دار أيتام حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

أمي سابتني في دار أيتام وأنا عندي 6 سنين، لأنها كانت مفضّلة أخويا عليّا. وبعد 30 سنة، أخويا نفسه جه لدار رعاية المسنين اللي أنا مديراها، وقال ماحدش يتصل بيا بسببها تاني. أمي ماعرفتنيش، لكن أنا عرفت الدبوس المكسور اللي كانت لابساه! ولما فتحت الظرف اللي أخويا سابه، اكتشفت إن الحقيقة أقسى بكتير مما كنت أتخيل...
الجزء الأول
سيبوها هنا، ومحدش يتصل بيا بسببها تاني. أنا عملت اللي عليّا وجبتها، ومش هرجع آخدها. خلص الكلام!
ده كان كلام الراجل اللي دخل دار رعاية المسنين عندي يوم الاتنين، الساعة تمانية ونص الصبح، وهو بيدفع أمه ناحية مكتب الاستقبال، كأنه بيتخلص من حاجة تقيلة على قلبه.
من شباك مكتبي، كنت شايفة عربيته السودا وهي بتقف قدام مدخل الإسعاف. نزل منها وهو بيتكلم في التليفون، وفتح الباب الخلفي، وساعد ست صغيرة في السن، شعرها أبيض، وبتلبس معطف بيج تقيل جدًا رغم حر الجو في القاهرة.
بعدها رمى شنطة مربعات على الأرض.
قال وهو داخل
أنا اسمي أحمد السيد. دي أوراق أمي، وده مبلغ يكفي مصاريف ست شهور. عايزكم تستلموها بسرعة، لأن عندي اجتماع مهم.
نزلت من مكتبي وقلت له بهدوء
أهلًا بحضرتك، بس لازم الأول نتكلم مع والدتك ونعرف حالتها الصحية، ونحدد نوع الرعاية اللي محتاجاها.
رد بضيق
هي كويسة عقليًا، وبتتحرك وبتاكل لوحدها، ومش بتعمل مشاكل، طالما محدش اهتم بكل الدراما اللي بتعملها. وبالمناسبة، ماتدوهاش رقمي، لأنها ممكن تتصل بيا عشرين مرة في اليوم.
الست الكبيرة كانت واقفة جنب أصيص زرع، ومطأطية راسها في صمت.
قالت بصوت ضعيف
يا أحمد يا ابني، إنت قلتلي إننا جايين مكان للراحة، وإننا هنقعد هنا كام أسبوع بس...
بصلها بحدة وقال
يا ماما، ماتبدئيش بقى! أهو عندك أكل وتليفزيون ومكان تنامي فيه. إنتِ عايزة إيه تاني؟
قربت منه خطوة، وحاولت تمسك في كم قميصه، وفي اللحظة دي المعطف اتفتح شوية، فظهر الدبوس اللي كانت حطاه على صدرها.
دبوس فضة على شكل يعسوب، فيه حجر أخضر، والجناح الشمال بتاعه مكسور.
القلم وقع من إيدي!
أنا أعرف الدبوس ده كويس جدًا.
من تلاتين سنة، كنت قاعدة على رجلين أمي في أتوبيس، وببص للدبوس ده لمدة طويلة. كنت عندي ست سنين، وسألتها ببراءة
يا ماما، هو اليعسوب يقدر يطير لو جناحه مكسور؟
أمي ساعتها بعدت إيدي عنه وقالت بحدة
ماتلمسيهوش، بدل ما تبوظيه خالص!
كان الوقت شهر فبراير سنة 1996.
أبويا كان ساب البيت، وأمي كانت بتشتغل في مصنع، لكن بقالهم شهور مأخّرين المرتبات.
أخويا أحمد كان أكبر مني بأربع سنين، وكنت فاكرة إننا رايحين نزور حد من قرايبنا. فاكرة إنه كان قاعد في عربية مع واحد من معارف العيلة، بياكل مصاصة، بينما أمي كانت ماسكة إيدي وبتاخدني ناحية مبنى ببوابة رمادي كبيرة.
دخلنا مكتب صغير، وكانت فيه ست بتسأل أمي إذا كان عندها حد من العيلة يقدر يساعدها في تربيتنا.
أمي ردت من غير ما تبصلي
أنا ابني مكفيني، والبنت دي حمل تقيل عليّا. سيبوها هنا، وهما يتصرفوا معاها.
كنت طفلة صغيرة، مش فاهمة يعني إيه الكلام ده، ولا ليه أمي بتتكلم عني كأني مش موجودة.
كل اللي فاكره إنها حطت في إيدي حلوى تمر هندي، وبعدها قامت وخرجت.
جريت وراها، وفضلت أصرخ
يا ماما! استنيني يا ماما!
لكن واحدة من المشرفات لحقتني ومنعتني أخرج.
فضلت أنادي عليها لحد ما صوتي راح، لكن أمي ما التفتتش ناحيتي ولو مرة واحدة.
ومن اليوم ده، حياتي اتغيرت تمامًا.
كبرت في دار الأيتام، واتعلمت أعتمد على نفسي، وأكمل تعليمي، وأشتغل لحد ما قدرت أبني حياتي من جديد.
وبعد سنين طويلة، اتجوزت، وبدأت أنا وجوزي مشروع دار رعاية للمسنين، سميناه دار الأمان، وكان حلمي إن أي شخص يدخل المكان ده يحس إنه مش لوحده، وإن فيه حد مستعد يسمعه ويحترمه.
لكن عمري ما تخيلت إن أمي نفسها هتدخل المكان ده في يوم من الأيام.
وقفت قدامها، وحاولت أسيطر على مشاعري، ولمّيت القلم من على الأرض.
قلت لها بهدوء
أنا مريم السيد، مديرة دار الأمان. ماتقلقيش يا حاجة، إحنا هنهتم بحضرتك.
بصتلي باستعلاء، وقالت
هو إنتِ المسؤولة هنا؟ أنا عايزة أوضة لوحدي، ابني رجل أعمال، ويدفع اللي تطلبوه.
كان واضح إنها مش عارفاني، ولا حتى شاكّة إن الست اللي واقفة قدامها هي بنتها اللي سابتها من تلاتين سنة.
أما أحمد، فكان خلص أوراقه، وخرج من غير ما يودّع أمه.
أبواب الدار الزجاجية اتقفلت وراه، وأمي فضلت واقفة مكانها، بتبص ناحية الباب قبل ما تتمتم بفخر
ابني هو كل اللي ليا في الدنيا.
كنت واقفة على بُعد خطوتين منها، وقلبي مليان أسئلة وذكريات عمري ما قدرت أنساها.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن قبل ما الشهر ده يخلص، هلاقي نفسي قدام قرار صعب جدًا...
هل هقدر أنقذ الست اللي اختارت تتخلى عني وأنا طفلة؟ ولا الحقيقة اللي مخبيّاها السنين هتخليني أشوفها بشكل مختلف تمامًا؟
لأن الظرف اللي أخويا سابه مع أوراق أمي، واللي لسه ما فتحتوش، كان جواه سر أقسى بكتير من مجرد إنه رماها في دار رعاية ومشي!
الجزء الثاني الظرف اللي كشف سر تلاتين سنة!
بعد ما أحمد مشي، طلبت من المشرفة تاخد أمي لأوضتها، وتساعدها تستقر، وبعدها دخلت مكتبي وقفلت الباب.
كنت بحاول أستوعب اللي حصل.
أمي اللي سابتني وأنا طفلة، ورجعت تظهر في حياتي بعد تلاتين سنة، كانت دلوقتي تحت مسؤوليتي، ومش عارفاني حتى!
بصيت للظرف اللي أخويا سابه مع الأوراق. كان مقفول كويس، ومكتوب عليه بخط إيده
إلى إدارة دار الأمان... مستندات خاصة بالحاجة فاطمة السيد. يُرجى قراءتها قبل التواصل مع أي شخص من العائلة.
اسمي القديم كان مريم السيد، لكن بعد الجواز بقيت مريم عبد الرحمن، وكنت غيرت اسمي في شغلي للقب زوجي.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صور بطاقات، وتقارير طبية، وورقة مكتوبة بخط أمي، وتحتها خطاب من أحمد.
بدأت أقرأ خطابه
إلى المسؤول عن رعاية والدتي...
أنا عارف إن تصرفي ممكن يبان قاسي، لكن فيه أمور كتير محدش يعرفها. أمي مش مجرد ست كبيرة محتاجة رعاية، هي كمان بتخفي حقيقة مهمة عن عيلتنا.
من فضلكم، ماتسمحوش لأي حد ياخدها من الدار قبل ما تتأكدوا من المستندات المرفقة.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
إيه الحقيقة اللي ممكن يخبيها أحمد عن أمه؟ وليه بيحذرنا إن حد ياخدها من الدار؟
قلبت باقي الأوراق، ولقيت تقريرًا طبيًا بيوضح إن أمي عندها مشكلة في الذاكرة، وإنها أحيانًا بتنسى أحداث قريبة، لكنها بتفتكر تفاصيل قديمة بوضوح.
أما الورقة المكتوبة بخط إيدها، فكانت عبارة عن اعتراف قصير
أنا فاطمة السيد، أقر إني احتفظت بمبلغ مالي كان مخصصًا لتأمين مستقبل ابنتي مريم، وإن المبلغ ده لم يُسلَّم لها حتى الآن.
إيدي بدأت ترتعش.
مبلغ مالي مخصص لمستقبلي أنا؟
كملت القراءة، لكن الورقة كانت ناقصة، وفي آخرها جملة مكتوبة بقلم مختلف
التفاصيل الكاملة موجودة في الملف الأصلي.
قفلت الظرف، وقررت إني مش هتصرف قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
في اليوم التالي، رحت لأمي في أوضتها.
كانت قاعدة جنب الشباك، وبتبص للشارع، ولما شافتني قالت
إنتِ اسمك إيه يا بنتي؟
اتجمدت مكاني للحظة.
رديت بهدوء اسمي مريم يا حاجة فاطمة.
ابتسمت وقالت اسم جميل. كان نفسي أسمي بنتي مريم.
حسيت إن قلبي اتقبض، لكن حاولت أتماسك.
سألتها كان عند حضرتك بنت اسمها مريم؟
بصتلي باستغراب، وبعدها قالت أيوه، بس هي راحت من زمان. كانت صغيرة أوي، وأنا... أنا مش فاكرة هي راحت فين.
سكتت شوية، وبعدين حطت إيدها على الدبوس اللي في صدرها.
كان عندها ست سنين لما سابتني.
ماقدرتش أمنع دموعي، فقمت من قدامها بحجة إني لازم أراجع شغل الدار.
دخلت مكتبي، وقعدت فترة طويلة أفكر.
هل أواجهها بالحقيقة؟ ولا أستنى لما أعرف هي فاكرة إيه بالضبط؟
قررت أبدأ بأخويا.
اتصلت بأحمد، وقلت له إني محتاجة أقابله بخصوص الأوراق اللي سابها.
في البداية رفض، لكن لما قلت له إن فيه مستندات ناقصة، وافق يقابلني في مكتب قريب من شركته.
وصلت في الموعد، ولقيته قاعد مستنيني.
أول ما شافني، قال إنتِ مديرة الدار؟
قلت أيوه، وعايزة أفهم منك حاجة. إيه موضوع المبلغ اللي كان مخصص لمريم؟
وشه اتغير.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال إنتِ مش فاهمة الموضوع كله.
رديت عشان كده أنا هنا. عايزة أسمع منك.
أحمد بص ناحية الشباك، وقال بصوت منخفض
بعد ما أمنا سابتك في دار الأيتام، حصلت حاجات كتير. أبويا كان سايب مبلغ في حساب باسمك، وكان المفروض يتصرف ليكي لما تكبري. لكن أمي قالت إن الفلوس ضاعت.
سألته وإنت عرفت الحقيقة إمتى؟
رد من حوالي شهرين، لما كنا بننقل أوراقها من البيت القديم. لقيت مستندات بتثبت إن المبلغ ما اختفاش، وإنه اتنقل لحساب تاني.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
حساب مين؟
أحمد نزل عينيه، وقال
حسابي أنا.
سكت المكان تمامًا.
ماقدرتش أصدق اللي سمعته.
أخويا كان عارف إن فيه فلوس باسمي، والفلوس دي وصلت لحسابه!
لكن قبل ما أتكلم، رفع إيده وقال
استني، فيه حاجة لازم تعرفيها. أنا ماكنتش أعرف إن الفلوس بتاعتك وقت ما اتنقلت. أمي قالتلي إنها فلوس أبويا اللي سايبها ليا، وإنها بتساعدني أبدأ حياتي.
سألته بغضب ولما عرفت الحقيقة، عملت إيه؟
قال حاولت أواجهها، لكنها أنكرت في الأول، وبعدها اعترفت إن الفلوس كانت مخصصة ليكي. أنا مستعد أرجع كل اللي يثبت إنه من حقك، لكن فيه مشكلة أكبر.
قربت منه وسألته إيه هي؟
طلع ورقة من الملف اللي معاه، وحطها قدامي.
كانت الورقة بتثبت إن الحساب اتقفل من سنين، وإن جزءًا كبيرًا من المبلغ اتصرف في مصاريف علاج شخص مجهول بالنسبة لي.
بصيتله وقلت مين الشخص ده؟
أحمد رد بصوت متردد
الشخص ده... كان أبوكي.
اتسعت عينيّ.
أبويا اللي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتنا تمامًا، كان لسه موجودًا وقتها؟ وإزاي أمي كانت بتقول إنه سابنا؟
أحمد كمل أنا اكتشفت إن أبويا كان عايش في مستشفى لفترة طويلة بعد ما ساب البيت، وإن أمي كانت عارفة مكانه. لكن فيه سر تاني، سر هي مخبياه من يوم ما سابتك في الدار.
سألته إيه السر؟
بصلي مباشرة، وقال
أمنا ما سابتكيش عشان كانت شايفاكي حمل تقيل وبس... هي سابتك لأنها كانت بتحاول تخفي عنك حقيقة تخص أبوكي، ولو عرفتيها، ممكن كل اللي كنتِ مصدقاه عن طفولتك يتغير.
وفي اللحظة دي، رن تليفوني.
كانت المشرفة بتتصل من الدار، وصوتها كان قلقان جدًا
يا أستاذة مريم، لازم ترجعي حالًا. الحاجة فاطمة لقت صورة قديمة في شنطتها، وبتقول إنها لازم تسلمها لبنتها قبل ما تنسى كل حاجة.
قفلت المكالمة، وبصيت لأحمد.
لكنه كان شاحب الوجه، وكأنه فهم حاجة أنا لسه ما فهمتهاش.
قال بسرعة الصورة دي؟ لو هي نفس الصورة اللي بفكر فيها، لازم تشوفيها... بس خليكي مستعدة، لأن اللي هتعرفيه ممكن يكون أصعب من كل اللي فات.
يتبع...
الجزء الثالث الصورة اللي أمي خبّتها تلاتين سنة!
رجعت دار الأمان بسرعة، وكل اللي كان بيدور في دماغي سؤال واحد إيه الحقيقة اللي أمي وأخويا مخبيينها عني؟
أول ما دخلت، لقيت المشرفة مستنياني قدام أوضة أمي.
قالتلي الحاجة فاطمة مصممة تشوفك، وبتقول إنها مش هتدي الصورة لحد غيرك.
دخلت الأوضة، لقيت أمي قاعدة على السرير، وماسكة صورة قديمة بإيديها، وبتبص لها بتركيز شديد.
لما شافتني، مدت الصورة ناحيتي وقالت إنتِ مريم؟
هزيت راسي، وقلبي بيدق بسرعة.
قالت خدي الصورة دي، أنا مش عايزة أخبيها أكتر من كده.
أخدت الصورة، وبمجرد ما بصيت لها، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
كانت صورة لأبويا وهو شايلني وأنا طفلة صغيرة، وأمي واقفة جنبه، وأحمد واقف في الناحية التانية.
لكن اللي لفت نظري مش الصورة نفسها، إنما الكتابة اللي على ضهرها
إلى مريم، لما تكبري وتعرفي الحقيقة... أبوكي ما سابكيش بإرادته.
قريت الجملة أكتر من مرة، وأنا مش قادرة أستوعب معناها.
بصيت لأمي وسألتها يعني إيه أبويا ما سابنيش بإرادته؟ إنتِ قلتيلي إنه مشي وسابنا!
أمي حطت إيديها على وشها، وبدأت تعيط.
قالت بصوت متقطع أنا غلطت... غلطت في حقك يا بنتي.
كانت دي أول مرة أسمعها تناديني بنتي من غير ما تكون فاكرة مين أنا.
قعدت جنبها وقلت أنا محتاجة أعرف الحقيقة يا أمي. مش عايزة أفضل عايشة على حكاية ناقصة.
فضلت ساكتة فترة، وبعدها بدأت تحكي.
قالت إن أبويا، حسن السيد، ماكانش ساب البيت زي ما كنت فاكرة. هو كان اتعرض لحادث خطير، ودخل المستشفى، وبعدها احتاج علاج طويل.
أمي كانت وقتها مسؤولة عن مصاريف البيت، وكانت خايفة تخسر شغلها، ومش قادرة تتحمل مصاريفنا كلنا.
لكن ده ماكانش كل شيء.
قبل الحادث بفترة، أبويا كان عامل حساب توفير باسمي، وحاطط فيه مبلغ عشان يضمنلي مستقبل كويس.
بعد ما دخل المستشفى، أمي سحبت جزءًا من الفلوس بحجة إنها هتستخدمها في علاجه، وبعدها بدأت تخاف من اليوم اللي هعرف فيه إن الفلوس اتصرفت من غير ما أستفيد منها.
ولما ضاقت بيها الظروف، قررت تسيبني في دار الأيتام، وقالت لنفسها إنها هترجع تاخدني لما أمورها تتحسن.
لكنها ما رجعتش.
سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي طب وأبويا؟ كان يعرف إني في الدار؟
هزت راسها وقالت هو عرف بعد فترة، وحاول يسأل عنك، لكن حالته الصحية كانت صعبة. ولما اتحسن شوية، كان بيحاول يوصل لك، بس أنا كنت خايفة من المواجهة.
حسيت بغضب وحزن في نفس الوقت.
يعني إنتِ حرمتيني من أبويا، وحرمتيني من حقي، وبعدها سيبتيني أفتكر طول عمري إن محدش كان عايزني؟
أمي ماقدرتش ترد.
كل اللي عملته إنها بصت للصورة وقالت كنت جبانة يا مريم. كل مرة كنت بقول هرجعلك بكرة، وبكرة كانت بتعدي، لحد ما السنين سرقت مني الفرصة.
خرجت من الأوضة وأنا محتاجة أكون لوحدي.
كنت طول عمري بتخيل اليوم اللي أقابل فيه أمي، وأسمع منها سببًا يخليني أفهم ليه سابتني.
لكن الحقيقة ما كانتش مريحة زي ما كنت بتمنى. هي ماكانتش مجرد غلطة حصلت في لحظة ضعف؛ دي كانت سلسلة قرارات، وكل قرار فيها خلاني أعيش سنين وأنا فاكرة إني مش مرغوب فيا.
في المساء، أحمد جه الدار.
طلب يقابلني، فقعدنا في مكتبي، وحط قدامي ملفًا جديدًا.
قال أنا عارف إنك عندك حق تزعلي مني. أنا كمان كنت ضحية جزء من الحكاية، لكن ده مايعفيش عني مسؤولية إني ما دورتش ورا الحقيقة بدري.
سألته إنت كنت تعرف إن أبويا حاول يوصل لي؟
رد عرفت من فترة قريبة، لما لقيت رسائل قديمة في أوراق أمي. أبويا كان بيكتب لك، لكن الرسائل ما اتبعتتش.
طلع من الملف مجموعة خطابات، وكل واحد منهم عليه تاريخ مختلف.
فتحت أول خطاب، وكان مكتوبًا بخط أبويا
يا مريم الصغيرة، لو الرسالة دي وصلتك يومًا ما، عايزك تعرفي إنك عمرك ما كنتِ عبء عليّا. أنا بحبك، وكل اللي بتمناه إنك تكبري وتعيشي حياة أحسن من حياتنا.
ماقدرتش أكمل القراءة.
كنت بعيط على أب ماعرفتش عنه الحقيقة غير بعد فوات الأوان، وعلى طفلة فضلت سنين تستنى حد يرجع ياخدها من المكان اللي اتسابت فيه.
أحمد سابني أقرأ الخطابات براحتى، وبعدها قال أنا بدأت إجراءات مراجعة الحسابات القديمة. لو فيه فلوس لسه من حقك، هنعرف إزاي نرجعها. ومش هطلب منك تسامحيني أو تسامحي أمنا دلوقتي.
بصيت له وقلت أنا مش عايزة وعود. عايزة كل حاجة تتراجع بالأوراق، وأي حق يخصني يرجع بالطريقة القانونية.
هز راسه موافقًا.
وبعد أسبوع، بدأت مراجعة المستندات القديمة مع محامٍ مختص، واكتشفنا إن جزءًا من الأموال كان قد صُرف بالفعل على علاج أبويا، لكن فيه تحويلات تانية محتاجة تفسير.
وفي وسط الأوراق، ظهرت وثيقة غريبة.
كانت شهادة إيداع قديمة باسم أمي، بتاريخ يرجع لنفس السنة اللي سابتني فيها في دار الأيتام.
المبلغ المكتوب عليها كان أكبر بكتير من اللي توقعت أشوفه.
لكن

تم نسخ الرابط