دار أيتام حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

محدش كان عايزني.
نزل عينيه وقال أنا آسف يا مريم. كان المفروض أتابع الموضوع بنفسي، وماكتفيش بالمستندات.
ماكانش عندي استعداد أسامح أي حد بسهولة، لكن كنت محتاجة أعرف الحقيقة كاملة، فطلبت منه يساعدنا نوصل للسجلات الأصلية.
وافق فورًا، واتفقنا إن كل حاجة تتراجع عن طريق محامٍ مستقل.
بعد أسابيع من البحث، ظهرت نتيجة المراجعة.
اتضح إن جزءًا من المبلغ اتصرف فعلًا على مصاريف المؤسسة خلال فترة إقامتي، وإن فيه مستندات قديمة بتثبت مصاريف التعليم والرعاية، لكن فيه تحويلًا آخر محتاج تفسيرًا قانونيًا، لأن الأوراق الخاصة بيه كانت ناقصة.
المحامي بدأ الإجراءات اللازمة لمعرفة مصير المبلغ المتبقي، وأكد لنا إن أي حق مالي هيثبت إنه يخصني، هيتعامل معاه وفقًا للقانون.
لكن وسط كل ده، كان فيه سؤال واحد لسه بيوجعني
ليه أمي اختارت تسيبني، بينما فضلت متمسكة بأحمد؟
رجعت دار الأمان في المساء، ولقيتها قاعدة في الصالة، بتتفرج على صور قديمة في ألبوم صغير.
قعدت جنبها، وسألتها يا أمي، أنا مش جاية أعاتبك دلوقتي. أنا بس عايزة أفهم. ليه أخويا فضل معاكي وأنا لأ؟
أمي فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها قالت
كنت فاكرة إني لو احتفظت بأحمد، هقدر أبدأ من جديد. كنت شايفة إنك أضعف، وإنك هتلاقي حد يهتم بيكي في الدار. أقنعت نفسي إن القرار مؤقت، وإنك هترجعي البيت بعد كام شهر.
سألتها وإيه اللي منعك ترجعي؟
بدأت دموعها تنزل، وقالت الخوف والكسوف. كل ما كنت أفكر أرجعلك، كنت أفتكر إني هضطر أواجهك وأسألك تسامحيني على حاجة ماكانش ليها عذر. فكنت بأجل، لحد ما السنين عدت.
بصيت لها، وقلت أنا كنت طفلة يا أمي. ماكنتش محتاجة فلوس ولا هدايا. كنت محتاجة أمي.
أمي غطت وشها بإيديها، وماقدرتش ترد.
قمت من جنبها، لكن قبل ما أخرج، نادت عليّا
يا مريم، أنا عارفة إنك ممكن ماتسامحينيش، لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أبوكي ماكانش عايزك تعيشي بعيد عننا. قبل ما يموت، سابلك رسالة أخيرة.
وقفت مكاني.
رسالة أخيرة؟ فين الرسالة دي؟
أمي أشارت للألبوم اللي كان على رجليها، وقالت كانت هنا، لكن أنا خبيتها في مكان تاني من سنين، لأني ماقدرتش أواجه الكلام اللي مكتوب فيها.
أخدت الألبوم، وبدأت أقلب صفحاته، لحد ما لقيت صورة قديمة لأبويا، ووراها ورقة مطوية بعناية.
فتحتها، وبدأت أقرأ.
كانت رسالة قصيرة بخط إيده
يا مريم حبيبتي، لو بتقري كلامي ده، فمعناه إني ماقدرتش أكون جنبك وأنا بكبرك. عايزك تعرفي إنك كنتِ دايمًا غالية عندي، وإن أي قرار اتاخد وإنتِ صغيرة مش معناه إنك كنتِ أقل من أي حد. أتمنى تكبري وتبني لنفسك حياة مليانة خير، وما تخليش اللي حصل في الماضي يمنعك من إنك تفرحي بالمستقبل.
وفي آخر الرسالة، كان فيه سطر خلاني أرجع أقعد على الكرسي من شدة الصدمة
ولو قابلتي يومًا الشخص اللي ساعدني أحافظ على حقك، اسأليه عن الأمانة الأخيرة اللي طلبت منه يحتفظ بيها لحد ما تكبري.
بصيت لأمي، وسألتها إيه الأمانة الأخيرة دي؟
لكنها هزت راسها وقالت إنها ما تعرفش.
في اليوم التالي، اتصلت بالأستاذ محمود، وحكيت له عن الرسالة.
سكت فترة طويلة، وبعدها قال كنت أتمنى إنك تعرفي الموضوع بطريقة أهدى. فيه صندوق أمانات قديم باسم والدك، ولسه موجود في البنك. لكن فتحه محتاج إجراءات قانونية وإثبات صلتك بيه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
هل الصندوق ده فيه مستندات جديدة عن الفلوس؟ ولا فيه حاجة تانية أبويا كان عايز يسيبها لي؟
وبعد ما جهزنا الأوراق المطلوبة، حدد البنك موعدًا لمراجعة صندوق الأمانات.
في اليوم المحدد، رحت مع المحامي والأستاذ محمود.
الموظف فتح الصندوق، وطلع منه ظرفًا أبيض صغيرًا، ودفترًا قديمًا، ومفتاحًا فضيًا.
المحامي فتح الظرف الأول، وقرأ المستندات، وبعدها قال
دي أوراق بتوضح إن والدك كان مجهز مبلغًا منفصلًا تمامًا عن الحساب اللي كنا بنراجعه، وكان مخصصًا لمستقبلك بعد ما تبلغي سن الرشد.
سألته والمبلغ ده موجود لحد دلوقتي؟
رد لازم نراجع وضع الحساب وقيمته الحالية، لكن المستندات بتثبت إن والدك كان عنده نية واضحة إنه يحافظ على حقك.
أما الدفتر، فكان مليان ملاحظات بخط أبويا عن دراستي، والأماكن اللي كان بيتمنى أتعلم فيها، وحتى نوع الشغل اللي كان بيحلم إني أختاره لنفسي.
قعدت أقرأ صفحاته، وحسيت لأول مرة إني عرفت جزءًا من الأب اللي اتحرمت منه.
لكن المفتاح الفضي كان لغزًا جديدًا.
على طرفه، كان فيه رقم صغير محفور.
المحامي بص له وقال المفتاح ده ممكن يكون لخزانة أو صندوق تاني، لكن لازم نعرف مصدره قبل ما نتحرك.
وفي نفس اللحظة، وصلني اتصال من دار الأمان.
المشرفة قالت بقلق يا أستاذة مريم، الحاجة فاطمة تعبانة شوية، وبتسأل عنك بإصرار. وبتقول إنها افتكرت مكان المفتاح ده.
رجعت للدار فورًا، ولما دخلت أوضتها، لقيت أمي مستنياني.
أول ما شافت المفتاح في إيدي، قالت
دلوقتي افتكرت... المفتاح ده مش بتاع صندوق البنك. ده بتاع درج صغير في بيت أبوكي القديم.
سألتها وإيه اللي في الدرج يا أمي؟
بصتلي بعيون مليانة خوف وندم، وقالت
فيه آخر مستند وقّعت عليه قبل ما أسيبك في دار الأيتام... المستند اللي لو قريتيه، هتعرفي إن فيه شخصًا تاني كان مسؤولًا عن اللي حصل لك، مش أنا لوحدي.
يتبع...
الجزء السادس الورقة اللي غيّرت كل حاجة!
ماقدرتش أستنى لليوم التالي. اتصلت بأحمد، وطلبت منه ييجي معايا البيت القديم عشان نفتش عن الدرج اللي أمي افتكرته.
وصلنا قبل المغرب، ودخلنا الأوضة اللي كان أبويا بيحتفظ فيها بأوراقه.
فضلنا ندور لحد ما لاحظ أحمد درجًا صغيرًا مخفيًا داخل مكتب خشب قديم. كان عليه قفل صغير، ولما استخدمنا المفتاح الفضي، اتفتح بسهولة.
جواه كان فيه ظرف بني، وصورة عائلية، ومستند عليه ختم رسمي.
فتحت الظرف، ولقيت خطابًا مكتوبًا بخط أمي
أنا فاطمة السيد، أقر إنني وافقت على إيداع ابنتي مريم في مؤسسة للرعاية مؤقتًا، بسبب ظروفي المادية، على أن يتم الحفاظ على حقها في التعليم والمصروفات المخصصة لها. وأقر أنني استلمت شرحًا كاملًا لشروط الاتفاق.
لكن اللي صدمني كان التوقيع الموجود أسفل الخطاب.
توقيع أمي، وبجواره توقيع شخص آخر.
كان توقيع خالي محمود، أخو أمي.
بصيت لأحمد وقلت خالي محمود كان طرفًا في الموضوع؟!
أحمد رد وهو بيقلب المستند واضح إنه كان عارف بالاتفاق، لكن مش معنى كده إنه كان عارف بكل اللي حصل بعد كده.
كنت فاكرة إن خالي محمود كان بعيد عن حياتنا من سنين، وإنه سافر لمحافظة تانية بعد خلافات عائلية قديمة.
لكن الورقة دي أثبتت إنه كان موجودًا وقت ما أمي سابتني، وإنه شارك في إجراءات تسليمي للدار.
في آخر الملف، لقينا عنوانًا قديمًا ورقم تليفون مكتوبًا بالقلم.
قررت أتواصل معاه.
بعد محاولات كتير، رد عليّا راجل صوته كان أكبر بكتير مما أتذكره.
قلت له أنا مريم، بنت فاطمة.
سكت فترة طويلة، وبعدها قال كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
اتفقنا نتقابل في مكان عام تاني يوم.
لما وصلت، كان قاعد مستنيني، وشعره بقى أبيض بالكامل.
أول ما شافني، قال كبرتي يا مريم.
قعدت قدامه، وطلعت المستند من شنطتي.
سألته مباشرة ليه وقعت على الورقة دي؟ وإيه اللي حصل بعد ما أمي سابتني؟
تنهد وقال أمك وقتها كانت غرقانة في الديون، وكانت خايفة تخسر شغلها والبيت. أنا حاولت أساعدها، واقترحت إنها توديك مكان يوفرلك رعاية وتعليم لحد ما ظروفها تتحسن.
قلت له بغضب لكنها ما رجعتش!
رد عارف. وأنا غلطت لما صدقت إنها هترجع بعد فترة قصيرة. كان المفروض أتابع الموضوع بنفسي.
سألته طب والفلوس اللي كانت مخصصة ليا؟
قال إنه كان يعرف بوجود مبلغ للتعليم والرعاية، لكنه لم يتولَّ إدارة الحساب، وإنه لم يكن على علم بالتحويلات التي حدثت بعد ذلك.
طلبت منه أي أوراق تثبت كلامه، فوعد إنه هيدور في مستنداته القديمة ويسلمها للمحامي.
قبل ما أمشي، قال لي فيه حاجة لازم تعرفيها يا مريم. أبوكي حاول يوصل لك قبل وفاته، وكان بيسأل عنك باستمرار. ولما عرف إنك بقيتي في دار الأيتام، طلب مني أساعده يشوفك.
سألته وشافني فعلًا؟
نزل عينيه وقال للأسف، ماقدرش. حالته الصحية ساءت بسرعة، وتوفي قبل ما نقدر نرتب الزيارة.
خرجت من المقابلة وأنا حاسة إن الماضي كله بيتفتح قدامي من جديد.
لكن المرة دي، ماكنتش عايزة أعيش أسيرة للغضب. كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة، وأضمن إن أي حق ليا يرجع بالطريقة الصحيحة.
بعد أسبوع، المحامي جمع كل المستندات اللي قدرنا نوصل لها، وبدأ مراجعة قانونية شاملة للحسابات والتحويلات.
وفي نفس الوقت، قررت أزور أمي وأتكلم معاها بهدوء.
لقيتها قاعدة في الحديقة، بتقلب في ألبوم الصور.
قعدت جنبها، وقلت يا أمي، أنا عرفت إن خالي محمود كان موجود وقت الاتفاق.
هزت راسها وقالت أيوه. هو اللي اقترح عليّا دار الأيتام، وكان فاكر إنك هتكوني في أمان هناك لحد ما أرجع آخدك.
سألتها طب ليه ما رجعتيش؟
ردت بصوت ضعيف لأني كل ما كانت ظروفي تتحسن، كنت أخاف أواجهك. وبعدها اتعودت على غيابك، وده كان أسوأ قرار أخدته في حياتي.
بصيت لها طويلًا، وقلت أنا مش هقدر أرجع طفولتي، ومش هقدر أتصرف كأن اللي حصل ماحصلش. لكن مش هستخدم وجع الماضي عشان أحرمك من الرعاية دلوقتي.
أمي فضلت تبصلي، وبعدها قالت أنا ماستحقش منك كل ده.
رديت الرعاية مش مكافأة على الماضي، يا أمي. دي حق لكل إنسان محتاجها. أما المسامحة، فدي حاجة تانية، ومحتاجة وقت.
في الأيام اللي بعدها، بدأت أتعامل معاها كأي نزيلة في الدار، مع مراعاة حالتها الصحية، من غير ما أخلط مسؤوليتي المهنية بمشاعري الشخصية.
أما أحمد، فبدأ يتعاون مع المحامي لتوضيح مصدر التحويلات القديمة، ووافق على تقديم كل المستندات اللي عنده.
وبعد مراجعة طويلة، ظهرت نتيجة أولية جزء من الأموال كان قد استُخدم بالفعل في مصروفات موثقة، بينما ظلت تحويلات أخرى بحاجة إلى استكمال الأدلة لتحديد المسؤولية عنها.
المحامي أكد إننا مش هنقدر نحكم على أي شخص قبل اكتمال المراجعة، وإن أي مطالبة مالية لازم تستند إلى المستندات والقانون.
كنت فاكرة إن كده القصة قربت تنتهي.
لكن في صباح يوم هادي، وصلت للدار رسالة مسجلة من مكتب المحامي القديم لأبويا.
كان فيها مستند إضافي لم يظهر في الملفات السابقة.
فتحت الظرف، ولقيت وصية مكتوبة قبل وفاة أبويا بفترة قصيرة، بتوضح إنه كان عايز يضمن لي مبلغًا مستقلًا لمستقبلي، وإنه عيّن شخصًا آخر لمتابعة تنفيذ الوصية إذا تعذر على أمي القيام بمسؤوليتها.
قرأت الاسم المكتوب في نهاية الوصية.
ثم رجعت قرأته مرة تانية.
كان اسم شخص لم يخطر ببالي أبدًا.
زوجي، عبد الرحمن، كان اسمه مذكورًا في وصية أبي، قبل حتى ما نتقابل بسنين طويلة!
اتصلت بالمحامي فورًا، وسألته إزاي ده ممكن يكون حصل.
قال لي لازم نراجع أصل الوصية وسجل التعيين. ممكن يكون فيه تشابه أسماء، وممكن يكون فيه تفسير قانوني واضح، لكن ماينفعش نستنتج حاجة قبل التحقق.
رجعت البيت وأنا مشغولة بالسؤال ده.
ولما عبد الرحمن رجع من شغله، حطيت المستند قدامه.
أول ما شاف الاسم، سكت تمامًا.
وبعد لحظات، قال
مريم... أنا محتاج أحكيلك حاجة عن أول مرة قابلت فيها والدك.
وللمرة الأولى، اكتشفت إن زوجي كان عنده جزء من الحكاية، لكنه ماكانش يعرف إن البنت اللي هيتجوزها بعد سنين هي نفسها الطفلة اللي أبوها طلب منه يساعدها!
الجزء السادس الورقة اللي غيّرت كل حاجة!
ماقدرتش أستنى لليوم التالي. اتصلت بأحمد، وطلبت منه ييجي معايا البيت القديم عشان نفتش عن الدرج اللي أمي افتكرته.
وصلنا قبل المغرب، ودخلنا الأوضة اللي كان أبويا بيحتفظ فيها بأوراقه.
فضلنا ندور لحد ما لاحظ أحمد درجًا صغيرًا مخفيًا داخل مكتب خشب قديم. كان عليه قفل صغير، ولما استخدمنا المفتاح الفضي، اتفتح بسهولة.
جواه كان فيه ظرف بني، وصورة عائلية، ومستند عليه ختم رسمي.
فتحت الظرف، ولقيت خطابًا مكتوبًا بخط أمي
أنا فاطمة السيد، أقر إنني وافقت على إيداع ابنتي مريم في مؤسسة للرعاية مؤقتًا، بسبب ظروفي المادية، على أن يتم الحفاظ على حقها في التعليم والمصروفات المخصصة لها. وأقر أنني استلمت شرحًا كاملًا لشروط الاتفاق.
لكن اللي صدمني كان التوقيع الموجود أسفل الخطاب.
توقيع أمي، وبجواره توقيع شخص آخر.
كان توقيع خالي محمود، أخو أمي.
بصيت لأحمد وقلت خالي محمود كان طرفًا في الموضوع؟!
أحمد رد وهو بيقلب المستند واضح إنه كان عارف بالاتفاق، لكن مش معنى كده إنه كان عارف بكل اللي حصل بعد كده.
كنت فاكرة إن خالي محمود كان بعيد عن حياتنا من سنين، وإنه سافر لمحافظة تانية بعد خلافات عائلية قديمة.
لكن الورقة دي أثبتت إنه كان موجودًا وقت ما أمي سابتني، وإنه شارك في إجراءات تسليمي للدار.
في آخر الملف، لقينا عنوانًا قديمًا ورقم تليفون مكتوبًا بالقلم.
قررت أتواصل معاه.
بعد محاولات كتير، رد عليّا راجل صوته كان أكبر بكتير مما أتذكره.
قلت له أنا مريم، بنت فاطمة.
سكت فترة طويلة، وبعدها قال كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
اتفقنا نتقابل في مكان عام تاني يوم.
لما وصلت، كان قاعد مستنيني، وشعره بقى أبيض بالكامل.
أول ما شافني، قال كبرتي يا مريم.
قعدت قدامه، وطلعت المستند من شنطتي.
سألته مباشرة ليه وقعت على الورقة دي؟ وإيه اللي حصل بعد ما أمي سابتني؟
تنهد وقال أمك وقتها كانت غرقانة في الديون، وكانت خايفة تخسر شغلها والبيت. أنا حاولت أساعدها، واقترحت إنها توديك مكان يوفرلك رعاية وتعليم لحد ما ظروفها تتحسن.
قلت له بغضب لكنها ما رجعتش!
رد عارف. وأنا غلطت لما صدقت إنها هترجع بعد فترة قصيرة. كان المفروض أتابع الموضوع بنفسي.
سألته طب والفلوس اللي كانت مخصصة ليا؟
قال إنه كان يعرف بوجود مبلغ للتعليم والرعاية، لكنه لم يتولَّ إدارة الحساب، وإنه لم يكن على علم بالتحويلات التي حدثت بعد ذلك.
طلبت منه أي أوراق تثبت كلامه، فوعد إنه هيدور في مستنداته القديمة ويسلمها للمحامي.
قبل ما أمشي، قال لي فيه حاجة لازم تعرفيها يا مريم. أبوكي حاول يوصل لك قبل وفاته، وكان بيسأل عنك باستمرار. ولما عرف إنك بقيتي في دار الأيتام، طلب مني أساعده يشوفك.
سألته وشافني فعلًا؟
نزل عينيه وقال للأسف، ماقدرش. حالته الصحية ساءت بسرعة، وتوفي قبل ما نقدر نرتب الزيارة.
خرجت من المقابلة وأنا حاسة إن الماضي كله بيتفتح قدامي من جديد.
لكن المرة دي، ماكنتش عايزة أعيش أسيرة للغضب. كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة، وأضمن إن أي حق ليا يرجع بالطريقة الصحيحة.
بعد أسبوع، المحامي جمع كل المستندات اللي قدرنا نوصل لها، وبدأ مراجعة قانونية شاملة للحسابات والتحويلات.
وفي نفس الوقت، قررت أزور أمي وأتكلم معاها بهدوء.
لقيتها قاعدة في الحديقة، بتقلب في ألبوم الصور.
قعدت جنبها، وقلت يا أمي، أنا عرفت إن خالي محمود كان موجود وقت الاتفاق.
هزت راسها وقالت أيوه. هو اللي اقترح عليّا دار الأيتام، وكان فاكر إنك هتكوني في أمان هناك لحد ما أرجع آخدك.
سألتها طب ليه ما رجعتيش؟
ردت بصوت ضعيف لأني كل ما كانت ظروفي تتحسن، كنت أخاف أواجهك. وبعدها اتعودت على غيابك، وده كان أسوأ قرار أخدته في حياتي.
بصيت لها طويلًا، وقلت أنا مش هقدر أرجع طفولتي، ومش هقدر أتصرف كأن اللي حصل ماحصلش. لكن مش هستخدم وجع الماضي عشان أحرمك من الرعاية دلوقتي.
أمي فضلت تبصلي، وبعدها قالت أنا ماستحقش منك كل ده.
رديت الرعاية مش مكافأة على الماضي، يا أمي. دي حق لكل إنسان محتاجها. أما المسامحة، فدي حاجة تانية، ومحتاجة وقت.
في الأيام اللي بعدها، بدأت أتعامل معاها كأي نزيلة في الدار، مع مراعاة حالتها الصحية، من غير ما أخلط مسؤوليتي المهنية بمشاعري الشخصية.
أما أحمد، فبدأ يتعاون مع المحامي لتوضيح مصدر التحويلات القديمة، ووافق على تقديم كل المستندات اللي
تم نسخ الرابط