نامي بجانبي الليلة حكايات ميراا

لمحة نيوز

اللي كان بيدخل مكتبه من غير استئذان.
قال عمر بصوت ثابت
هاتوه... بس حي.
بعد أقل من نص ساعة، دخل سامي الغرفة وهو مكبل الإيدين.
أول ما شاف عمر، صرخ
والله يا باشا أنا متخنتكش!
لكن عمر ما ردش.
فضل باصص له ثواني طويلة، وبعدها سأل سؤال واحد
مين عرف إن البنت هنا؟
سامي سكت.
كرر عمر السؤال.
وبرضه سكت.
فجأة، رن هاتفي.
بصيت للشاشة... الرقم كان مجهول.
بمجرد ما رديت، سمعت صوت راجل غريب بيضحك.
قال
لو عايزة تفضلي عايشة... ابعدي عن عمر المنصوري.
اتجمد الدم في عروقي.
وقبل ما أقفل، قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
إحنا مش بندور على عمر... إحنا بندور عليكي إنتِ.
بصيت لعمر وأنا مرعوبة.
أول ما شاف ملامحي، أخد الهاتف من إيدي.
المتصل ضحك وقال
واضح إنها وصلتلك.
رد عمر لأول مرة بعصبية
لو شعرة منها وقعت... هقلب البلد عليكم.
لكن الرجل رد بهدوء
فات الأوان... بص وراك.
في اللحظة نفسها، انطفأت كل شاشات المراقبة داخل الغرفة.
وانفتح الباب الحديدي ببطء...
ودخل شخص ملثم، رافعًا سلاحه مباشرة نحوي، وقال
هي دي... خدوها قبل ما الملثم يلحق يضغط على الزناد، اندفع عمر قدامي من غير لحظة تردد.
دوّى صوت الرصاصة...
لكنها استقرت في كتفه.
صرخت وأنا بشوف الدم بينزل على قميصه، لكنه حتى ما بصش على إصابته.
كان كل تركيزه عليّ.
في ثوانٍ، اشتبك الحراس مع المهاجمين، وتحولت الغرفة لصوت رصاص وصراخ.
شدني عمر من إيدي، وفتح ممرًا سريًا في آخر الغرفة.
قال وهو بيتنفس بصعوبة
يلا... بسرعة.
جرينا في ممر ضيق تحت الأرض لحد ما وصلنا لباب حديد قديم.
خرجنا منه إلى مخزن مهجور بعيد عن الفيلا.
أول ما اتأكد إن مفيش حد لحقنا، سند ضهره على الحائط، وأغمض عينيه من شدة الألم.
قلت وأنا بقطع جزءًا من طرحي لأضغط على الجرح
لازم نروح مستشفى.
ابتسم رغم وجعه وقال
أول مكان هيدوروا فيه هو المستشفى.
وأثناء ما كنت بربط الجرح، وقع من جيبه شيء صغير.
التقطته...
كانت صورة قديمة لطفلة عمرها حوالي خمس سنين.
خلف الصورة مكتوب بخط اليد
ليان... سامحيني.
رفعت عيني ناحيته وسألته
مين دي؟
سكت طويلًا، ثم قال بصوت مكسور لأول مرة
بنتي.
شهقت من الصدمة.
كل المدينة كانت مقتنعة إن عمر المنصوري ما اتجوزش أبدًا... وإنه معندوش أي عيلة.
همست
يعني... بنتك عايشة؟
أغمض عينيه وقال
لو كانت عايشة... كان عمرها دلوقتي عشر سنين.
سكت لحظة، ثم أكمل
اختفت من خمس سنين... في نفس الليلة اللي اتقتلت فيها أمها.
شعرت بقشعريرة في جسمي.
سألته
ومين اللي خطفها؟
رفع رأسه، ونظر مباشرة في عيني، وقال
الشخص اللي بيطاردنا من أول الليلة...
وقبل أن يكمل كلامه، وصل هاتفه إشعار بصورة جديدة.
فتحها...
فتغير لون وجهه بالكامل.
مدّ الهاتف نحوي.
كانت الصورة لطفلة صغيرة، مربوطة على كرسي.
وتحتها رسالة قصيرة
لو عايز تشوف بنتك عايشة... هات البنت اللي معاك قبل شروق الشمس حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بصيت لعمر، ولأول مرة شفته عاجز.
ما كانش خايف على نفسه...
كان خايف على بنته.
قبض على الهاتف بقوة لدرجة إن شاشته اتشرخت، لكنه حاول يتمالك أعصابه.
همس
دي مش صورة جديدة...
بصيتله باستغراب.
قال وهو بيكبر الصورة
بصي للساعة اللي وراها... الصورة دي متصورة من أسبوع.
تنفست الصعداء للحظة، لكن عمر أكمل
وده معناه إنهم كانوا بيراقبوكي قبل ما تعرفيني.
تجمدت في مكاني.
إزاي؟ أنا عمري ما شفتهم.
رد بهدوء
هما شافوكي... من غير ما تحسي.
وفجأة افتكرت حاجة.
من حوالي أسبوع، وأنا خارجة من المستشفى، حسيت إن عربية سودا ماشية ورايا. افتكرتها صدفة، ولما دخلت الشارع اللي فيه بيتي اختفت.
قلت لعمر كل اللي حصل.
ملامحه اتغيرت فورًا.
يبقى هما اختاروكي من قبل الليلة دي.
بس ليه أنا؟
قبل ما يرد، فتح الظرف البني لأول مرة.
أخرج منه ملفًا قديمًا وصورة باهتة.
ناولني الصورة.
أول ما بصيت فيها، حسيت إن قلبي وقف.
كانت صورة لأمي...
واقفة جنب راجل أنا معرفوش.
وفي حضنها... طفلة صغيرة.
الطفلة دي كانت أنا.
بصيت لعمر وأنا مش فاهمة.
قال بصوت منخفض
الراجل اللي واقف جنب والدتك... هو أبويا.
شهقت بقوة.
إيه؟!
هز رأسه وقال
أبوك كان المحاسب الخاص بإمبراطورية والدي... ووالدتك كانت الممرضة اللي أنقذت حياة أبويا بعد الانفجار.
كل اللي كنت أعرفه عن حياتي بدأ ينهار.
سألته وأنا بصعوبة بقدر أتكلم
يعني... أنا أعرفكم من زمان؟
رد
لأ... لكن أهلنا كانوا يعرفوا بعض.
سكت لحظة، ثم قال الجملة اللي قلبت حياتي كلها
وأبوك... ما ماتش في حادثة زي ما كنتي فاكرة.
حبست أنفاسي.
أمال مات إزاي؟
نظر إليّ بحزن شديد وقال
اتقتل... لأنه رفض يسلم مكان بنت صغيرة كانوا بيدوروا عليها.
همست
مين البنت دي؟
اقترب مني خطوة واحدة فقط...
وقال
إنتِ.رجعت خطوة لورا، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
أنا؟! مستحيل... إنت أكيد غلطان.
هز عمر رأسه بهدوء، وفتح الملف القديم.
طلع منه شهادة ميلاد، وصور، وخطابات صفراء أكل الزمن أطرافها.
ناولني أول ورقة.
بصيت فيها... ووقعت من إيدي.
الاسم المكتوب كان اسمي.
لكن تاريخ الميلاد... مختلف.
همست وأنا بترعش
دي مش شهادتي.
قال
لأن الشهادة اللي معاكي مزورة.
حسيت إن الدنيا اسودّت قدامي.
إزاي؟!
تنهد وقال
لما والدك عرف إن العصابة بتدور عليكي، غيّر اسمك، واستخرجلك أوراق جديدة، وخبّى أي دليل يوصّلهم ليكي.
سألته بارتباك
بس... ليه كانوا بيدوروا عليّ أنا؟
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت عربية وقفت قدام المخزن.
بعدها بثواني...
ضوء كشاف قوي دخل من شقوق الباب.
همس عمر
لقونا.
في أقل من ثانية، طفى كل الأنوار، ومسكني من إيدي.
مهما تسمعي... متطلعيش من ورايا.
انفجر باب المخزن، ودخل رجال ملثمين.
بدأ إطلاق النار من كل اتجاه.
الحراس ردوا عليهم، والمكان اتحول لساحة معركة.
وسط الدخان، سمعت صوت واحد من المهاجمين بيصرخ
البنت لازم تخرج عايشة... الباشا عايزها بنفسه!
تجمدت.
يعني هما فعلًا مش جايين يقتلوني...
هما جايين ياخدوني.
شدني عمر ناحية باب خلفي.
لكن قبل ما نخرج، وقف قدامنا رجل طويل، لابس بدلة سودا، ومن غير قناع.
ابتسم وهو بيبص لعمر.
وقال
بقالنا عشر سنين بنلعب اللعبة دي.
رفع عمر مسدسه، لكنه خفضه فجأة.
عرفت من نظرة عينيه إنه يعرف الراجل.
همست
مين ده؟
رد بصوت مليان غضب
أخويا.
شهقت.
الرجل ابتسم أكتر وقال
واضح إنك لسه ما قلتلهاش الحقيقة كلها.
ثم بص إليّ مباشرة، وقال الجملة التي شلت تفكيري بالكامل
أنا مش عايز أؤذيكي... لأنك في الحقيقة، مش مجرد بنت أنقذها أبوها...
سكت لحظة، ثم أكمل
إنتِ الوريثة الشرعية لكل ثروة المنصوري... ولو عمر فضل عايش، عمرِك ما هتعرفي الحقيقة اتجمدت في مكاني.
بصيت لعمر، مستنية منه يقول إن الراجل ده كداب.
لكنه ما اتكلمش.
كان باصص لأخوه بعينين مليانين غضب... وسكوتُه كان أخطر من أي اعتراف.
صرخت
حد يفهمني! إزاي أبقى وريثة عيلة المنصوري وأنا حتى معرفكش غير من كام يوم؟!
ابتسم أخوه وقال
لأنك طول عمرك عايشة باسم مش اسمك.
رفع ملفًا صغيرًا ورماه قدامي.
فتحته بإيدين بترتعش.
في أول صفحة كانت صورة لست شابة، جميلة جدًا... كانت شبهي بشكل مخيف.
همست
دي... مين؟
قال
دي أمك الحقيقية.
شهقت.
مستحيل... أمي عايشة!
رد بهدوء
الست اللي ربتك تبقى خالتك، مش والدتك.
لفيت بسرعة ناحية عمر.
كانت عينيه مليانة حزن.
وبهدوء شديد قال
الكلام ده... حقيقي.
حسيت إن نفسي اتقطع.
كل ذكرياتي، طفولتي، حياتي... فجأة بقيت مش عارفة أي حاجة فيها كانت حقيقة.
قلت وأنا ببكي
ليه؟ ليه خبيتوا عني كل ده؟
اقترب عمر خطوة وقال
لأن أبوكي الحقيقي مات وهو بيدافع عنك... وآخر وصية ليه كانت إنك تعيشي حياة عادية، بعيد عن اسم المنصوري، وبعيد عن الدم.
قاطعه أخوه وهو بيضحك بسخرية
قولها الحقيقة كاملة.
سكت عمر.
ثم قال بصوت منخفض
أبوك... ماكانش مجرد شريك لوالدي.
بلع ريقه بصعوبة.
كان أخويا.
بصيت له بعدم استيعاب.
كمل
إنتِ بنت أخويا.
سقط الملف من إيدي.
كل حاجة بقت أوضح...
سبب اهتمامه بيا.
سبب إنه خاطر بحياته عشاني.
وسبب إنه قال من أول يوم إن وجودي معاه مش صدفة.
لكن قبل ما أستوعب الصدمة...
خرج صوت تصفيق من آخر المخزن.
لفينا كلنا.
كان راجل مسن، شعره
تم نسخ الرابط