قائد الطيارة كان لسه معلن
قائد الطيارة كان لسه معلن قدام 187 راكب إن مفيش أمل وإننا كلنا هنموت خلال دقايق... لما فجأة فكّيت حزام الأمان وقومت من مكاني.
صوته كان بيرتعش وهو بيقول في السماعات
يا جماعة... الطيارة خرجت عن السيطرة. استعدوا للاصطدام.
في اللحظة دي، الصريخ ملّى الطيارة.
ناس بتعيط.
وناس بتتصل بأهلها.
وأمهات ضامّة أولادها وهي منهارة.
لكن محدش فيهم كان يعرف السر اللي مخبياه طول السنين دي...
ولا كان يتخيل إن الست اللي قاعدة بهدوء في الكرسي رقم 14 هتبقى آخر أمل ليهم.
اسمي نادية المنصوري.
وعندي 58 سنة.
ولو حد بصلي وقتها، كان هيشوف ست عادية جدًا.
بنطلون جينز قديم.
حذاء مهلوك من كتر الشغل.
وآثار حروق واضحة على إيديا.
لكن من أكتر من 30 سنة...
كنت واحدة من أشهر طياري الاختبارات في القوات الجوية المصرية.
وكان ليّ اسم محدش بيناديني بيه غير هناك...
الصقر.
في الزمن ده كنت بقود طيارات تجريبية خطيرة، وأتعامل مع أعطال الطيارين التانيين كانوا بيتدربوا على الهروب منها.
وفي مرة قدرت أنزل طيارة فقدت أنظمة التحكم بالكامل باستخدام قوة المحركات بس.
ومن يومها بقى اسمي معروف وسط كل الطيارين.
لكن المجد ده ما استمرش.
لأن كارثة واحدة قلبت حياتي كلها.
كارثة خلتني أخسر شغلي وسمعتي وحتى بنتي الوحيدة.
ومن يومها قررت أبعد عن الطيران للأبد.
لكن القدر كان مخبي حاجة تانية.
بعد أكتر من 15 سنة قطيعة...
وصلتني رسالة من بنتي ريم.
كانت أول رسالة منها من سنين.
دعوة فرح.
كانت عايزاني أحضر فرحها في الإسكندرية.
ولأول مرة حسيت إن باب اتقفل من زمان ممكن يتفتح تاني.
جمعت كل فلوسي.
وحجزت أرخص تذكرة لرحلة داخلية متجهة للإسكندرية.
ماكنتش أعرف إن الرحلة دي هتتحول لكابوس.
في البداية كان كل شيء طبيعي.
المضيفات بيقدموا المشروبات.
الركاب بيتفرجوا على موبايلاتهم.
والأطفال نايمين.
لكن بعد أقل من ساعة...
بدأت الطيارة تهتز بشكل غريب.
في قمرة القيادة...
المؤشرات كانت بتنزل واحدة ورا التانية.
أنظمة التحكم الرئيسية بتتعطل.
إنذار ورا إنذار.
والطيار الكابتن شريف عزت حاول يسيطر على الطيارة.
لف الدركسيون.
شدّه.
ضغط عليه.
لكن مفيش أي استجابة.
ولا حاجة.
الطيارة بدأت تميل ناحية اليمين.
10 درجات.
20 درجة.
30 درجة.
وكل ثانية الوضع كان بيسوء.
لحد ما بقى الصراخ في كل مكان.
وفجأة اشتغلت السماعات وفجأة اشتغلت السماعات.
وصوت الكابتن شريف عزت خرج متقطع، وكأنه بيحاول يخبي الرعب اللي في صوته
يا جماعة... من فضلكم حافظوا على هدوئكم.
لكن محدش هدي.
لأن الطيارة كانت بتهتز بعنف لدرجة إن الشنط وقعت من الرفوف.
صرخة طلعت من آخر الطيارة.
وبعدها صوت طفل بيعيط
ماما... أنا خايف!
أمه ضمته لصدرها وهي بتقول وهي بتبكي
متخافش يا حبيبي... أنا معاكي.
لكن حتى هي ما كانتش مصدقة كلامها.
أنا كنت قاعدة في الكرسي 14A.
ساكتة.
ببص من الشباك.
السماء برّه كانت مليانة سحب سودا، والطيارة بتغوص تدريجيًا.
فجأة سمعت الكابتن بيقول
عندنا عطل كامل في أنظمة التحكم... حاولنا كل الإجراءات، لكن الطائرة مش بتستجيب.
سكت ثانيتين.
الثانيتين دول كانوا أطول من عمري كله.
وبعدين قال
للأسف... مفيش أمل كبير.
الطيارة كلها انفجرت في الصريخ.
راجل قام من مكانه
يعني إيه مفيش أمل؟!
مضيفة حاولت ترجعه
من فضلك اقعد واربط الحزام!
لكن الطيارة مالت فجأة، والراجل وقع على الأرض.
واحدة بدأت تقرأ الشهادة.
راجل تاني فتح موبايله وبدأ يسجل رسالة صوتية لابنه.
وأنا؟
كنت ببص على لوحة العدادات الصغيرة اللي قدامي.
مش على الطيارة نفسها...
على طريقة حركتها.
الميل.
سرعة النزول.
صوت المحركات.
وبعدين لاحظت حاجة.
حاجة محدش غيري تقريبًا كان ممكن يلاحظها.
قلت لنفسي بهدوء
ده مش عطل كامل.
قلبي بدأ يدق أسرع.
لأن حركة الطيارة كانت مألوفة بشكل مرعب.
شوفتها قبل كده.
من أكتر من 30 سنة.
في طيارة اختبار.
وفي ظروف أسوأ من دي.
رفعت عيني على المضيفة الواقفة قدامي وقلت
لو سمحتي... عايزة أكلم الكابتن.
بصتلي باستغراب.
حضرتك؟
أيوه.
الكابتن مشغول جدًا.
قولي له إن فيه راكبة عندها خبرة طيران اختبار.
وشها اتغير.
حضرتك طيارة؟
قبل ما أرد، الطيارة اهتزت بعنف تاني.
اتخبطت في الكرسي قدامي، لكني مسكت طرف المقعد وثبت نفسي.
وبصيت للمضيفة وقلت
بسرعة.
بعد أقل من دقيقة، السماعة الداخلية اشتغلت.
وصوت الكابتن جه
مين الراكبة اللي طلبت تتكلم معايا؟
مسكت السماعة.
وقلت
نادية المنصوري.
سكت.
وبعدين سمعته بيقول
حضرتك عندك خبرة طيران؟
قلت
مش مجرد خبرة.
أمال إيه؟
بصيت للركاب اللي حواليا.
وبعدين قلت الجملة اللي خلت الكابتن يسكت تمامًا
أنا طيارة اختبار عسكرية متقاعدة.
ثواني صمت.
وبعدين صوته خرج مرتبك
اسم حضرتك كامل؟
نادية المنصوري.
المرة دي الصمت كان أطول.
وفجأة قال
الصقر؟
اتجمدت.
لأن الاسم ده ما سمعتهوش من حد غريب من سنين.
قلت
مين قالك الاسم ده؟
قال بسرعة
والدي كان بيحكيلي عن حضرتك.
سكت لحظة.
ثم قال
بس أنا مش فاهم... حضرتك عايزة تعملي إيه؟
بصيت ناحية الشباك.
الطيارة كانت بتغوص أكتر.
وقلت
عايزة تدخلني قمرة القيادة.
مستحيل.
لو فضلت لوحدك هناك، خلال دقائق مش هيبقى عندك طيارة تتحكم فيها.
حضرتك مش فاهمة...
قاطعته
لأ، أنا فاهمة بالضبط.
وبصيت على مؤشر صغير كان بيرتعش قدامي.
ثم قلت
المشكلة مش إن الطيارة فقدت السيطرة.
سكت.
قلت
المشكلة إنك بتحاول تتحكم فيها بالطريقة الغلط.
سمعته بياخد نفس طويل.
وإنتِ عرفتي منين؟
ابتسمت لأول مرة من بداية الرحلة.
وقلت
لأن العطل ده... شفته بعيني من سنة 1991.
لكن قبل ما أكمل...
جاء صوت إنذار حاد من السماعات.
الكابتن صرخ
فقدنا المحرك الأيسر!
والطيارة بدأت تسقط.
المضيفة مسكت الكرسي وهي بتصرخ.
وأنا فكيت حزام الأمان.
وقفت.
صرخت المضيفة
حضرتك رايحة فين؟!
بصيت لها وقلت
قمرة القيادة.
لا! ممنوع!
رديت بهدوء
لو دخلت دلوقتي، ممكن نعيش.
ولو ما دخلتيش؟
بصيت في عينيها.
مش هنكمل خمس دقايق.
وسبت الكرسي.
ومشيت ناحية قمرة القيادة...
بينما 187 راكب كانوا فاكرين إنهم بيعيشوا آخر لحظات حياتهم.
لكن محدش كان يعرف...
إن أخطر قرار في الرحلة كلها...
كان لسه قدامي مسكت عصا التحكم بكلتا إيديا.
لأول مرة من أكتر من 15 سنة...
رجعت أحس بنفس الإحساس اللي كنت بدفنه جوايا.
صوت المحركات.
اهتزاز جسم الطيارة.
رائحة الوقود.
وذلك الخوف القديم...
الخوف اللي كنت فاكرة إني انتصرت عليه.
الكابتن شريف قال
نادية، القاهرة بعيدة.
بصيت على الشاشة.
عارفة.
والوقود مش هيكفّي.
عارفة.
يبقى إيه خطتك؟
بصيت له.
نوصل قبل ما يخلص.
الطيار المساعد قال
لكن لو فضلنا على الارتفاع ده، المحركين هيقفوا.
قلت
مش هنفضل عليه.
وبدأت أخفض الطائرة تدريجيًا.
الارتفاع نزل.
السرعة زادت.
لكن الطائرة بدأت تستجيب.
الكابتن كان بيراقبني بصمت.
وبعد ثواني قال
إنتِ لسه فاكرة كل ده؟
قلت
أنا ما نسيتش الطيران.
سكت لحظة.
أنا بس كنت بحاول أنسى نفسي.
وفجأة...
سمعنا صوتًا من السماعة.
نفس الصوت.
نادية...
مسكت السماعة.
اتكلم.
قال
لسه عندك فرصة.
فرصة لإيه؟
ترجعي الطيارة.
وإنت تسيب ريم؟
ضحك.
إنتِ لسه فاكرة إن الموضوع عن بنتك؟
قلبي اتقبض.
إنت عايز إيه؟
قال
عايزك توصلي الطيارة لمكان معين.
فين؟
هتعرفي لما توصلي.
قفلت السماعة.
الكابتن بصلي.
مين ده؟
قلت
شخص كان المفروض يكون في السجن من سنين.
قال
وإيه علاقته ببنتك؟
بصيت له.
دي الحاجة اللي لازم أعرفها.
فجأة الطيار المساعد صرخ
المحرك الأيسر فقد الدفع!
الطيارة اهتزت.
المؤشر نزل للصفر.
الكابتن قال
خلاص!
قلت
لسه.
إزاي؟
عندنا محرك تاني.
وبدأت أستخدم قوة المحرك الأيمن لتصحيح اتجاه الطائرة.
لكن المشكلة كانت إن القاهرة لسه بعيدة.
والمؤشر الخاص بالوقود كان بيهبط بسرعة.
10 دقائق.
ثم 8.
ثم 6.
الكابتن قال
الوقود مش هيكفينا أكتر من خمس دقايق.
بصيت من الشباك.
الأرض بدأت تظهر تحتنا.
لكن مفيش مطار.
مفيش طريق واضح.
مفيش أي مكان مناسب للهبوط.
ثم فجأة...
شفت حاجة.
مدرج.
قديم.
مهجور.
ومغطى جزئيًا بالرمال.
صرخت
هناك!
الكابتن بص.
ده مطار مهجور!
قلت
عارفة.
ده مش شغال من سنين!
مش محتاجاه يكون شغال.
المدرج قصير جدًا!
بصيت له.
يبقى لازم ما نغلطش.
بدأت أنزل الطائرة.
السرعة كانت عالية.
الوقود قرب يخلص.
والمدرج بيقرب.
الكابتن قال
نادية...
إيه؟
لو فشلنا...
قاطعته
مش هتفشل.
لكن في داخلي...
كنت عارفة