نامي بجانبي الليلة حكايات ميراا
لبعض.
قال عمر
لازم نعرف مين بيتصل.
زحف بسرعة وسط الرصاص، وخطف الهاتف، ورجع.
كان المتصل مكتوب عنده
المدير.
رد عمر من غير ما يتكلم.
جاء صوت رجل كبير في السن
شريف... خلصت المهمة؟
فضل عمر ساكت.
أكمل الرجل
البنت لازم ما تعرفش الحقيقة. لو عرفت، العملية اللي استمرت خمسة وعشرين سنة هتنهار.
اتجمد الدم في عروقي.
الراجل كمل
خلصوا منها... وبعدها تخلصوا من عمر.
أغلق عمر الخط ببطء.
وبصلي لأول مرة بعينين مليانين صدمة.
همس
إحنا الاتنين... كنا مجرد بيادق.
في اللحظة دي، سمعنا صوت مروحية بيقرب بسرعة.
رفعنا رأسنا.
مروحية سوداء بدأت تهبط فوق التل المقابل.
فتح بابها...
ونزل منها رجل ببدلة رمادية.
أول ما شفته، حسيت إني أعرف ملامحه.
قرب مني، وابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
واضح إنهم ما قالولكيش الحقيقة كلها.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت الصورة لوالدتي...
واقفة بجوار نفس الرجل، لكن وهو أصغر بعشرين سنة.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال
أنا والدك.
وقبل أن أنطق بحرف واحد...
أخرج بطاقة هوية قديمة، ووضعها في يدي.
الاسم المكتوب عليها كان نفس الاسم الذي ظللت أبكيه طوال حياتي...
اسم الرجل الذي كنت أعتقد أنه مات قبل خمسة وعشرين عامًا تجمدت في مكاني.
إيدي كانت بتترعش وأنا ببص لبطاقة الهوية.
رفعت عيني ناحيته، وقلت بصوت مبحوح
إنت... لو أبويا... يبقى مين الراجل اللي رباني؟
ابتسم بحزن.
وقال
أعظم راجل قابلته في حياتي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
يعني... هو ماكانش أبويا؟
هز رأسه بالنفي.
كان أكتر من أب.
ثم تنهد وقال
لما عرفوا إنهم هيقتلوني، طلبت من أقرب صاحب ليا ياخدك ويهرب بيكي. وافق... ورباكي كأنك بنته، ودفع عمره كله علشان يحافظ على السر.
قلت وأنا ببكي
بس... قالولي إنه مات.
رد بهدوء
لأنهم كانوا لازم يخلوا العالم كله يصدق إني مت.
في اللحظة دي، قاطعه عمر بعصبية.
كفاية.
بص له الرجل وقال
أنت لسه شايف إني غلطان؟
رد عمر بغضب
غلطك الوحيد إنك سبت بنتك خمسة وعشرين سنة.
ساد الصمت.
ثم اقترب الرجل مني ببطء.
وقال
كل يوم كنت بتابع أخبارك.
كنت موجود يوم تخرجك.
ويوم اشتغلتي في المستشفى.
وحتى يوم أول مرتب قبضتيه.
اتسعت عيناي.
إنت كنت بتراقبني؟
قال بحزن
كنت بحرسك.
قبل أن أستوعب كلامه...
سمعنا صفارات سيارات من كل الاتجاهات.
خلال ثوانٍ، أضاءت عشرات الكشافات المكان.
وأحاطت قوات خاصة بالمنارة من كل جانب.
رفع الجميع أسلحتهم.
خرج ضابط من إحدى العربات، وأمسك بمكبر صوت، ثم قال
ارموا السلاح فورًا!
بص عمر للرجل الذي قال إنه والدي، ثم همس
دي مش قوات جاية تقبض علينا...
دي جاية تقبض عليه هو.
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة، ورفع يديه ببطء.
لكن قبل أن يتحرك أي شخص...
انفجرت سيارة الشرطة الأولى انفجارًا هائلًا.
وتحول الليل في ثانية واحدة إلى فوضى كاملة، بينما ظهر على شاشة هاتف عمر إشعار برسالة قصيرة
اللعبة بدأت... والمرة دي، مفيش حد هيخرج منها حي غطى دخان الانفجار المكان كله.
أصوات صراخ، ورصاص، وصفارات إنذار اختلطت ببعض.
مسكني عمر من إيدي بقوة وقال
اركضي... ومهما حصل ماتسيبيش إيدي.
جرينا بين الأشجار لحد ما وصلنا لعربية سوداء كانت مستخبية خلف التل.
ركبنا بسرعة، وانطلق السائق قبل حتى ما نقفل الأبواب.
فضل عمر يبص من الإزاز الخلفي.
بعد خمس دقايق، قال بهدوء
هما ماكانوش عايزين يقتلونا.
بصيتله باستغراب.
أمال كانوا عايزين إيه؟
أخرج الرسالة اللي وصلته على الموبايل، ووراهالي.
كان مكتوب فيها
اتبعوا الخطة... خلوا عمر يهرب.
قطبت حاجبي.
يعني الهجوم كان متدبر؟
هز رأسه.
حد بيلعب بينا... وبيحركنا زي قطع الشطرنج.
سكت لحظة، ثم قال للسائق
روح للمخزن رقم 17.
بعد حوالي ساعة وصلنا لميناء قديم.
المخزن كان مهجور من بره، لكن أول ما الباب اتفتح، لقيت المكان مليان شاشات مراقبة وخرائط وصور.
وفي منتصف الحائط...
كانت فيه لوحة كبيرة عليها عشرات الصور.
صورة عمر.
وصورتي.
وصورة يوسف.
وصورة الراجل اللي قال إنه أبويا.
وصورة الجد.
وكل صورة متوصلة بخيوط حمرا.
قربت وأنا مش فاهمة.
لكن عيني وقعت على صورة في آخر اللوحة.
شهقت.
الصورة كانت ليا...
لكنها متصورة من أسبوع.
وأنا قاعدة لوحدي في كافيه.
قلت بخوف
مين اللي صورني؟
رد عمر وهو بينزع صورة صغيرة من على اللوحة
اللي صورك... كان قريب منك جدًا.
ناولني الصورة.
أول ما بصيت فيها، حسيت إن قلبي وقف.
في انعكاس زجاج الكافيه...
كان ظاهر شخص واقف ورايا.
مش غريب...
كان كريم... مدير المطعم اللي كنت بشتغل فيه.
ابتلعت ريقي.
مستحيل...
قال عمر بصوت هادئ
من أول يوم قابلتك... انتي ماكنتيش مجرد نادلة.
إنتِ كنتِ تحت المراقبة... من سنين.
وفي اللحظة نفسها، اشتغلت واحدة من شاشات المراقبة لوحدها.
ظهر عليها كريم، وهو قاعد في مكان مظلم، بيبص مباشرة للكاميرا، وقال بابتسامة باردة
لو بتشوفوا الرسالة دي... يبقى وصلتوا للمخزن.
ثم انحنى للأمام، وأكمل
وأخيرًا... جه الوقت تعرفوا مين أنا بجد.