بعد شهر واحد
منير قال:
— وأنت ضيعت سنين من عمر ناس كتير.
خفض عمه رأسه.
— عارف.
بعد ساعات طويلة من التحقيق، خرجنا من البيت.
داليا قالت لي:
— منى، أنا مدينة لك بحاجات كتير.
ابتسمت.
— لا. إحنا الاتنين كنا بندور على الحقيقة.
بصيت لمنير.
كان واقف بعيد شوية.
قرب وقال:
— ممكن نتكلم؟
وافقت.
مشينا بعيد عن الناس.
قال:
— أنا مش هطلب منك ترجعي.
سكت.
— ولا هقولك إن كل حاجة ممكن ترجع زي الأول.
ثم أضاف:
— بس لو في يوم قدرتي تسامحيني على السكوت، أنا هكون شاكر.
بصيت له.
— أنا مسامحاك.
ابتسم.
لكنني أكملت:
— بس الرجوع مش قرار بيتاخد في يوم.
هز رأسه.
— فاهم.
ومشيت.
بعد ثلاثة أشهر، انتهت القضية.
داليا حصلت على حقها رسميًا.
وعم منير اعترف بكل اللي حصل، وانتهت المشكلة القانونية بعد تسوية أعادت الحقوق لأصحابها.
أما أنا…
فبدأت مشروعًا صغيرًا باسمي.
وبعد فترة، وصلتني رسالة من منير.
ما كانش فيها كلام كتير.
كانت جملة واحدة:
«أنا مش مستني منك حاجة… بس لو في يوم حبيتي نبدأ من جديد، هبدأ معاكي من الصفر، ومن غير أسرار.»
قفلت الرسالة.
ما رديتش وقتها.
بعد أسبوع كامل، قابلته صدفة أمام مكتب المحامي.
وقف.
وقال:
— أخبارك؟
ابتسمت.
— أحسن.
قال:
— وأنا كمان.
سكتنا.
ثم قلت:
— يمكن إحنا ما كناش محتاجين ننهي كل حاجة.
رد:
— يمكن كنا محتاجين نفهم بعض الأول.
ابتسمت.
ولأول مرة من وقت طويل…
ما كانش بينا غضب.
ولا لوم.
ولا أسرار.
بس قرار جديد…
كان لسه محتاج وقت.
النهاية الحقيقية كانت لسه بتبدأ.في اليوم التالي، رجعنا للشركة القديمة.
المبنى كان هادي بشكل غريب.
دخلنا مكتب المدير السابق.
كان اسمه «جلال».
راجل في أواخر الخمسينات، هادي جدًا، وكلامه محسوب.
أول ما شافني، ابتسم وقال:
— منى؟ بنت محمود؟
اتوترت.
— حضرتك تعرف والدي؟
— كنت شريكه.
منير قال مباشرة:
— وإنت كنت عارف إن فيه مستندات مزورة؟
جلال اتغيرت ملامحه.
— بتتكلم عن إيه؟
طلع المحامي نسخة من التسجيل.
— عن الاعتراف اللي تركه المحاسب قبل وفاته.
جلال سكت.
ثم قال:
— التسجيل ده ناقص.
منير رد:
— الجزء الباقي معانا.
جلال بص لي.
— أبوكي كان يعرف الحقيقة.
قلت:
— وعشان كده حصل كل اللي حصل؟
قال:
— والدك رفض يبيع نصيبه في الشركة.
— وبعدين؟
— بدأ الضغط عليه.
سألته:
— مين كان بيضغط عليه؟
سكت طويلًا.
ثم قال:
— شخص أكبر مني ومن والد منير.
المحامي سأله:
— مين؟
جلال فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا.
— الشخص ده كان مستثمرًا كبيرًا، وكان عايز يشتري الشركة كلها.
فتحنا الملف.
كان فيه اسم معروف جدًا في مجال الاستثمار.
والصدمة إن الاسم نفسه ظهر في أوراق قديمة تخص والدي.
منير قال:
— يعني عمك ما كانش العقل المدبر؟
جلال هز رأسه.
— لا.
ثم نظر لي.
— لكن عم منير غلط لما خبّى الأوراق.
قلت:
— طب ليه ما بلغتش الشرطة وقتها؟
قال:
— لأن والدك طلب مني أستنى.
— ليه؟
— كان عايز يجمع كل الأدلة الأول.
سألته:
— وإيه اللي حصل؟
خفض رأسه.
— مات قبل ما يكمل.
ساد الصمت.
ثم أخرج جلال ظرفًا قديمًا.
— ده وصلني بعد وفاة والدك بأسبوع.
مده لي.
فتحته.
كان خطاب من والدي.
«جلال، لو حصل لي شيء، سلّم الملف لمنى عندما تكون مستعدة.»
إيدي ارتعشت.
قلت:
— وليه ما سلمتوش من زمان؟
قال:
— لأن منير كان لسه متجوزك، وكنت خايف إن ظهور الملف يعرضك للخطر.
بصيت لمنير.
فهمنا في نفس اللحظة إن كل واحد فيهم كان بيحاول يحمي بطريقة مختلفة.
لكن النتيجة كانت واحدة…
أنا عشت شهور وأنا فاكرة إن جوازي فشل من غير سبب.
فتحت الملف.
وجدت آخر مستند.
كان عقد بيع مبدئي للشركة.
لكن المشتري لم يكن الشخص الذي توقعناه.
كان اسم شركة مسجلة باسم مستعار.
المحامي بص في الورقة وقال:
— لازم نعرف مين صاحب الشركة دي.
جلال قال:
— أنا عارف.
رفعنا عيوننا له.
— مين؟
قال اسمًا جعل منير يتجمد.
— والد داليا.
داليا!
اتصلنا بها فورًا.
جاءت بعد ساعة.
حطينا الأوراق قدامها.
فضلت تبص لها وهي مش مستوعبة.
ثم قالت:
— بس والدي كان بيحاول يرجع حقي!
حسام، والدها، كان قد أخبرنا أنه عاش سنوات بعيدًا لحماية ابنته.
لكن الورقة كانت تشير إلى شيء آخر.
اتصلنا بحسام.
جاء بسرعة.
أول ما شاف العقد، سكت.
داليا قالت:
— بابا… قول الحقيقة.
حسام فضل ساكت.
ثم قال:
— أنا وقعت العقد ده.
شهقت داليا.
— ليه؟
قال:
— لأنني كنت أحاول أنقذ الشركة من الانهيار.
منير قال:
— لكن العقد كان هيضيع حقوق داليا!
— عارف.
— يبقى ليه عملت كده؟
حسام نظر لي.
ثم قال:
— لأن والدك كان هو الشخص الوحيد اللي عرف الحقيقة.
سألته:
— حقيقة إيه؟
قال:
— الشركة وقتها كانت مديونة بمبلغ ضخم، ولو ما تمش البيع، كانت هتنهار بالكامل.
سكت قليلًا.
— والدك رفض البيع، لأنه كان متأكد إن المستثمر بيحاول يستولي عليها بثمن قليل.
ثم أخرج ورقة أخرى.
— لكن قبل ما يموت، اكتشف حلًا.
فتح الورقة.
وكانت المفاجأة:
والدي كان قد أسس شركة جديدة باسمي.
أنا.
من غير ما أعرف.
منير بص لي.
— يعني الشركة اللي بدأتِها بعد الطلاق…
بصيت له.
— أيوه؟
قال:
— مش مجرد مشروع جديد.
المحامي أخذ الورقة وقرأها.
ثم قال:
— دي الشركة اللي والدك كان بيجهزها عشان تنقل لها الأصول السليمة قبل ما الشركة القديمة تقع.
سكت الجميع.
وفجأة فهمت.
أبي لم يتركني بلا شيء.
كان يحاول تجهيز مستقبلي قبل رحيله.
وكل الأوراق اللي ظهرت بعد سنوات كانت مجرد أجزاء من خطة واحدة.
أما آخر مفاجأة…
فكانت في أسفل الورقة.
توقيع والدي.
وتحته جملة:
«الشخص الوحيد الذي أريده أن يدير كل شيء بعدي هو ابنتي منى.»
بصيت لمنير.
قال بهدوء:
— عشان كده أبوكي كان واثق إنك هتقدري تبدأي من جديد.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
— يعني أنا طول الوقت كنت فاكرة إني خسرت حياتي…
وبعدين اكتشفت إن أبويا كان بيجهزلي حياة جديدة.
نظر لي منير وقال:
— وإنتِ هتكمليها؟
بصيت للورقة.
ثم قلت:
— آه.
— لوحدك؟
ابتسمت.
— المرة دي أنا اللي هقرر.
وسكت الجميع.
لأن لأول مرة…
ما كانش في حد بيقرر مصيري بدلًا مني.
لكن قبل ما نمشي، وصلتنا رسالة واحدة فقط على هاتف منير:
«لو عايزين تعرفوا الحقيقة الأخيرة… تعالوا المكان اللي اتدفنت فيه أول ورقة.»
والمرسل كان مجهولًا.
يتبع…عدّى شهر كامل بعد مقابلتي لمنير.
ما حصلش بينا أي كلام.
ولا اتصال.
ولا حتى رسالة.
كنت مركزة في شغلي، وبحاول أبني حياتي من جديد بعيد عن كل المشاكل القديمة.
وفي يوم، وأنا في مكتبي، دخلت نورا وهي ماسكة ظرف.
قالت:
— ده جالك من مكتب المحامي.
مسكت الظرف.
كان عليه اسمي.
فتحته.
لقيت مستندات تخص الشركة القديمة.
لكن وسط الأوراق كان فيه خطاب صغير.
فتحت الخطاب.
كان مكتوب:
«منى،
أنا عرفت إن فيه ورقة ناقصة من الملف القديم.
والورقة دي ممكن تغيّر فهمنا لكل اللي حصل.»
كان التوقيع:
منير.
اتصلت به فورًا.
رد بعد ثواني.
— أيوه؟
— إيه الورقة؟
سكت.
ثم قال:
— تعالي المكتب.
بعد ساعة كنت قاعدة قدامه.
طلع ورقة قديمة جدًا.
قال:
— دي كانت في خزنة والدك.
بصيت فيها.
كانت عبارة عن اتفاق مكتوب بين والدي ووالد منير وحسام.
قرأتها.
ثم توقفت عند جملة معينة:
«في حالة وفاة أحد الشركاء، تنتقل مسؤولية حفظ حقوق الورثة إلى الابن الأكبر من الطرف الآخر.»
رفعت عيني.
— يعني المسؤولية كانت عليك؟
— أيوه.
— وعلشان كده كنت بتحاول تحمي داليا؟
هز رأسه.
— بالضبط.
ثم أضاف:
— لكن فيه جزء أخطر.
قلب الورقة.
كان في ظهرها توقيع شخص رابع.
سألت:
— مين ده؟
قال:
— الشخص اللي كان ماسك الحسابات وقتها.
— وماله؟
— اكتشفنا إنه هو اللي بدأ عملية التزوير.
قلت:
— فين دلوقتي؟
منير بص لي.
— مات من سنين.
ارتحت قليلًا.
لكن منير أكمل:
— قبل موته، سلّم نسخة من اعترافه لشخص واحد.
— مين؟
— والدك.
سكت.
قلت:
— يعني الاعتراف موجود؟
— أيوه.
— فين؟
قال:
— دي المشكلة.
لأن والدك اختفى قبل ما يسلمه للشرطة.
وقتها بدأت أفكر.
والدي لم يكن يترك شيئًا مهمًا دون سبب.
افتكرت صندوقه القديم.
وافتكرت جملة كان بيكررها لي وأنا صغيرة:
«الحاجة المهمة عمرها ما بتتحط في المكان اللي الناس بتدور فيه.»
قفزت من الكرسي.
— أنا عارفة مكانه.
منير وقف.
— فين؟
قلت:
— في بيتنا القديم.
رجعنا للبيت.
دخلت غرفة والدي.
بصيت للمكتبة.
وبعدين للساعة القديمة المعلقة على الحائط.
شلت الساعة من مكانها.
كان خلفها تجويف صغير.
مديت إيدي.
ولقيت صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحناه.
كان بداخله جهاز تسجيل قديم.
وشريط صغير.
منير قال:
— ده ممكن يكون اعتراف الشخص اللي كنا بندور عليه.
أخذنا الجهاز للمحامي.
وبعد تشغيل الشريط، خرج صوت رجل قديم ومتعب:
«أنا اللي زورت الأوراق… وأنا اللي أخفيت الحقيقة.»
سكتنا.
ثم أكمل الصوت:
«لكن اللي محدش يعرفه إن التزوير ما كانش عشان أسرق داليا وحدها.»
بصيت لمنير.
الصوت أكمل:
«كان الهدف إن الشركة كلها تقع، ويتباع أصلها بثمن قليل… وبعدها يتم الاستحواذ عليها من شخص آخر.»
المحامي وقف التسجيل.
قال:
— لازم نعرف مين الشخص اللي كان هيشتري الشركة.
فتحنا باقي الملف.
وكان هناك اسم واحد.
اسم لم نتوقعه إطلاقًا.
اسم الشخص الذي كان يدير الشركة بعد وفاة والد منير.
لكن المفاجأة الأكبر…
إن الشخص ده كان لسه عايش.
ولسه بيشتغل في نفس المبنى.
والأغرب…
إنه كان أول واحد حضر فرح منير وداليا.
بصيت لمنير.
وقلت:
— يعني كل اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد بداية؟
رد بهدوء:
— أيوه.
ثم نظر إلى الشريط وقال:
— ولسه عندنا آخر سر.
مين كان العقل الحقيقي وراء كل اللي حصل؟
وهل كان طلاق منى ومنير مجرد صدفة…
ولا كان جزءًا من خطة بدأت قبل جوازهم بسنين؟
يتبع…قرأنا الرسالة مرة واتنين.
«لو عايزين تعرفوا الحقيقة الأخيرة… تعالوا المكان اللي اتدفنت فيه أول ورقة.»
المحامي قال:
— لازم نعرف الرسالة جاية من مين قبل ما نروح أي مكان.
لكن جلال كان ساكت.
بصيت له.
— حضرتك تعرف المكان؟
اتنهد وقال:
— أيوه.
منير سأله:
— فين؟
قال:
— المقابر القديمة اللي اتدفن فيها والد منير.
سكتنا جميعًا.
بعد ساعة كنا واقفين هناك.
المكان كان هادي، والليل بدأ ينزل.
جلال أشار إلى قبر قديم قريب من قبر والد منير.
— هنا.
سألته:
— هنا إيه؟
قال:
— أول مستند في القضية اتدفن هنا.
استغربت.
— مستند اتدفن؟
— أيوه. والد منير طلب مني أخفيه، لأنه كان خايف حد يسرقه.
بدأنا نفتش في المكان المحدد.
وبعد دقائق، وجدنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
منير فتحه.
كان جواه ظرف قديم.
لكن المفاجأة إن الظرف كان مفتوحًا بالفعل.
وفيه ورقة واحدة فقط.
قرأها المحامي:
«لو وصلتوا للورقة دي، يبقى الخطة نجحت.»
بصينا لبعض.
كمل:
«أنا محمود، والد منى، كتبت الورقة دي قبل وفاتي.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«كنت عارف إن الشركة هتتعرض لمحاولة استيلاء، وعرفت إن بعض الأشخاص هيحاولوا استخدام الديون والمستندات المزورة لإجبارنا على البيع.»
ثم جاء السطر اللي خلاني أسكت تمامًا:
«لكن المشكلة لم تكن في الشركة وحدها.»
قلب المحامي الورقة.
«المشكلة كانت إن منى نفسها أصبحت هدفًا، لأن ملكية بعض الأصول كانت ستنتقل إليها بعد بلوغها السن القانوني.»
اتصدمت.
يعني أنا كنت جزءًا من الموضوع من البداية.
كمل المحامي:
«ولهذا طلبت منير أن يبعد عنها كل ما يتعلق بالقضية، حتى لو اضطر لاتخاذ قرار يؤلمها.»
بصيت لمنير.
قال بصوت منخفض:
— أنا نفذت وصية والدك… لكن غلطت في الطريقة.
كملت القراءة.
«أما الشخص الذي أرسل الرسالة الأخيرة، فهو الشخص الوحيد الذي يعرف مكان المستند الأخير.»
سألنا جلال:
— مين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوتًا من خلفنا.
— أنا.
لفينا كلنا.
كان رجل كبير في السن واقف بعيد.
منير عرفه فورًا.
— أستاذ سامح؟