سر خطير حكايات_ميراا حصري
المحتويات
فؤاد الكبير، وكان عايش في الإسكندرية.
قفلت المكالمة وأنا عارفة إننا وصلنا لمرحلة جديدة من الحكاية.
لكن قبل ما أبدأ أدور عليه، المحامي فؤاد قال لي إن فيه تفصيلًا مهمًا لازم نتحقق منه هل عم فؤاد الكبير كان مجرد شاهد على الاتفاق، ولا كان طرفًا فيه وله حقوق لازم نراعيها؟
وهل ظهوره هيقفل ملف ميراث جدتي أخيرًا، ولا هيكشف إن المشروع اللي حلمت بيه كان له شركاء وحقوق أكتر مما تخيلنا؟الجزء السادس آخر شاهد على سر جدتي!
تاني يوم الصبح، بدأت أدور على عم فؤاد الكبير، آخر شخص اسمه ظهر في أوراق جدتي.
اتصلت بعم صابر، وطلبت منه أي معلومة تساعدنا نوصل له، فقال لي إنه كان عنده محل قديم في الإسكندرية، لكنه ما يعرفش إذا كان لسه عايش هناك ولا انتقل لمكان تاني.
المحامي فؤاد نصحنا نبدأ بالبيانات المتاحة في المستندات الرسمية، وبعد يومين من البحث، قدرنا نوصل لعنوانه.
سافرنا أنا وأبويا وعم صابر للإسكندرية، ولما وصلنا، لقينا بيتًا قديمًا في شارع هادي، بابه أزرق، وعلى الشباك أصص زرع صغيرة.
خبطنا على الباب، وبعد دقائق فتح لنا راجل كبير في السن، شعره أبيض ونظراته هادية.
أول ما شاف عم صابر، وقف مكانه للحظات.
صابر؟ معقول! بعد كل السنين دي؟
عم صابر ابتسم وقال
أيوه يا فؤاد، إحنا محتاجين نتكلم في موضوع قديم.
دخلنا وقعدنا في الصالة، وبعد التعارف، أخرجت صورة جدتي والورقة اللي فيها التوقيع.
لما عم فؤاد شافها، أخد نفسًا طويلًا وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي، لكن ما كنتش متوقع إن حفيدتها هي اللي هتوصل للحقيقة.
سألته
حضرتك كنت شريك جدتي فعلًا؟
رد بهدوء
أيوه، في بداية المشروع. أنا ساعدتها في تأسيس المكان، لكنها كانت صاحبة الفكرة الأساسية. واتفقنا وقتها إن جزءًا من أرباح المشروع يفضل مخصصًا لتعليم البنات الحِرف، حتى لو تغيّرت ملكية العقار بعد كده.
بصيت لأبويا بدهشة.
يعني جدتي كانت عايزة تعمل مشروع خيري؟
ابتسم عم فؤاد وقال
بالضبط. كانت مؤمنة إن كل بنت لازم تكون عندها فرصة تتعلم حرفة وتقدر تعتمد على نفسها. لكن المشروع اتعطل بسبب خلافات على الإدارة والملكية، وبعدها كل واحد فينا انشغل بحياته.
سألته عن ملحق الاتفاق، فقال إنه حضر توقيع المستندات، لكنه ما احتفظش بالأصل.
آخر مرة شفت الملحق كانت في مكتب التوثيق القديم. جدتك طلبت مني أراجع بندًا متعلقًا بالمشروع، وبعدها قالت إن الأوراق هتتحفظ رسميًا لحين استكمال الإجراءات.
المحامي فؤاد سأله
هل عندك نسخة من أي مراسلات تخص الاتفاق؟
قام عم فؤاد، ودخل غرفة جانبية، ورجع بملف صغير.
عندي خطابات قديمة، يمكن تساعدكم.
فتح الملف، وطلع خطابًا مؤرخًا قبل تسجيل العقار باسم عمي سامي.
في الخطاب، جدتي كانت بتطلب التأكد من إن أي تغيير في الملكية ما يلغيش الالتزامات المرتبطة بالمشروع التعليمي.
المحامي قرأ الخطاب بعناية، وقال
ده مستند مهم لفهم نية جدتك، لكنه لوحده ما يثبتش إن الالتزام ما زال قائمًا قانونيًا. لازم نراجعه مع الاتفاق الأصلي وباقي المستندات.
كنت مبسوطة إننا بدأنا نفهم حلم جدتي الحقيقي، لكن كان لسه عندي سؤال واحد.
طيب يا عم فؤاد، مين الشخص اللي كان مسؤول عن استكمال الإجراءات بعدك؟
عم فؤاد سكت شوية، وبعدها قال
كان فيه موظف اسمه حمدي، هو اللي كان بيتابع نقل الملفات بين مكتب التوثيق والمحامي القديم. لكن أنا ما أعرفش إذا كان لسه محتفظ بأي سجلات.
المحامي سجّل الاسم، وطلب من عم فؤاد يكتب إفادة بما يتذكره، من غير ما يجزم بأي تفاصيل مش متأكد منها.
وقبل ما نمشي، عم فؤاد ناداني وقال
يا مريم، فيه حاجة أخيرة. جدتك كانت محتفظة بدفتر خاص، مش ضمن أوراق الملكية. كانت بتكتب فيه أفكارها عن المشروع، وأسماء البنات اللي كانت بتساعدهم يتعلموا الخياطة والتطريز.
سألته
والدفتر ده فين؟
رد
آخر مرة شفته كان في مخزن صغير تابع للمحل القديم. المحل اتقفل من سنين، لكن ممكن يكون الدفتر لسه هناك.
في اليوم التالي، رحنا للمحل القديم.
المكان كان مليان رفوف خشب وصناديق ورق، وبعد بحث طويل، لقينا صندوقًا صغيرًا عليه اسم جدتي.
فتحته، وظهر دفتر بغلاف أخضر، وفي أول صفحة كانت مكتوبة جملة
الميراث الحقيقي مش اللي نملكه، لكن اللي نسيبه للناس بعدنا.
قلبت الصفحات، ولقيت رسومات لملابس مطرزة، وخططًا لتعليم مجموعة من البنات، وأسماء أشخاص ساعدوا جدتي في بداية مشروعها.
وفي آخر الدفتر، لقيت صفحة بعنوان الخطة النهائية.
كانت جدتي كاتبة إنها تريد تخصيص جزء من دخل المشروع لتدريب البنات، وإنها طلبت من المحامي صياغة اتفاق يحفظ الفكرة حتى لو تغيّرت ملكية المكان.
لكن الصفحة ما كانتش موقعة، وما عرفناش إذا كانت الخطة اتنفذت فعلًا أو فضلت مجرد فكرة.
أخدت الدفتر للمحامي فؤاد، وطلبت منه يراجع كل اللي لقيناه.
قال لي
حتى لو الملكية لسه محل مراجعة، ممكن نبدأ نبحث إزاي نحيي فكرة جدتك بطريقة قانونية، من غير ما نستبق نتيجة النزاع.
الكلام ده خلاني أفكر إننا نقدر نحافظ على حلم جدتي مهما كانت نتيجة ملف العقار.
لكن قبل ما نتحرك في أي اتجاه، وصلني اتصال من عمي سامي.
قال بصوت متوتر
مريم، لازم تيجي البيت. فيه خطاب وصلني النهارده، ومكتوب عليه اسم جدتك، رغم إنها متوفية من سنين.
رجعت بسرعة، ولقيته مستنيني ومعاه ظرف رسمي قديم، عليه ختم جهة قانونية.
فتحنا الظرف بحضور المحامي، فوجدنا إشعارًا بوجود مستند محفوظ في الأرشيف، مرتبطًا بملكية العقار وبالاتفاق الخاص بالمشروع.
لكن المفاجأة كانت في تاريخ حفظ المستند.
كان بعد وفاة جدتي بشهر كامل!
المحامي بص للتاريخ وقال
ده معناه إن حد قدّم المستند بعد وفاتها، لكن لازم نعرف مين قدّمه، وبأي صفة، وهل كان استكمالًا لإجراء قديم ولا طلبًا جديدًا.
بصيت لعمي سامي، فهز راسه وقال
أنا ما قدمتش أي حاجة في التاريخ ده.
أبويا أكد إنه ما كانش يعرف بوجود الإشعار أصلًا.
أما عم صابر، ففضل ساكت وهو بيبص للختم.
سألته
يا عم صابر، إنت تعرف الختم ده؟
رفع عينيه وقال
أيوه يا مريم ده ختم المكتب اللي كان فيه المحامي القديم، لكن الشخص اللي استلم الملفات بعد وفاته ما كانش ابنه شريف زي ما إحنا فاكرين.
سكت لحظة، ثم أضاف
كان فيه شخص تاني مسؤول عن الأرشيف وقتها، واسمه حمدي نفس الشخص اللي ذكره عم فؤاد!
وهنا فهمنا إننا أخيرًا وصلنا للشخص اللي ممكن يفسر إزاي المستند اتحفظ بعد وفاة جدتي.
لكن هل حمدي كان مجرد موظف بيكمل إجراءات قديمة، ولا عنده معلومة مهمة محدش عرفها لحد النهارده؟
وليه المستند اتسجل بعد وفاة جدتي بشهر، مع إن كل العيلة كانت فاكرة إن ملف الممتلكات اتقفل من سنين؟الجزء السابع الموظف اللي كان عارف كل الأسرار!
أول ما عم صابر قال اسم حمدي، المحامي فؤاد طلب مننا ما نستعجلش في أي استنتاج.
قال
إحنا عندنا اسم وتاريخ مستند، لكن لسه ما نعرفش إذا كان الشخص ده ارتكب أي خطأ. لازم نوصله ونسمع منه.
بدأنا نراجع البيانات القديمة، وبعد محاولات كتير، قدرنا نوصل لعنوان حمدي في طنطا.
تاني يوم، سافرنا أنا وأبويا للمقابلة، والمحامي اتفق معانا إنه يتابع الموضوع رسميًا.
لما وصلنا، استقبلنا راجل في أواخر الستينات من عمره. أول ما سمع اسم جدتي، سكت لحظات، وبعدها دعانا ندخل.
قلت له
إحنا بندور على مستند اتقدم بعد وفاة جدتي بشهر، وكان متعلقًا بملكية عقارها ومشروعها القديم.
حمدي بص لنا باستغراب، وبعدها قام وفتح درجًا في مكتب صغير.
أنا كنت مسؤول عن ترتيب الملفات في المكتب وقتها، لكن مش كل المستندات كانت تحت إيدي. فيه أوراق اتنقلت للمراجعة، وأوراق تانية اتسلمت لأصحابها.
المحامي فؤاد سأله
هل تفتكر المستند اللي اتسجل في التاريخ ده؟
حمدي طلب يشوف صورة الإشعار، وفضل يراجعها طويلًا.
بعدها قال
أيوه، فاكر المعاملة دي. المستند وصل للمكتب بعد وفاة صاحبة الملكية، لكن كان مرفقًا بخطاب بيقول إنه استكمال لإجراء بدأ قبل وفاتها.
سألته
مين اللي سلّم المستند؟
حمدي فتح دفترًا قديمًا، وبدأ يدور في الصفحات، لحد ما وقف عند سطر محدد.
هنا مكتوب اسم الشخص اللي سلّمه، لكن لازم أراجع سجل الاستلام الأصلي علشان أتأكد من الاسم كاملًا.
طلبنا منه يبحث عن السجل، فوعدنا إنه هيتواصل معانا بعد ما يراجعه.
خرجنا من عنده، وأنا حاسة إننا قربنا من الإجابة أخيرًا.
بعد يومين، اتصل حمدي بالمحامي فؤاد، وقال إنه لقى نسخة من سجل الاستلام.
اتفقنا نتقابل في مكتبه مرة تانية.
حط السجل قدامنا، وأشار إلى اسم واضح مكتوب بجوار تاريخ المعاملة.
كان الاسم شريف، ابن المحامي القديم.
اتصدمت.
يعني شريف هو اللي سلّم المستند؟
حمدي رد
السجل بيقول إن شخصًا بالاسم ده سلّم الملف، لكن ما أقدرش أجزم إنه نفس شريف اللي قابلتوه قبل كده إلا لما نطابق بياناته.
المحامي فؤاد قال
دي معلومة مهمة، لكن لازم نسمع منه ونتأكد من طبيعة المستند اللي سلّمه.
اتصلنا بشريف، وطلبنا منه يقابلنا.
لما عرف إننا وصلنا لسجل الاستلام، وافق على المقابلة.
قعد قدامنا وهو متوتر شوية، وبعد ما شاف صورة السجل، قال
أيوه، أنا اللي سلّمت الملف للمكتب بعد وفاة والدي. كنت لقيت أوراقًا قديمة بين ملفاته، واعتقدت إنها جزء من معاملة ما خلصتش. سلّمتها علشان تتراجع، مش علشان أغيّر ملكية أي حاجة.
سأله المحامي
هل عندك نسخة من الخطاب اللي كان مرفقًا بالملف؟
شريف فكر لحظة، وبعدها قال
ممكن تكون عندي في أرشيف والدي. أنا ما راجعتش كل الملفات من وقتها.
اتفقنا إنه يفتش الأرشيف، ويقدّم أي مستند يلاقيه للمحامي.
لأول مرة، بدأ يظهر احتمال إن المستند اللي اتقدم بعد وفاة جدتي ما كانش بالضرورة محاولة لتغيير حقوقها، لكنه كان جزءًا من إجراء قديم ما اكتملش.
ومع ذلك، كان لسه فيه سؤال مهم إيه اللي حصل للملحق الأصلي؟
بعد أسبوع، شريف اتصل بينا وقال إنه لقى ملفًا صغيرًا داخل صندوق أوراق قديمة.
رحنا مكتبه، وفتح الملف قدام المحامي.
كان جواه خطاب من جدتي، ونسخة من ملحق الاتفاق، وإيصال باستلام مستندات للمراجعة.
المحامي فؤاد بدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة، وبعدها قال
دي أول مرة نشوف نسخة متكاملة من الملحق. لكن علشان نعرف إذا كانت النسخة مطابقة للأصل، لازم نتحقق من التوقيعات ومصدر المستند.
قرأت الخطاب، ولقيت جدتي كاتبة
أنا أوافق على استمرار مشروع تعليم البنات، وأطلب من كل من يتولى إدارة المكان أن يحافظ على الغرض الأساسي منه. أما حقوق الملكية، فيجب أن تُحسم وفق الاتفاقات الموثقة، من غير ما يُحرم أي صاحب حق من نصيبه.
حسيت إن الرسالة دي بتشرح كل حاجة كانت جدتي بتحاول تعملها.
هي ما كانتش عايزة تحرم حد من حقه، ولا كانت عايزة العقار يتحول لسبب في خلافات العيلة.
كانت عايزة تحفظ حقوق أصحاب الملكية، وفي نفس الوقت تحافظ على مشروعها.
لكن المحامي لاحظ إن ملحق الاتفاق فيه بند إضافي مكتوب بخط مختلف، وطلب من شريف يوضح إذا كان موجودًا في النسخة اللي استلمها من والده.
شريف قال
مش متأكد. محتاجين نفحص الورقة كويس علشان نعرف إذا كان البند اتكتب في نفس الوقت ولا اتضاف بعد كده.
المحامي قرر إحالة المستند للفحص، وطلب مننا ننتظر النتيجة قبل اتخاذ أي خطوة.
بعد أيام، ظهرت نتيجة الفحص الأولية.
أكد التقرير إن الورقة فيها اختلافات في طريقة الكتابة بين أجزاء منها، لكن الفحص وحده ما كانش كافيًا لتحديد تاريخ إضافة البند أو الشخص اللي كتبه.
يعني لسه ما نقدرش نقول إن فيه تزوير أو تغيير متعمد.
لكن المفاجأة كانت في نص البند نفسه.
كان مكتوبًا
في حالة تعذر تنفيذ مشروع تعليم البنات داخل العقار، يُبحث عن مكان بديل، على أن تُحفظ الحقوق المالية لأصحابها وفق المستندات القانونية.
بصيت للمحامي وسألته
يعني حتى لو العقار مش من حقي بالكامل، نقدر نحقق حلم جدتي في مكان تاني؟
ابتسم وقال
من حيث المبدأ، ممكن نبحث عن طريقة قانونية لتنفيذ الفكرة، لكن لازم نراجع الاتفاقات وحقوق جميع الأطراف الأول.
بصيت لأبويا وعم صابر، وقلت لهم
أنا مش عايزة الحكاية دي تنتهي بخلاف جديد. نفسي نعرف الحق، ونقدر نعمل حاجة تفرّح جدتي بدل ما نفضل نتخانق على الماضي.
أبويا ابتسم وقال
يمكن دي كانت أمنيتها الحقيقية من البداية.
لكن في نفس الليلة، وصل للمحامي فؤاد بريد رسمي من الأرشيف، فيه صورة من سجل آخر مرتبط بالمعاملة.
السجل أظهر إن نسخة ثانية من ملحق الاتفاق كانت محفوظة في مكان مختلف، وإنها اتنقلت إلى جهة أخرى قبل سنوات.
وفي خانة المستلم، كان فيه اسم جديد تمامًا، لم يظهر في أي ورقة قبل كده.
المحامي اتصل بيا فورًا وقال
يا مريم، ظهر اسم شخص ممكن يكون معاه النسخة الأقرب للأصل. لازم نتحقق منه قبل ما نعلن أي نتيجة.
سألته
مين الشخص ده؟
رد بعد لحظة صمت
والدك نفسه، يا مريم. فيه سجل بيشير إلى إن نسخة من المستند اتسلّمت له من سنين، لكن لسه لازم نتأكد من التفاصيل وسبب التسليم.
حسيت بالصدمة، وافتكرت كل مرة أبويا قال إنه
متابعة القراءة