وصلت البيت حكايات ميراا حصري
لما وصلت البيت الساعة 117 بعد نص الليل، اتجمدت مكاني أول ما اكتشفت إن مراتي، اللي كانت في آخر أيام حملها، اختفت.
أمي وقفت قدامي، وفتحتلي الدولاب الفاضي وقالت بكل برود
مريم أخيرًا فهمت إنها مش من العيلة دي.
لثواني، كنت هصدق كلامها...
لحد ما لقيت حاجة مخبية تحت ألواح الأرضية.
ومع أول خيط نور طلع من السما، فهمت الحقيقة اللي خلت الدم يهرب من وشي
مريم ما مشيتش بإرادتها.
تلات أشخاص كانوا متفقين مع بعض عشان يخلوني أصدق إنها سابت البيت بمزاجها.
وكانوا فاكرين إن سرهم مدفون ومحدش هيعرفه.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إني بدأت بالفعل أتتبع كل خيط، وكل تفصيلة، وكل كذبة...
وإني مش هرتاح غير لما أعرف مين اللي ورا اختفاء مراتي.
أول حاجة شوفتها وأنا بدخل أوضة البيبي، اللي كانت متدهونة أزرق فاتح، كانت دبلة مراتي.
ألماسة واحدة لامعة، محطوطة بعناية مرعبة في نص السرير الصغير الأبيض والفاضي.
أما الحاجة التانية...
فكانت الدم.
مش كام نقطة ناشفة.
ده كان خط طويل وغامق من الدم، ممتد على الأرض الخشب اللامعة، وكأنه اتسحب بعنف.
أثر واضح لست مرعوبة حاولت تقاوم بكل قوتها وهي بتتسحب من أوضتها في نص الليل.
ومن ورايا، سمعت صوت أمي عند باب الأوضة.
صوتها كان هادي بشكل يخوف.
هي سابتك يا ياسين.
قفلت إيدي على الدبلة بقوة، لدرجة إن طرف الألماسة غرز في إيدي.
بصيتلها وأنا بحاول أستوعب اللي بتقوله.
لأ... مريم عمرها ما تعمل كده.
قبل ست شهور، كنت سبت بيت عيلة الشهاوي الكبير في المنصورة، وسافرت عشان أحل أزمة خطيرة تخص شغل العيلة في بلد تانية.
قبل ما أطلع من البيت، كانت مراتي واقفة في الجنينة، ودموعها مالية عينيها الخضرا، وإيدها على بطنها الكبيرة.
قربت مني، وقالت بصوت واطي وسط دوشة العربية
هترجع قبل ما ابننا يتولد... مش كده؟
بصيت في عينيها، وحضنتها وبوست جبهتها.
أوعدك.
لكن مشكلة ورا مشكلة، وأزمة ورا أزمة...
والأسابيع اتحولت لشهور طويلة.
تقريبًا كل ليلة كنا بنتكلم عن طريق مكالمات فيديو مؤمنة.
كانت مريم توريني أوضة البيبي اللي خلصت تجهيزها، وتفضل تطوي في هدومه الصغيرة بحب، وتضحك كل ما الطفل يتحرك في بطنها أول ما يسمع صوتي من السماعة.
لكن خلال آخر أسبوعين...
كل حاجة اتغيرت.
بطلت تفتح الكاميرا تمامًا.
ورسائلها بقت قصيرة وباردة، وكأن شخص تاني هو اللي بيكتبها.
أنا كويسة.
ماتقلقش عليا.
ركز في شغلك.
وكل مرة كنت أقول إني راجع مصر فورًا، كانت أمي بتتصل بيا بعد دقايق قليلة من رقم خاص وتقول
هي مش كويسة أوي.
ومرة
الدكتور قال لازم تفضل في السرير وماتتحركش.
ومرة
بلاش ترجع فجأة وتوترها.
وبعدين...
مريم اختفت تمامًا.
أمي قالت إن الدكتور مديها أدوية قوية مخلياها نايمة طول اليوم.
لكن أنا ماصدقتش كلمة واحدة.
من غير ما أقول لأي حد، ركبت طيارتي الخاصة، وطلبت إننا نرجع مصر فورًا رغم الجو السيئ جدًا.
المطر كان بيخبط بعنف في سور البيت الكبير، لما العربية دخلت من البوابة.
أول ما نزلت، لقيت عم عبده، كبير الخدم اللي خدم عيلتنا أكتر من تلاتين سنة، واقف عند الباب.
وشه كان شاحب، وعينيه بتلف في المكان بخوف.
بصيتله وقلت
مراتي فين؟
قبل ما يلحق يرد، أمي نزلت السلم الكبير.
كانت لابسة بدلة بيضا شيك، ولا كأن حاجة حصلت.
بصيتلها.
مريم فين؟
ردت بمنتهى الهدوء
مشيت.
صرخت
كانت في الشهر التاسع يا أمي!
قالت
دي كانت رغبتها.
عربيتها لسه في الجراج!
حد جه خدها.
كل إجابة كانت جاهزة.
محفوظة.
كأنهم متدربين عليها من قبل.
لحد ما أمي ارتكبت غلطة واحدة...
غلطة كشفت كل حاجة.
واجهتها وقلت
إزاي الدكتور ياخد منها الموبايل عشان يمنع عنها التوتر؟
فجأة عقدت حواجبها وقالت
أنا ماقلتش لك إن أي دكتور أخد منها الموبايل يا ياسين.
ساعتها...
حسيت إن الدنيا وقفت.
إزاي بتقول إنها ماقالتش الكلام ده، وهي بنفسها أكدتهولي من تلات أيام؟
بصيتلها ثواني، وبعدها لفيت وجريت ناحية الجناح الغربي.
عم عبده وقف قدامي، وهز راسه بيأس، وحاول يمنعني من دخول المكان المقفول.
زقيته بعيد عن طريقي.
وفي آخر الممر، وقفت قدام باب حديد تقيل ماحدش فتحه من سنين.
رفعت رجلي وخبطت الباب بكل قوتي.
الباب اتفتح بعنف.
واللي شوفته جواه خلاني أحس إني دخلت سجن، مش أوضة.
الشبابيك عليها قضبان حديد سميكة.
وفي نص المكان كان فيه سرير طبي مثبت في الأرض بمسامير ضخمة.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت الحيطة.
تحت طبقة الدهان القديمة، وفي مكان شبه مخفي وسط الضلمة، كان فيه كلام محفور في الحيطة.
كلام مكتوب بأظافر مريم...
وأطراف الحروف كان عليها آثار دم.
قربت منها وأنا مش قادر أتنفس.
وقريت
لو إنت بتقرأ الرسالة دي... بالله عليك ماتصدقش أمك.
وفجأة...
سمعت صوت نفس بشري جاي من ورايا.
نفس متقطع...
ضعيف...
وكأنه لشخص بيتعذب وبيحاول يفضل عايش.
اتجمدت مكاني.
الصوت كان جاي من جوه الدولاب الخشب الكبير في آخر الأوضة.
قربت منه خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
مديت إيدي ناحية الباب...
وقبل ما أفتحه، سمعت همسة مبحوحة من الداخل
ياسين...
فتحت عيني على آخرها.
الصوت ده...
كان صوت مريم.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا الجزء الثاني
فتحت باب الدولاب بعنف.
مريم!
جسمها وقع قدامي على الأرض.
كانت مربوطة من إيديها، ووشها شاحب بشكل يخض، وشعرها مبلول وملزق في جبينها.
لكن أكتر حاجة خلت قلبي يتوقف...
كانت بطنها.
كانت لسه حامل.
حطيت إيدي تحت راسها وشيلتها بحذر.
مريم! بصيلي!
فتحت عينيها بالعافية.
وأول ما شافتني، دموعها نزلت.
كنت... عارفة إنك هترجع.
مين عمل فيكي كده؟
حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيف.
مافيش وقت...
مريم، مين؟!
مسكت إيدي بكل قوتها وهمست
أمك... مش لوحدها.
سكتُّ.
يعني إيه؟
بصت ناحية الباب بخوف.
تلاتة.
مين التلاتة؟
حاولت ترفع نفسها، لكن ألم مفاجئ خلاها تصرخ.
حطيت إيدي على كتفها.
ماتتحركيش.
قالت وهي بتلهث
ياسين... ابننا...
بصيت لبطنها.
هو كويس؟
هزت راسها، ودموعها نزلت.
لسه...
الكلمة دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
لسه إيه؟
مريم بصتلي مباشرة.
لسه جوه.
في اللحظة دي سمعت صوت خطوات في الممر.
حد كان جاي.
قربت مريم مني وهمست
لو دخلوا، قول إني فاقدة الوعي.
ليه؟
لأنهم فاكرين إني ماعرفتش الحقيقة.
حقيقة إيه؟
قبل ما ترد...
اتفتح باب الأوضة.
أمي كانت واقفة.
وراها عم عبده.
لكن الشخص التالت...
خلاني أنسى كل حاجة.
كان الدكتور اللي أمي قالت إنه بيتابع حمل مريم.
واقف بهدوء، وفي إيده شنطة طبية.
بص لمريم، وبعدين بصلي.
وقال
الحمد لله إنك لقيتها يا ياسين.
قربت منه خطوة.
إنت كنت بتعالج مراتي هنا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أيوه.
وهي كانت بتتعذب؟
اختفت ابتسامته.
مريم كانت في حالة نفسية صعبة، واضطرينا نسيطر عليها.
صرخت فيه
تسيطروا عليها؟! دي مراتي وكانت في الشهر التاسع!
أمي تدخلت بسرعة
ياسين، اهدا.
لفيت لها.
إنتي كنتي عارفة؟
سكتت.
بسألك... كنتي عارفة إن مريم محبوسة هنا؟
ما ردتش.
وقتها سمعت صوت مريم من ورايا
كانت عارفة.
أمي بصتلها بنظرة غريبة.
نظرة ماكانش فيها خوف...
كان فيها تهديد.
لكن مريم قالت جملة واحدة قلبت كل حاجة
وهي اللي طلبت منهم ياخدوا ابني مني أول ما يتولد.
سكت المكان كله.
حتى الدكتور وشه اتغير.
بصيت لأمي.
ابني؟
ابتسمت ابتسامة باردة.
إنت مصدقها؟
جاوبيني.
مريم كانت بتكدب عليك من أول يوم.
قربت منها.
ومريم كانت هتستفيد إيه لما تقول إنك عايزة تاخدي حفيدك؟
أمي ردت بمنتهى الهدوء
لأن الطفل مش حفيدك.
اتجمدت.
إيه؟
الدكتور نزل عينه للأرض.
وعم عبده بدأ يرتعش.
أما مريم...
فحطت إيدها على بطنها وقالت
ياسين... ابنك.
أمي قاطعتها
إنت ما تعرفش الحقيقة كلها.
في اللحظة دي، عم عبده صرخ لأول مرة في حياته
كفاية يا هانم!
الكل بصله.
قرب مني وقال بصوت مبحوح
أنا كنت ساكت سنين... بس مش هقدر أسكت على اللي هيحصل النهارده.
أمي صرخت
عم عبده!
لكنه ما اهتمش.
حط إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير قديم.
مدهولي.
ده مفتاح الأوضة اللي تحت الأرض.
بصيتله باستغراب.
أوضة إيه؟
قال
المكان اللي اتخبّى فيه السر الحقيقي.
سألته
سر إيه؟
بص لمريم.
وبعدين بصلي.
سر متعلق بأبوك.
قلبي دق بعنف.
أبويا مات من عشر سنين.
عم عبده هز راسه.
عارف.
أمال إيه؟
قرب مني وهمس
أبوك ماكانش بيموت يوم ما قالوا لك إنه مات.
سكت.
إنت بتقول إيه؟
رد
أبوك اختفى.
بصيت لأمي.
ولأول مرة...
شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت تكسير زجاج جاي من الدور الأرضي.
وبعده مباشرة...
صوت رجل بيصرخ
الشرطة! محدش يتحرك!
مريم مسكت إيدي بقوة.
ياسين...
بصيتلها.
قالت
الشرطة دي مش جاية تنقذنا.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف
جاية تاخدك إنت.
ثم انطلق صوت طلقة واحدة من أسفل البيت.
واتقفلت أبواب القصر كلها تلقائيًا الجزء الثالث
صوت الطلقة هزّ البيت كله.
مريم شهقت، وأنا وقفت للحظة مش عارف أتحرك.
من تحت، اتسمعت أصوات جري وصريخ، وبعدها صوت راجل بيزعق
محدش يخرج من البيت!
بصيت لعم عبده.
إنت قلت الشرطة جاية... إزاي بتقول مريم إنهم مش جايين ينقذونا؟
عم عبده بص ناحية أمي.
لأنهم مش شرطة.
أمي اتغير لون وشها.
الدكتور رجع خطوتين للخلف.
أما مريم، فشدت على إيدي وقالت
لازم نمشي من هنا دلوقتي.
بصيت لبطنها.
إنتي مش قادرة تمشي.
هقدر.
مريم، إنتي على وش ولادة!
صرخت في