حماتي طلبت حكايات_ميراا حصري
للتوقيع لازم يتم بالطريقة الرسمية.
بعد ما خرجنا، فضلت أفكر في عم جلال.
ليه يحتفظ بأوراق أبويا بعد كل السنين دي؟ وليه يظهر فجأة قبل بناء البيت؟
اتصلت بعمي محمود، وسألته إذا كان يعرف مكانه.
قال لي
آخر مرة شفته كانت من حوالي سنة، لما جه يزورني، وسألني إذا كنت لسه محتفظ بأوراق أخويا القديمة.
قلبي اتقبض.
وإنت قلت له إيه؟
قلت له إن الأوراق اللي عندي تخصك، وإن مش من حقي أسلّمها لأي حد من غير إذنك.
بصيت للأستاذ حسام، وفهمت إننا محتاجين نعرف عم جلال كان بيتحرك لوحده، ولا كان فيه حد بيوجهه.
بعد يومين، قدر المحامي يتواصل مع عم جلال، واتفق معاه على مقابلة في مكتبه.
دخل الراجل وهو باين عليه التوتر، وقعد قدامنا من غير ما يبص لي.
المحامي بدأ يسأله بهدوء
يا أستاذ جلال، هل سلّمت مستندات تخص أرض مريم لشخص اسمه شريف؟
رد بعد تردد
أيوه، سلّمته نسخة من ورقة كانت عندي.
سألته
الورقة دي جبتها منين يا عم جلال؟!
بص لي وقال
الورقة كانت ضمن ملفات قديمة تخص والدك. بعد وفاته، احتفظت ببعض النسخ اللي كانت عندي عشان لو احتجتوا ترجعوا لها في أي وقت.
الأستاذ حسام سأله
وهل الورقة كانت موقعة من مريم؟
هز راسه.
كان عليها توقيع منسوب ليها، لكن أنا ما حضرتش وقت التوقيع، وما أقدرش أؤكد مين اللي وقّعها.
قلت له بغضب
طب إنت سلّمتها ليه لشريف، من غير ما تتأكد إني موافقة؟!
نزل عينه وقال
الحاجة سعاد قالت لي إنك عارفة بالموضوع، وإنها بتجهز بيت لبنتها بموافقتك. وأنا صدّقتها.
المحامي سأله فورًا
وهل عندك أي رسالة أو مستند يثبت إنها قالت لك الكلام ده؟
طلع عم جلال موبايله، وفتح رسالة قديمة.
كانت الرسالة من رقم مسجل باسم الحاجة سعاد، ومكتوب فيها
الأستاذة مريم موافقة على الاستفادة من الأرض، وإحنا بس بنرتب الإجراءات. محتاجين نسخة من الورق القديم عشان نكمل.
بصيت للرسالة، وحسيت بغضب شديد.
لكن الأستاذ حسام قال
الرسالة دي مهمة لتوضيح تسلسل الأحداث، لكنها لا تثبت وحدها صحة الموافقة. هنضمها لباقي المستندات، ونتحقق من مصدر الورقة الأصلية.
وبعدها سأل عم جلال
هل تعرف مين كان محتفظ بأصل المستند؟
عم جلال سكت طويلًا.
ثم قال
فيه حاجة ما قلتهاش قبل كده. أصل الورقة ما كانش عندي. أنا كنت محتفظ بصورة بس، والأصل كان موجود في ملف قديم عند والد مريم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه؟ أصل الورقة فين دلوقتي؟
رد
مش عارف، لكن آخر مرة شفت الملف ده كانت قبل وفاة والدك بفترة قصيرة.
المحامي سأله
هل ممكن يكون الملف موجود في مكتب والد مريم القديم؟
هز راسه.
وارد جدًا.
في اليوم التالي، رحت مع عمي محمود إلى المكتب القديم بتاع أبويا، بعد ما اتأكدنا إن المكان ما زال تحت تصرف الأسرة.
كان المكتب مليان أدراج قديمة وملفات متربة.
بدأنا ندور، لحد ما عمي فتح درجًا سفليًا كان مقفولًا بمفتاح قديم.
جواه لقينا دفتر حسابات، وصور مستندات، وظرف صغير مكتوب عليه اسم أبويا.
فتحت الظرف، ولقيت جوابًا بخط إيده
لو حد حاول يتصرف في أرض مريم من غير علمها، لازم نراجع أصل العقد وكل المستندات اللي تخصه. ما تعتمدوش على الصور أو الكلام المنقول.
وتحت الجواب كانت فيه ورقة عليها رقم ملف قديم.
عمي محمود بص للرقم وقال
أنا فاكر الملف ده. أبوكي كان بيحتفظ فيه بكل المستندات الأصلية المتعلقة بالأرض.
بدأنا نفتش عن الملف، وبعد دقائق لقيناه في خزانة حديدية صغيرة.
فتحناه، وكانت جواه نسخة رسمية من عقد الأرض، وإيصالات قديمة، ومستندات تثبت تاريخ تسجيل الملكية.
لكن ما لقيناش أصل ورقة التنازل المشكوك فيها.
بدلًا من كده، لقينا ورقة تانية بخط أبويا، مكتوب فيها
أي مستند يتضمن تنازلًا عن الأرض لا يُعتد به إلا بعد التأكد من صدوره عن مريم بإرادتها الحرة، ومراجعته قانونيًا.
الأستاذ حسام، اللي كان وصل للمكتب بعد ما بلغناه بالعثور على الملف، قرأ الورقة وقال
المستندات دي هتساعدنا في توضيح ملكية الأرض، لكن لازم نستكمل التحقق من الورقة اللي عليها التوقيع.
وأثناء ما كان بيجمع الأوراق، عمي محمود لاحظ ظرفًا صغيرًا ملزوقًا في الغطاء الداخلي للخزانة.
نزعه بحذر، وفتحه.
كان جواه صورة قديمة لأبويا واقف قدام الأرض، وبجواره أحمد!
بصيت للصورة باستغراب.
أحمد كان يعرف أبويا من قبل ما نتجوز، ده طبيعي. إيه الغريب في الصورة؟
عمي قلب الصورة على ظهرها.
كان فيه تاريخ مكتوب بخط أبويا، وتحته جملة قصيرة
أحمد وعدني إنه هيحافظ على حق مريم مهما حصل.
حسيت بغصة في حلقي.
أبويا كان واثق فيه، وكان شايفه الشخص اللي هيحافظ عليَّ بعده.
لكن أحمد خذل الثقة دي.
فجأة، تليفوني رن.
كان أحمد نفسه.
رديت، فقال بصوت متوتر
مريم، لازم أشوفك النهارده. فيه حاجة لازم تعرفيها عن الورقة اللي عليها إمضتك.
سألته
إيه هي؟
سكت لحظات، ثم قال
أنا عرفت مين اللي استخدم إمضتك، وعندي دليل ممكن يغيّر كل حاجة.
بصيت للأستاذ حسام، فأشار لي إني ما أستعجلش في أي قرار.
قلت لأحمد
لو عندك دليل، هاته للمحامي. أنا مش هقابل حد لوحدي، ومش هتنازل عن حقي.
رد بصوت مكسور
حاضر. بس قبل ما تشوفي الدليل، لازم تعرفي إن الشخص ده مش غريب عنك، وإنه كان موجود في حياتك من قبل ما تتجوزيني.
قفلت المكالمة، وفضلت باصة للصورة القديمة اللي أبويا كان محتفظ بيها.
مين الشخص اللي كان قريب مني للدرجة دي؟
وهل أحمد فعلًا عنده دليل، ولا بيحاول ينقذ نفسه بعد ما كل الأسرار بدأت تظهر؟
يتبع في الجزء الثامن...
الجزء الثامن الحقيقة اللي أحمد خاف يكشفها!
تاني يوم الصبح، وصل أحمد مكتب الأستاذ حسام ومعاه ظرف أبيض، ووشه كان شاحب كأنه ما نامش طول الليل.
أول ما دخل، حط الظرف على المكتب وقال
أنا عارف إني غلطت، وعارف إن مريم مش هتسامحني بسهولة، بس لازم تعرف الحقيقة كاملة.
بصيت له ببرود وقلت
افتح الظرف يا أحمد. أنا تعبت من الأسرار.
فتح الظرف وطلع منه صورة لمستند قديم، ومعاها مجموعة رسائل مطبوعة.
الأستاذ حسام بدأ يراجعهم، وبعد دقائق سأل أحمد
إنت حصلت على المستندات دي منين؟
رد أحمد
من مكتب أمي. كنت بدور على أوراق البيت، ولقيت الملف ده مخبّي في درج مقفول.
بصيت للرسائل، ولقيت واحدة منهم مكتوبة قبل بداية البناء بشهرين.
كان نصها
لازم نخلّص موضوع الأرض قبل ما مريم تعرف، لأن لو اعترضت بعد البناء، الموضوع هيبقى أصعب.
والرسالة اللي بعدها كانت بتطلب إرسال نسخة من المستند لشخص مسؤول عن متابعة أعمال البناء.
سألت أحمد
مين اللي كتب الرسائل دي؟
رد وهو بيبص للأرض
أمي.
حماتي كانت بتخطط من البداية إنها تبني البيت قبل ما أعرف، عشان تحطني قدام أمر واقع، وتخليني أتنازل عن حقي تحت ضغط إن البيت اتبنى والفلوس اتصرفت.
لكن السؤال اللي كان شاغلني لسه من غير إجابة
وإمضتي يا أحمد؟ مين اللي حطها على الورقة؟
أحمد أخد نفسًا طويلًا، وقال
أنا ما شفتش حد بيكتبها، لكن فيه رسالة من أمي بتقول إنها استلمت الورقة جاهزة من الشخص اللي كان بيتولى تجهيز المستندات.
الأستاذ حسام رد بحزم
يبقى لازم نحدد الشخص ده ونتحقق من دوره. ما ينفعش نتهم حد بالتزوير من غير دليل كافٍ.
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.
بص للشاشة، واتوتر جدًا.
سألته
مين؟
رد بصوت منخفض
أمي.
طلب منه المحامي يرد على المكالمة، ويسألها عن أصل المستندات من غير ما يدخل في جدال.
فتح أحمد مكبر الصوت.
جاء صوت حماتي غاضبًا
إنت فين يا أحمد؟ وليه أخدت الورق من المكتب؟ إنت عايز تضيعنا كلنا؟!
أحمد قال
يا أمي، أنا عايز أعرف الحقيقة. مين اللي جهّز ورقة التنازل اللي عليها إمضا مريم؟
سكتت لحظات، وبعدها ردت
أنا كنت عايزة أساعد دينا، وإنت كنت موافق! ما تقلبش عليَّ دلوقتي!
أحمد قال
الموافقة على بناء البيت مش معناها إننا نستخدم إمضا مريم من غير إذنها!
حماتي صرخت
أنا ما كتبتش إمضتها! الورقة وصلت لي جاهزة، وأنا افتكرت إن كل حاجة سليمة!
المحامي سجل وقت المكالمة ومضمونها ضمن ملاحظاته، لكنه وضح إن المكالمة وحدها مش كفاية لحسم المسؤولية.
وبعدين سأل أحمد
هل تعرف مين سلّم والدتك الورقة؟
أحمد رد
أيوه. الشخص اللي كانت بتتعامل معاه في تجهيز الأوراق هو عم جلال، المحاسب القديم بتاع والد مريم.
بصيت له بصدمة.
عم جلال قال إنه سلّمها صورة بس، وإنه ما يعرفش مين جهّز الإمضا!
أحمد هز راسه وقال
أنا مش عارف إذا كان بيقول الحقيقة كاملة ولا لأ. لكن أمي كانت بتقول إن عم جلال عنده ملفات قديمة تخص الأرض.
الأستاذ حسام تدخل
يبقى لازم نواجه اختلاف الأقوال بالمستندات الأصلية، مش بالتخمين.
بعد أيام من المراجعة، وصلنا خبر مهم.
الجهة المختصة طلبت أصل المستند اللي عليه التوقيع، وبدأت إجراءات فحصه ومقارنته بنماذج صحيحة من توقيعي.
وفي نفس الوقت، المحامي قدّم المستندات اللي تثبت ملكيتي للأرض، وبدأ يتابع الإجراءات اللازمة لمنع أي تصرف جديد فيها لحين حسم النزاع.
كنت حاسة إن الحقيقة قربت تظهر، لكني ما كنتش مستعدة للمفاجأة اللي حصلت بعدها.
في مساء يوم الخميس، اتصلت بيا دينا وقالت
مريم، ماما طلبت مني أروح لها، وقالت إنها عايزة تتكلم معاكي بعيد عن أحمد والمحامي.
رديت بحذر
قالت لك ليه؟
قالت إنها عايزة تعترف بحاجة، وإنها تعبت من المشاكل.
بعد ما حكيت للأستاذ حسام، اتفقنا إن أي مقابلة تكون في مكان عام، وإنه يكون على علم بكل اللي هيحصل.
قابلت حماتي في كافيه قريب من بيت أمي.
كانت قاعدة لوحدها، ووشها باين عليه التعب.
أول ما شافتني، قالت
أنا عارفة إنك كرهتيني يا مريم، ويمكن عندك حق.
ما رديتش.
كملت كلامها
أنا كنت عايزة أأمّن مستقبل دينا. بعد طلاقها، كنت خايفة عليها من الظروف، وافتكرت إنك هتوافقي في الآخر لو البيت اتبنى خلاص.
قلت لها
عشان كده قررتي تتصرفي في أرضي من غير إذني؟
نزلت عينها.
أنا غلطت لما ما استنيتش موافقتك.
سألتها مباشرة
وورقة التنازل؟
اتنهدت وقالت
أنا استلمت الورقة من عم جلال، وهو أكد لي إنها ورقة سليمة. ما أقدرش أقول لك مين كتب الإمضا، لأني ما شفتش ده بنفسي.
بصيت لها وقلت
حتى لو كنتِ فاكرة إن الورقة سليمة، كان لازم ترجعي لي قبل ما تبني البيت. إنتِ ما سألتيش، لأنك كنتِ عارفة إني هرفض.
حماتي ما قدرتش ترد.
وبعد لحظات، طلعت من شنطتها ظرفًا صغيرًا.
دي صور من الرسائل اللي كانت بيني وبين عم جلال. خديها للمحامي، يمكن تساعدكم تعرفوا الحقيقة.
أخدت الظرف، وقلت لها
أنا مش هقدر أقرر أسامحك أو لأ دلوقتي. اللي يهمني إن حقي يرجع، وإن كل حاجة تحصل بالقانون.
قمت ومشيت.
ولما سلّمت الظرف للأستاذ حسام، بدأ يراجع الرسائل واحدة واحدة.
وفجأة، وقف عند رسالة مؤرخة قبل بدء البناء بأيام.
كانت مكتوبة من عم جلال، ونصها
المستند جاهز، لكن لازم تتأكدوا إن صاحبة الأرض ما تعرفش أي تفاصيل قبل ما تخلص الإجراءات.
الأستاذ حسام رفع عينه وبص لي.
الرسالة دي مهمة جدًا، لأنها بتوضح إن فيه محاولة لإخفاء الإجراءات عنك. لكن لازم نتحقق من هوية المرسل وسياق الرسالة، ونربطها بالمستند المشكوك فيه.
سألته بلهفة
يعني قربنا نعرف مين زوّر الإمضا؟
رد
قربنا نفهم تسلسل الأحداث، لكن تحديد المسؤول عن التوقيع محتاج دليل واضح.
وبعدها بدقائق، وصل اتصال من الجهة اللي بتتابع فحص المستندات.
المحامي رد، واستمع للكلام، ثم طلب منهم توضيح الخطوة التالية.
ولما قفل، بص لي وقال
فيه نتيجة أولية تستدعي استكمال الفحص، لكن التقرير النهائي لسه ما صدرش.
كنت مستنية منه يكمل، فقال
والأهم إننا اكتشفنا إن المستند اللي اتقدم للمقاول مختلف في بعض التفاصيل عن النسخة الموجودة في ملف حماتك.
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
يعني فيه أكتر من نسخة؟!
هز راسه.
أيوه، ولازم نعرف إذا كان الاختلاف مجرد تعديل إداري، ولا تغيير جوهري في المستند.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة جديدة من رقم مجهول على تليفوني.
لو عايزة تعرفي مين كتب إمضتك، اسألي أحمد عن اليوم اللي أخد فيه ملف أبوكي من بيتكم.
فضلت باصة للرسالة، وبعدها رفعت عيني للأستاذ حسام.
لأن اليوم اللي الرسالة بتتكلم عنه كان اليوم اللي أحمد جه فيه بيت أمي بعد وفاة أبويا، وقال إنه بيساعدنا نرتب الأوراق القديمة!
هل أحمد أخفى عني حاجة حصلت في اليوم ده؟ وهل الملف اللي أخده كان فيه أصل المستند اللي ظهر بعد كده على أرضي؟
ما كنتش أعرف الإجابة، لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة...
المرة دي، مش هسمح لأي حد يدفن الحقيقة تاني.
يتبع...