتش تعرفه لسه، إن الحقيقة اللي هتكتشفها في الساعات الجاية أكبر بكتير من مجرد مفاتيح عربية.
لأن فيه سر مستخبي جوه البيت ده، وشخص واحد بس كان عارفه من البداية.
والسؤال اللي فضِل يطارد مريم في اللحظة دي كان هل أحمد فعلًا سلّم مفاتيح عربيتها لأمه بإرادته، ولا كان فيه اتفاق تاني محدش قال لها عنه؟
يتبع...
الجزء الثاني السر اللي كان مستخبي في البيت
مريم كانت واقفة جنب أبوها، حاضنة ياسين، وعينيها بتتنقل بين المفاتيح اللي فوق الكومودينو وباب الصالة.
أبوها قال لها بهدوء
اطلعي هاتي حاجتك وحاجة الولد، وإحنا هنمشي من هنا النهارده.
مريم اترددت.
بس يا بابا، أحمد لسه ما رجعش من الشغل، وأنا لازم أتكلم معاه الأول.
أبوها بص لها بجدية وقال
يا بنتي، إنتِ مش مطالبة تستأذني حد علشان تاخدي حاجتك، ولا تستني موافقة جوزك علشان تحمي نفسك وابنك. إنتِ بس لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تاخدي قرارك النهائي.
مريم هزت راسها، وطلعت السلم وهي بتحاول تستند على الحيطة بسبب رجلها المصابة.
أول ما دخلت أوضتها، لقت شنطة ياسين مفتوحة فوق السرير، وهدومه متكومة على الكرسي. بدأت تجمع حاجتها بسرعة، لكن وهي بتفتح درج الكومودينو علشان تدور على أوراقها، لقت ظرف بني صغير محشور تحت مجموعة من الفواتير.
مسكته باستغراب.
كان مكتوب عليه بخط أحمد
أوراق العربية مهم جدًا.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقتين.
الأولى كانت صورة من عقد شراء العربية، والتانية كانت ورقة خاصة بالتأمين وتجديد البيانات.
لكن اللي لفت نظرها كان ورقة تالتة مطوية بعناية، وعليها توقيع أحمد وتوقيع شخص تاني.
مريم حاولت تقرا الكلام، لكن صوت خطوات في الطرقة خلاها تخبي الورق بسرعة.
دخلت سعاد الأوضة من غير ما تخبط.
بصت للشنطة المفتوحة، وبعدين لمريم.
إيه اللي إنتِ بتعمليه ده؟
مريم ردت بهدوء
بجهز حاجتي وحاجة ياسين.
سعاد عقدت إيديها قدام صدرها.
ورايحة فين إن شاء الله؟
راجعة عند أهلي.
سعاد ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت
إنتِ فاكرة إنك تقدري تمشي كده وتاخدي ابن ابني معاكي؟ ده إنتِ مش هتعرفي تعيشي من غيرنا يومين!
مريم بصتلها، ولأول مرة ما خافتش من كلامها.
أنا عشت هنا 6 شهور، وكل يوم كنت بحاول أرضيكي. لكن النهارده أنا همشي، ومش هسمح لحد يمنعني إني آخد ابني وحاجتي.
ملامح سعاد اتغيرت.
قربت خطوة وقالت بنبرة حادة
اسمعي يا مريم، العربية دي مش من حقك تتصرفي فيها لوحدك، وأحمد هو اللي قرر إن المفاتيح تفضل معايا.
مريم ثبتت عينيها عليها.
يعني أحمد فعلًا هو اللي اداكي المفاتيح؟
سعاد سكتت لحظة، وكأنها أدركت إنها قالت أكتر مما كان لازم.
وبعدين ردت بسرعة
أيوه، وإيه المشكلة؟ دي أمه، ومن حقه يسمع كلامي.
مريم أخدت نفس طويل.
بس دي عربيتي، وأنا اللي بدفع أقساطها.
سعاد ردت بعصبية
وإنتِ بتدفعي الأقساط منين؟ من الشغل اللي بتعمليه على الكمبيوتر؟ ولا نسيتي إنك عايشة في بيتنا وبتاكلي من أكلنا؟
الجملة دي كانت آخر حاجة مريم محتاجة تسمعها.
بصتلها وقالت
أنا عمري ما أنكرت إنكم استقبلتونا لما كنا محتاجين مكان نقعد فيه. لكن ده مش معناه إنك تتحكمي في حياتي، ولا تحرميني من عربيتي، ولا تخليني أمشي وأنا مصابة وشايلة ابني.
سعاد فتحت بقها علشان ترد، لكن صوت أبو مريم جه من عند الباب.
الكلام خلص يا مدام سعاد.
كانت أول مرة تسمعه بيتكلم معاها بالنبرة دي.
وقف محمود عند باب الأوضة، وبص على الشنط، وبعدها على رجل بنته المصابة.
وقال
بنتي هتمشي معايا، وابنها معاها. وأي خلاف بينكم يتحل بالطريقة القانونية، مش بالصوت العالي ولا بالضغط عليها.
سعاد حاولت تستعيد هدوءها.
يا أستاذ محمود، إنت مش فاهم اللي بيحصل في البيت ده.
رد عليها
عشان كده أنا هسمع من الطرفين. لكن الأول بنتي لازم ترتاح، وبعدها كل واحد يتحمل مسؤولية تصرفاته.
مريم لمّت باقي حاجتها، وخدت الورق اللي لقيته في الدرج، وحطته في شنطتها.
وقبل ما تخرج، سمعت صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
كان أحمد رجع.
دخل من الباب وهو بيتكلم في الموبايل، ولما شاف أبو مراته واقف في الصالة، وقف كلامه فجأة.
عمي محمود؟ إنت هنا من إمتى؟
محمود رد باختصار
من شوية.
أحمد بص ناحية السلم، وشاف مريم نازلة وهي شايلة شنطة ياسين.
وشه اتغير.
مريم، إيه الشنط دي؟ إنتِ رايحة فين؟
مريم وقفت قدامه وقالت
راجعة عند بابا.
أحمد بص لأمه، وبعدها رجع بص لمريم.
هو إيه اللي حصل لكل ده؟ ما كنتيش مستحملة يومين من غير العربية؟
مريم حسّت بغصة في حلقها.
حتى دلوقتي، وبعد كل اللي حصل، هو لسه شايف إن المشكلة مجرد عربية!
قالت له
أنا مش همشي علشان العربية يا أحمد. أنا همشي علشان لما احتجتلك، إنت اخترت تسكت. ولما كنت مصابة، سبتني أرجع على رجلي وأنا شايلة ابنك، مع إن عربيتنا كانت واقفة قدام البيت.
أحمد حاول يقاطعها.
أنا كنت مضغوط، وماما كانت بتحاول تساعدك!
مريم ردت