سر خطير حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

ما كانش يعرف تفاصيل الاتفاق.
هل كان ناسي إنه استلم النسخة؟ ولا كان فاكر إنها مجرد ورقة قديمة مالهاش أهمية؟
قررت أواجهه، لكن المرة دي بهدوء، علشان أسمع الحقيقة منه قبل ما أحكم عليه.
يا ترى أبويا كان محتفظ بالمستند من غير ما يعرف قيمته، ولا فيه جزء من الحكاية لسه ما حكاهولناش؟ الجزء السادس آخر شاهد على سر جدتي!
تاني يوم الصبح، بدأت أدور على عم فؤاد الكبير، آخر شخص اسمه ظهر في أوراق جدتي.
اتصلت بعم صابر، وطلبت منه أي معلومة تساعدنا نوصل له، فقال لي إنه كان عنده محل قديم في الإسكندرية، لكنه ما يعرفش إذا كان لسه عايش هناك ولا انتقل لمكان تاني.
المحامي فؤاد نصحنا نبدأ بالبيانات المتاحة في المستندات الرسمية، وبعد يومين من البحث، قدرنا نوصل لعنوانه.
سافرنا أنا وأبويا وعم صابر للإسكندرية، ولما وصلنا، لقينا بيتًا قديمًا في شارع هادي، بابه أزرق، وعلى الشباك أصص زرع صغيرة.
خبطنا على الباب، وبعد دقائق فتح لنا راجل كبير في السن، شعره أبيض ونظراته هادية.
أول ما شاف عم صابر، وقف مكانه للحظات.
صابر؟ معقول! بعد كل السنين دي؟
عم صابر ابتسم وقال
أيوه يا فؤاد، إحنا محتاجين نتكلم في موضوع قديم.
دخلنا وقعدنا في الصالة، وبعد التعارف، أخرجت صورة جدتي والورقة اللي فيها التوقيع.
لما عم فؤاد شافها، أخد نفسًا طويلًا وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي، لكن ما كنتش متوقع إن حفيدتها هي اللي هتوصل للحقيقة.
سألته
حضرتك كنت شريك جدتي فعلًا؟
رد بهدوء
أيوه، في بداية المشروع. أنا ساعدتها في تأسيس المكان، لكنها كانت صاحبة الفكرة الأساسية. واتفقنا وقتها إن جزءًا من أرباح المشروع يفضل مخصصًا لتعليم البنات الحِرف، حتى لو تغيّرت ملكية العقار بعد كده.
بصيت لأبويا بدهشة.
يعني جدتي كانت عايزة تعمل مشروع خيري؟
ابتسم عم فؤاد وقال
بالضبط. كانت مؤمنة إن كل بنت لازم تكون عندها فرصة تتعلم حرفة وتقدر تعتمد على نفسها. لكن المشروع اتعطل بسبب خلافات على الإدارة والملكية، وبعدها كل واحد فينا انشغل بحياته.
سألته عن ملحق الاتفاق، فقال إنه حضر توقيع المستندات، لكنه ما احتفظش بالأصل.
آخر مرة شفت الملحق كانت في مكتب التوثيق القديم. جدتك طلبت مني أراجع بندًا متعلقًا بالمشروع، وبعدها قالت إن الأوراق هتتحفظ رسميًا لحين استكمال الإجراءات.
المحامي فؤاد سأله
هل عندك نسخة من أي مراسلات تخص الاتفاق؟
قام عم فؤاد، ودخل غرفة جانبية، ورجع بملف صغير.
عندي خطابات قديمة، يمكن تساعدكم.
فتح الملف، وطلع خطابًا مؤرخًا قبل تسجيل العقار باسم عمي سامي.
في الخطاب، جدتي كانت بتطلب التأكد من إن أي تغيير في الملكية ما يلغيش الالتزامات المرتبطة بالمشروع التعليمي.
المحامي قرأ الخطاب بعناية، وقال
ده مستند مهم لفهم نية جدتك، لكنه لوحده ما يثبتش إن الالتزام ما زال قائمًا قانونيًا. لازم نراجعه مع الاتفاق الأصلي وباقي المستندات.
كنت مبسوطة إننا بدأنا نفهم حلم جدتي الحقيقي، لكن كان لسه عندي سؤال واحد.
طيب يا عم فؤاد، مين الشخص اللي كان مسؤول عن استكمال الإجراءات بعدك؟
عم فؤاد سكت شوية، وبعدها قال
كان فيه موظف اسمه حمدي، هو اللي كان بيتابع نقل الملفات بين مكتب التوثيق والمحامي القديم. لكن أنا ما أعرفش إذا كان لسه محتفظ بأي سجلات.
المحامي سجّل الاسم، وطلب من عم فؤاد يكتب إفادة بما يتذكره، من غير ما يجزم بأي تفاصيل مش متأكد منها.
وقبل ما نمشي، عم فؤاد ناداني وقال
يا مريم، فيه حاجة أخيرة. جدتك كانت محتفظة بدفتر خاص، مش ضمن أوراق الملكية. كانت بتكتب فيه أفكارها عن المشروع، وأسماء البنات اللي كانت بتساعدهم يتعلموا الخياطة والتطريز.
سألته
والدفتر ده فين؟
رد
آخر مرة شفته كان في مخزن صغير تابع للمحل القديم. المحل اتقفل من سنين، لكن ممكن يكون الدفتر لسه هناك.
في اليوم التالي، رحنا للمحل القديم.
المكان كان مليان رفوف خشب وصناديق ورق، وبعد بحث طويل، لقينا صندوقًا صغيرًا عليه اسم جدتي.
فتحته، وظهر دفتر بغلاف أخضر، وفي أول صفحة كانت مكتوبة جملة
الميراث الحقيقي مش اللي نملكه، لكن اللي نسيبه للناس بعدنا.
قلبت الصفحات، ولقيت رسومات لملابس مطرزة، وخططًا لتعليم مجموعة من البنات، وأسماء أشخاص ساعدوا جدتي في بداية مشروعها.
وفي آخر الدفتر، لقيت صفحة بعنوان الخطة النهائية.
كانت جدتي كاتبة إنها تريد تخصيص جزء من دخل المشروع لتدريب البنات، وإنها طلبت من المحامي صياغة اتفاق يحفظ الفكرة حتى لو تغيّرت ملكية المكان.
لكن الصفحة ما كانتش موقعة، وما عرفناش إذا كانت الخطة اتنفذت فعلًا أو فضلت مجرد فكرة.
أخدت الدفتر للمحامي فؤاد، وطلبت منه يراجع كل اللي لقيناه.
قال لي
حتى لو الملكية لسه محل مراجعة، ممكن نبدأ نبحث إزاي نحيي فكرة جدتك بطريقة قانونية، من غير ما نستبق نتيجة النزاع.
الكلام ده خلاني أفكر إننا نقدر نحافظ على حلم جدتي مهما كانت نتيجة ملف العقار.
لكن قبل ما نتحرك في أي اتجاه، وصلني اتصال من عمي سامي.
قال بصوت متوتر
مريم، لازم تيجي البيت. فيه خطاب وصلني النهارده، ومكتوب عليه اسم جدتك، رغم إنها متوفية من سنين.
رجعت بسرعة، ولقيته مستنيني ومعاه ظرف رسمي قديم، عليه ختم جهة قانونية.
فتحنا الظرف بحضور المحامي، فوجدنا إشعارًا بوجود مستند محفوظ في الأرشيف، مرتبطًا بملكية العقار وبالاتفاق الخاص بالمشروع.
لكن المفاجأة كانت في تاريخ حفظ المستند.
كان بعد وفاة جدتي بشهر كامل!
المحامي بص للتاريخ وقال
ده معناه إن حد قدّم المستند بعد وفاتها، لكن لازم نعرف مين قدّمه، وبأي صفة، وهل كان استكمالًا لإجراء قديم ولا طلبًا جديدًا.
بصيت لعمي سامي، فهز راسه وقال
أنا ما قدمتش أي حاجة في التاريخ ده.
أبويا أكد إنه ما كانش يعرف بوجود الإشعار أصلًا.
أما عم صابر، ففضل ساكت وهو بيبص للختم.
سألته
يا عم صابر، إنت تعرف الختم ده؟
رفع عينيه وقال
أيوه يا مريم ده ختم المكتب اللي كان فيه المحامي القديم، لكن الشخص اللي استلم الملفات بعد وفاته ما كانش ابنه شريف زي ما إحنا فاكرين.
سكت لحظة، ثم أضاف
كان فيه شخص تاني مسؤول عن الأرشيف وقتها، واسمه حمدي نفس الشخص اللي ذكره عم فؤاد!
وهنا فهمنا إننا أخيرًا وصلنا للشخص اللي ممكن يفسر إزاي المستند اتحفظ بعد وفاة جدتي.
لكن هل حمدي كان مجرد موظف بيكمل إجراءات قديمة، ولا عنده معلومة مهمة محدش عرفها لحد النهارده؟
وليه المستند اتسجل بعد وفاة جدتي بشهر، مع إن كل العيلة كانت فاكرة إن ملف الممتلكات اتقفل من سنين؟
الجزء الثامن الورقة اللي أبويا خبّاها من غير ما يقول!
رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر في حاجة غير كلام المحامي فؤاد.
إزاي أبويا يكون استلم نسخة من مستند جدتي من سنين، وإحنا كلنا بندور عليها دلوقتي؟
كنت خايفة أواجهه فينكر، أو يفتكر إني باتهمه بحاجة. لكن في نفس الوقت، ما كنتش عايزة أسيب الشك يكبر بينا.
استنيت لحد ما قعد لوحده في البلكونة، وروحت له.
قلت بهدوء
بابا، ممكن أسألك سؤال، وتجاوبني بصراحة؟
بص لي وقال
خير يا مريم؟
قعدت جنبه وطلعت صورة سجل الاستلام.
المحامي لقى ورقة بتقول إنك استلمت نسخة من ملحق اتفاق جدتي من سنين. فاكر الموضوع ده؟
أول ما شاف الصورة، فضل ساكت شوية، وبعدها حط إيده على جبهته كأنه بيحاول يفتكر.
استني... أنا فاكر إن كان فيه ظرف وصلني بعد وفاة أمّي بفترة. كان فيه أوراق كتير، ووقتها كنت مشغول بإنهاء حاجات تخص البيت. حطيت الظرف في صندوق الأوراق القديمة، وما رجعتش له تاني.
سألته
طب ليه ما قلتلناش؟
رد بحزن
لأني ما كنتش أعرف إن الورقة دي موجودة أصلًا وسط الأوراق. أنا فاكر إني استلمت مستندات تخص البيت، لكن ما كنتش أعرف إن بينها ملحق اتفاق.
قمت بسرعة وقلت
طب الصندوق فين؟
أبويا دخل أوضته، وطلع مفتاح دولاب قديم في آخر الطرقة.
فتحنا الدولاب، وبدأنا نطلع ملفات وفواتير وصور قديمة. وبعد بحث طويل، لقينا صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه اسم جدتي بخط إيدها.
قلبي دق بسرعة.
فتحنا الصندوق، وكان جواه ألبوم صور، وخطابات قديمة، ومجموعة أوراق مربوطة بشريط أخضر.
وفي قاع الصندوق، لقينا ظرفًا أصفر مكتوبًا عليه
إلى محمود... لما تكون مستعد تعرف الحكاية كاملة.
أبويا مسك الظرف، وبص لي.
الخط ده خط أمّي.
فتحناه بحذر، ولقينا خطابًا من صفحتين، وورقة مطوية عليها ختم قديم.
بدأ أبويا يقرأ بصوت منخفض، لكن أول سطر خلّاه يتوقف
يا محمود، أنا عارفة إنك بتحاول تحافظ على البيت، لكن لازم تعرف إن البيت مش مجرد حيطان، وإن الاتفاق اللي عملته مش معناه إن حد فيكم له حق يحرم الباقيين من حقوقهم.
أبويا رفع عينه ليا، وكان واضح إنه بدأ يفهم إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة ملكية.
كمل القراءة، ولقي إن جدتي كانت بتطلب منه يحتفظ بنسخة من الاتفاق لحد ما كل الأطراف يفهموا بنوده، وإنها كانت خايفة إن سوء الفهم يفرق العيلة بعد وفاتها.
لكن الخطاب ما قالش إن أبويا كان مسؤولًا عن تنفيذ الاتفاق، ولا إن الملكية اتنقلت له.
المحامي فؤاد، لما شاف الصور في اليوم التالي، أكد لنا إننا محتاجين نفحص أصل المستند ونتأكد من علاقته بباقي الأوراق.
وقال
وجود النسخة دي مهم جدًا، لكنه مش حكم نهائي. لازم نعرف هل هي كاملة، وهل فيه صفحات ناقصة، وإيه الوضع القانوني للعقارات.
في آخر الصندوق، لقيت ورقة صغيرة بخط جدتي، مختلفة عن باقي الخطابات.
كان مكتوب فيها
لو اختلفتم يومًا على البيت، افتكروا إن فيه ناس كانت مستنية تتعلم فيه صنعة تفتح لها باب رزق. ما تخلوش حلمي يتحول لسبب في خصامكم.
حسيت بغصة في حلقي.
افتكرت جدتي وهي قاعدة قدام ماكينة الخياطة، وبتعلمني أظبط القماش، وتقول لي إن الشغل بإيدينا ممكن يغيّر حياة إنسان.
بصيت لأبويا وقلت
أنا عايزة أعمل المشروع ده، حتى لو في مكان تاني. مش لازم نستنى موضوع الملكية يخلص علشان نبدأ نخطط.
أبويا هز راسه وقال
وأنا هساعدك، بس بشرط إننا ما ناخدش خطوة تمس حق أي حد.
اتصلنا بالمحامي، واتفقنا نبدأ في مسارين منفصلين مراجعة المستندات الخاصة بالملكية، ودراسة إمكانية تأسيس مشروع تدريب صغير لتعليم الخياطة والتطريز في مكان مستقل.
ولأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إننا بنعمل حاجة بدل ما نفضل ندور في الماضي.
بعد أسبوع، بدأنا نجهز غرفة صغيرة في مركز قريب من بيتنا، ونتواصل مع ناس عندهم خبرة في تعليم الخياطة.
يوسف كان مبسوط جدًا، وكل شوية يسألني
ماما، هو المكان ده هيبقى فيه بنات كتير بيتعلموا زي ما تيتة كانت عايزة؟
كنت بضحك وأقوله
إن شاء الله، بس واحدة واحدة يا حبيبي.
وفي نفس الوقت، المحامي فؤاد كان بيتابع مراجعة الأوراق.
لحد ما اتصل بينا وقال إن فيه تطور جديد.
الجهة المختصة قدرت توصل إلى سجل قديم مرتبط بالعقار، وفيه إشارة إلى اتفاق إضافي بين جدتي وشريكها القديم، عم فؤاد الكبير.
لكن السجل ما كانش فيه نص الاتفاق كاملًا.
قال المحامي
لازم نقابل عم فؤاد الكبير مرة تانية. ممكن يكون عنده نسخة أو يعرف مكانها.
اتصلنا به، ولما عرف إننا لقينا خطاب جدتي والنسخة اللي كانت مع أبويا، طلب يشوف الأوراق بنفسه.
رحنا له في الإسكندرية، وقعد يراجع المستندات في صمت.
وبعد وقت طويل، رفع رأسه وقال
أنا كنت متوقع إن الورق ده هيظهر يومًا ما، لكن فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما تكملوا.
سألته بقلق
إيه هي؟
قال
الاتفاق الأصلي ما كانش متعلقًا بالعقار وحده. كان فيه جزء خاص بفلوس المشروع، وطريقة توزيع الأرباح، واسم شخص كان مسؤولًا عن حفظ الحسابات.
المحامي فؤاد سأله
مين الشخص ده؟
عم فؤاد الكبير فتح درج مكتبه، وطلع دفتر حسابات قديم، وقال
الاسم موجود هنا، لكن قبل ما تشوفوه، لازم تعرفوا إن الشخص ده كان أقرب لجدتكم من أي حد كان متخيل.
فتح الدفتر على صفحة محددة، ولفه ناحيتنا.
كان مكتوبًا في أعلى الصفحة اسم واضح
نادية... أمي!
بصيت ناحية أبويا، وبعدها رجعت بصيت لعم فؤاد الكبير.
ماما كانت مسؤولة عن حسابات مشروع جدتي؟ إزاي عمرها ما قالت لنا؟
عم فؤاد الكبير رد
مش معنى إن اسمها موجود في الدفتر إنها أخفت حاجة أو عملت غلط. لازم نفهم طبيعة دورها، ونراجع الحسابات قبل ما نستنتج أي شيء.
رجعنا مصر، وأنا مش عارفة أواجه أمي بإيه.
لأن المرة دي، الموضوع ما بقاش مجرد أوراق قديمة أو عقار مختلفين عليه.
بقى متعلقًا بأمي نفسها، وبعلاقتها بجدتي، وبحلم فضل مدفون سنين طويلة.
وفي المساء، لما دخلت المطبخ، لقيت أمي واقفة بتحضر العشا.
حطيت صورة الصفحة قدامها وسألتها
ماما، إنتِ كنتِ تعرفي إن جدتي سجلت اسمك في حسابات المشروع؟
أمي بصت للورقة، وسكتت لحظات طويلة.
وبعدين قعدت على الكرسي وقالت بصوت هادي
أيوه يا مريم، كنت أعرف... بس اللي إنتِ فاهماه عن الموضوع مش هو الحقيقة كلها.
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، دخل أبويا المطبخ، ولما سمع آخر جملة، وقف مكانه وقال
نادية، مش معقول
لسه هتفضلي مخبية عنها سبب توقف المشروع!
أمي رفعت عينيها ليه، وقالت
أنا ما خبيتش علشان أضر حد... أنا سكتّ علشان وعدت أمك إني ما أتكلمش غير لما يظهر المستند الأصلي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أمي كانت مستنية حاجة من سنين.
لكن إيه الوعد اللي قطعته لجدتي؟ وإيه اللي حصل للمشروع لدرجة إن أمي اضطرت تسكت كل المدة دي؟الجزء التاسع الوعد اللي أمي خبّته عننا سنين!
وقفت قدام أمي وأنا مش عارفة أبدأ منين.
سنين طويلة وأنا فاكرة إن جدتي ماتت وسابت لنا بيتًا قديمًا وذكريات حلوة، لكن كل ورقة جديدة كانت بتكشف إن فيه حكاية أكبر بكتير محدش حكى عنها.
قلت لها
ماما، أنا مش عايزة أتهمك بحاجة، بس محتاجة أفهم. إيه اللي حصل زمان؟ وليه كل ده اتخبّى عننا؟
أمي بصت لأبويا، وبعدها رجعت بصت لي.
لما جدتك قررت تعمل مشروع لتعليم البنات الخياطة والتطريز، أنا كنت لسه صغيرة نسبيًا، وكنت بساعدها في تسجيل المصاريف والأرباح. هي كانت مؤمنة إن البنت لازم يكون عندها صنعة تقدر تعيش منها، حتى لو ظروفها صعبة.
قعدت جنبها وقلت
طب ليه المشروع وقف؟
أمي أخدت نفسًا طويلًا، وبدأت تحكي.
في الأول، المشروع كان ناجح. البنات كانوا بيتعلموا، وبعضهم بدأ يشتغل من البيت ويبيع شغله. لكن بعد فترة، حصل خلاف على إدارة العقار، وكل واحد في العيلة بقى فاهم الاتفاق بطريقة مختلفة. جدتك خافت إن المشروع يتحول لخلاف أكبر، فقررت توقفه مؤقتًا لحد ما الأوراق تتراجع.
سألتها
وإنتِ كان دورك إيه؟
قالت
كنت مسؤولة عن حسابات المشروع، لكن ما كنتش صاحبة القرار في الملكية. لما جدتك تعبت، سلّمتني دفتر الحسابات وطلبت مني أحافظ عليه، وما أتصرفش في أي فلوس أو أوراق تخص المشروع إلا بعد مراجعة الاتفاق الأصلي.
بصيت لها باستغراب
يعني الدفتر اللي شفناه عند عم فؤاد الكبير كان جزء من الحسابات؟
هزت راسها.
أيوه. لكن الدفتر ده مش النسخة الوحيدة، وكان فيه ملف تاني فيه تفاصيل المصاريف والمبالغ اللي اتصرفت على تعليم البنات.
المحامي فؤاد، اللي كان بيتابع معانا على الهاتف، طلب منها تكمل.
أمي قالت
بعد وفاة جدتك، حاولنا نلاقي الملف التاني، لكن ما لقيناهوش. وقتها عم فؤاد الكبير قال إنه ممكن يكون اتنقل مع أوراق المكتب القديم. وبعد فترة، كل واحد انشغل بحياته، والموضوع اتساب.
سألتها
طب والوعد اللي وعدتيه لجدتي؟
أمي بصت لي بعينين مليانين حزن وقالت
وعدتها إني لو الملف ظهر في يوم من الأيام، أساعد في إعادة المشروع، لكن بشرط ما نبدأش قبل ما نعرف حقوق كل شخص بوضوح. ما كنتش عايزة أبدأ حاجة على حساب حد من العيلة.
في اليوم التالي، اتفقنا كلنا نقابل عم فؤاد الكبير، ومعانا المحامي.
أمي أخدت دفتر الحسابات، وعم فؤاد جاب الأوراق القديمة اللي كانت عنده.
بدأ المحامي يقارن التواريخ والأرقام، وبعد مراجعة طويلة، لاحظ إن فيه مبالغ اتسجلت كمصروفات لتجهيز المكان وشراء ماكينات خياطة وأقمشة وأدوات تدريب.
لكن في آخر الدفتر، كان فيه حساب مفتوح من غير تسوية نهائية.
المحامي قال
لازم نعرف الحساب ده اتقفل بعد كده ولا لأ. وجوده مش دليل إن فيه فلوس مفقودة، لكنه معناه إننا محتاجين المستندات المكملة.
عم فؤاد الكبير فكر شوية، وبعدها قال
استنوا... أنا فاكر إن جدتكم كانت بتحتفظ بإيصالات شراء الماكينات في ملف منفصل، وكانت بتقول إن الملف ده لازم يفضل مع المستند الأصلي.
سألته
طب الملف فين دلوقتي؟
رد
مش متأكد، لكن ممكن يكون موجود في المخزن القديم اللي كانت بتحفظ فيه أدوات الخياطة.
قررنا نروح للمخزن في اليوم التالي.
كان المخزن في آخر شارع جانبي، في منطقة هادية. المكان كان مقفول من سنين، لكن عم فؤاد احتفظ بالمفتاح.
فتحنا الباب، وظهر قدامنا عدد من الصناديق القديمة، وماكينة خياطة مغطاة بقطعة قماش، ورفوف عليها دفاتر وأدوات.
يوسف كان معايا، وفضل يسألني عن كل حاجة يشوفها.
قلت له
المكان ده كان حلم تيتة، يا حبيبي. كانت عايزة بنات كتير يتعلموا هنا.
بدأنا ندور في الصناديق، لحد ما أمي لقت صندوقًا معدنيًا صغيرًا تحت رف خشبي.
الصندوق كان عليه ملصق باهت مكتوب فيه حسابات التدريب.
فتحناه، ولقينا إيصالات قديمة، وقائمة بأسماء البنات اللي شاركوا في الدورات الأولى، وخطابًا قصيرًا من جدتي.
لكن المفاجأة ما كانتش في الخطاب وحده.
كان فيه ظرف آخر، مكتوب عليه اسم عم صابر.
عم صابر، اللي كان واقف جنب الباب، اتقدم خطوة لما شاف اسمه.
أنا؟ ليه أمي كانت سايبة لي ظرف؟
فتح الظرف بإذن المحامي، وطلع منه خطاب قديم.
كان مكتوبًا فيه
يا صابر، لو وصل لك الخطاب ده، يبقى غالبًا العيلة بدأت تدور على حقيقة الاتفاق. أنا عارفة إنك زعلت من خلافات زمان، لكن ما تخليش الزعل يمنعك من المساعدة. عندك نسخة من محضر الاجتماع اللي اتفقنا فيه على طريقة إدارة المشروع، ووجودها ممكن يساعد الكل يفهم قصدي.
عم صابر اتسمر مكانه.
قال بصوت منخفض
محضر الاجتماع... أنا فاكر الورقة دي. كنت محتفظ بنسخة منها مع أوراقي القديمة، لكن ما كنتش أعرف إنها مرتبطة بكل الحكاية دي.
المحامي سأله
هل النسخة لسه موجودة؟
رد عم صابر
أظن إنها موجودة في البيت. هروح أدوّر عليها فورًا.
رجع عم صابر بعد ساعات، ومعاه ملف قديم.
جواه كانت نسخة من محضر اجتماع حضرته جدتي، وأبويا، وعم صابر، وعم فؤاد الكبير، وعدد من أفراد العيلة.
المحضر وضّح إنهم اتفقوا على مراجعة وضع العقار، وتحديد المصروفات، ووضع نظام لإدارة مشروع التدريب. لكنه ما حسمش وحده ملكية العقار، وما كانش بديلًا عن المستندات الرسمية.
المحامي فؤاد راجع الورقة وقال
المحضر ده مهم لفهم نية جدتكم، لكنه لازم يتقارن بعقود الملكية وباقي المستندات. مش هنقدر نحسم أي حق قانوني من ورقة واحدة.
وبينما كنا بنجمع الملفات، أمي لاحظت توقيعًا في أسفل المحضر.
قربت الورقة من عينيها، وبعدها قالت
التوقيع ده مش توقيع جدتك.
كلنا بصينا لها.
سألها أبويا
تقصدي إيه؟
ردت
أنا مش بقول إن الورقة مزورة، لكن التوقيع الموجود هنا مختلف عن التوقيع اللي أعرفه في خطاباتها. ممكن يكون توقيع شاهد أو شخص تاني، ولازم نتأكد من صفته.
المحامي أخذ الورقة وقال إنه هيطلب فحصها ومراجعة أصل المحضر إن أمكن.
وفي اللحظة دي، رن تليفون عم صابر.
كان المتصل هو شريف، ابن المحامي القديم.
قال له إنهم عثروا في الأرشيف على سجل يذكر محضر الاجتماع نفسه، وإن فيه إشارة إلى مرفق إضافي لم يظهر ضمن الملفات اللي راجعناها.
المحامي فؤاد سأله عن وصف المرفق، فكان الرد
مكتوب في السجل إن المرفق عبارة عن صفحة واحدة، عليها توقيعات الحاضرين، وملاحظة بخط صاحبة المشروع.
بصيت لأمي، ولقيتها متوترة لأول مرة من بداية الحكاية.
سألتها
ماما، إنتِ تعرفي الصفحة دي؟
أمي ما ردتش فورًا.
وبعد لحظات قالت
أيوه... أنا شفتها مرة واحدة بس، يوم الاجتماع. وجدتك طلبت مني وقتها ما أتكلمش عنها قبل ما كل الأطراف يراجعوا الاتفاق.
سألتها
وكان مكتوب فيها إيه؟
أمي بصت للمحامي، وبعدها قالت
كان فيها اقتراح جدتك الأخير لتسوية الخلاف، ولو الاقتراح ده اتوثّق فعلًا بالطريقة الصحيحة، ممكن يغيّر فهمنا لكل اللي حصل زمان.
وفي نفس اللحظة، وصلتنا رسالة من شريف، مرفق بيها صورة من سجل الأرشيف.
كان فيه رقم للملحق، وتاريخ حفظه، وملاحظة قصيرة بتقول إن الصفحة الأصلية لم تُعَد إلى الملف بعد المراجعة.
يعني الصفحة ممكن تكون لسه موجودة في مكان ما، أو تكون اتنقلت لملف تاني.
المحامي فؤاد قال بحزم
هنطلب البحث عنها رسميًا، ومش هنفترض إن حد أخفاها عمدًا قبل ما نعرف الحقيقة.
لكن السؤال اللي فضلت أفكر فيه طول الليل كان مختلفًا
لو جدتي كانت قدمت اقتراحًا أخيرًا لحل الخلاف، مين اللي استلم الصفحة بعد الاجتماع، وليه ما رجعتش لملفها الأصلي؟
كنت حاسة إننا قربنا من نهاية اللغز، لكن في نفس الوقت بدأت أفهم إن الحقيقة مش بالضرورة هتطلع إن شخصًا واحدًا غلطان وشخصًا تاني صح.
يمكن كل واحد في العيلة كان محتفظ بجزء من الحكاية، ومستني الوقت المناسب علشان يتكلم.
ويمكن الورقة الأخيرة دي هي اللي هتجمع الأجزاء كلها أخيرًا.

تم نسخ الرابط