نامي بجانبي الليلة حكايات ميراا

لمحة نيوز

أبيض، داخل وحوله عشرات الحراس.
ابتسم وقال
أخيرًا... العيلة كلها اتجمعت.
اتسعت عينا عمر، وهمس بصوت لم أسمعه منه من قبل
جدي...!
ابتسم الرجل العجوز، ثم نظر إليّ مباشرة وقال
بنتي... كنت مستني اللحظة دي من خمسة وعشرين سنة.
وانتهى كلامه بجملة جعلت الجميع يلتفت نحوه في صدمة
أنا اللي أمرت باختفاءك... وأنا الوحيد اللي يقدر يقولك مين قتل أبوكي الحقيقي ساد صمت ثقيل.
حتى الرجال المسلحون بقوا ثابتين في أماكنهم.
بصيت للرجل العجوز، وأنا مش قادرة أصدق أي كلمة.
قلت بصوت متقطع
إنت... جدي؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
آه... ولو كنت عرفتي الحقيقة من خمسة وعشرين سنة، ماكنتيش هتعيشي لحد النهارده.
لف عمر ناحيته بعصبية.
كفاية كذب!
لكن الجد رفع إيده وقال بهدوء
اسكت يا عمر... لأنك إنت كمان ما تعرفش كل الحقيقة.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا، ووضعه فوق الطاولة.
فيه خزنة تحت القصر القديم... محدش يعرف مكانها غيري.
نظر إليّ مباشرة.
وجواها تسجيل بصوت أبوكي... اتسجل قبل موته بساعات.
اتسعت عيناي.
تسجيل؟
هز رأسه.
لو سمعتيه... هتعرفي مين خان العيلة... ومين قتل أبوكي... وليه كانوا بيدوروا عليكي طول السنين دي.
صاح عمر
إحنا هنروح للخزنة دلوقتي.
لكن الجد ابتسم ابتسامة باردة.
متأخر.
قطب عمر حاجبيه.
يعني إيه؟
رد وهو ينظر إلى ساعته
من عشر دقايق... رجالي وصلوا للقصر.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف أحد الحراس.
فتح مكبر الصوت.
جاء صوت متوتر
يا باشا... لقينا الخزنة.
سأل الجد بسرعة
والتسجيل؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد الذي جمّد الدم في عروق الجميع
الخزنة مفتوحة... والتسجيل اختفى.
تغير لون وجه الجد لأول مرة.
أما عمر، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال
واضح إن في حد سبقنا.
وقبل أن ينهي جملته...
وصل إشعار إلى هاتفي من رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كان فيها ملف صوتي مدته دقيقة واحدة فقط.
وتحته رسالة قصيرة
لو عايزة تعرفي الحقيقة... اسمعي التسجيل لوحدك. لأن أول شخص هيعرف اللي فيه... هيموت ارتجفت إيدي وأنا ببص للهاتف.
كل اللي في الغرفة كانت عيونهم متعلقة بيا.
قال عمر بسرعة
متشغليش التسجيل.
لكن الجد صرخ
شغليه حالًا!
وقفت بينهم، مش عارفة أسمع كلام مين.
وفي النهاية... ضغطت على زر التشغيل.
خرج صوت رجل هادئ، لكنه كان مليان تعب.
لو التسجيل ده وصلك... يبقى أنا غالبًا بقيت ميت.
اتسعت عيناي.
ما كنتش أعرف الصوت...
لكن الدموع نزلت من غير سبب.
أكمل الرجل
يا بنتي... لو إنتِ اللي بتسمعيني، فأنا أبوكي.
شهقت، وحطيت إيدي على بقي.
حتى عمر نزل بعينيه للأرض.
تابع الصوت
أنا ما اتقتلتش بسبب الفلوس... ولا بسبب العصابة.
اتقتلت... لأني رفضت أقتل طفلة بريئة.
بدأت أنفاسي تتسارع.
الطفلة دي... هي إنتِ.
كل الموجودين اتجمدوا.
ثم أكمل
في الليلة دي، صدر أمر بقتلك... والأمر خرج من شخص واحد بس.
في اللحظة دي، الجد اتغير لون وشه.
كأنه عرف مين المقصود.
لكن قبل ما التسجيل ينطق بالاسم...
انقطع الصوت فجأة.
ظهرت رسالة على شاشة الهاتف
تم حذف بقية الملف.
صرخت
لأ!
وفجأة، وصل اتصال فيديو من نفس الرقم.
فتحت الاتصال.
ظهر رجل ملثم، وخلفه بنت صغيرة قاعدة على كرسي.
كانت نفس الطفلة اللي في الصورة.
رفع الرجل القناع ببطء...
وفي اللحظة دي، شهق عمر بقوة.
همس وهو مصدوم
يوسف...!
بصيت له باستغراب.
تعرفه؟
رد وهو مش مصدق اللي شايفه
ده... ابني.
تجمدت.
إزاي؟! قلت إن اللي في الصورة بنتك!
رد بصوت مكسور
لأن ليان كان عندها أخ توأم... يوسف.
ابتسم الشاب داخل الفيديو وقال بهدوء
أيوه... أنا ابنك.
سكت لحظة، ثم نظر مباشرة إلى عمر وقال
وأنا كبرت علشان أنتقم منك... ومن العيلة كلها ظل عمر يحدق في شاشة الهاتف وكأنه لا يصدق ما يراه.
همس بصوت مبحوح
يوسف... أنت عايش؟
ابتسم الشاب ابتسامة باردة، وقال
للأسف... عايش.
ثم نظر نحوي وقال
إنتِ أكيد مستغربة ليه كل ده بيحصل حواليكي.
لم أستطع الرد.
قال
لأن الحقيقة إنكِ مفتاح كل حاجة... ولو عرفتي السر اللي معاكي، إمبراطورية كاملة هتقع.
صرخ عمر
سيبها برة الموضوع! ذنبها إيه؟
ضحك يوسف بسخرية.
ذنبها إنها اتولدت في العيلة الغلط.
ثم أشار إلى الطفلة الصغيرة الجالسة خلفه.
شايفة البنت دي؟
هززت رأسي.
قال
اسمها مريم... وآخر شخص باقي من عيلتنا.
التفت عمر بسرعة.
أوعى تقربلها!
لكن يوسف تجاهله، وأخرج سلسلة فضية من جيبه.
علقها أمام الكاميرا.
في منتصف السلسلة كان يوجد نصف قلب صغير.
ما إن رأيته حتى شهقت.
لأنني كنت أرتدي النصف الآخر حول رقبتي منذ طفولتي.
أمسكت السلسلة بيدي دون وعي.
قلت
دي... دي زَي اللي عندي!
ابتسم يوسف لأول مرة.
مش زيها...
لأن الاتنين كانوا سلسلة واحدة.
ساد الصمت.
ثم قال
أبوك قسمها يوم ولادتك.
نص فضل معاكي... والنص التاني فضل مع الشخص الوحيد اللي كان يثق فيه.
سألت وأنا أرتجف
مين؟
أجاب وهو ينظر مباشرة إلى عمر
أنا.
اتسعت عينا عمر.
إنت كنت طفل!
رد يوسف
وأنت كنت كبير بما يكفي علشان تحميني... لكنك فشلت.
أغلق الاتصال فجأة.
وفي اللحظة نفسها، دوى انفجار هائل هز المخزن كله.
سقطت قطع من السقف، وانطفأت الأنوار.
صرخ أحد الحراس
المكان اتحاصر!
أمسكني عمر من يدي، وجرني نحو مخرج جانبي.
لكن قبل أن نخرج، وقع بصري على الطاولة.
كان هناك ظرف أبيض لم يكن موجودًا قبل دقائق.
فتحته بسرعة.
لم يكن بداخله سوى ورقة واحدة، مكتوب عليها بخط أسود كبير
إذا أردتِ معرفة من أنتِ حقًا... تعالي وحدكِ الليلة إلى المنارة القديمة قبل منتصف الليل. وإن أخبرتِ عمر، ستكون هذه آخر مرة ترين فيها الحقيقة أخفيت الورقة بسرعة داخل جيبي قبل ما عمر يلاحظها.
كان مشغولًا بإخراج الحراس من المخزن بعد الانفجار.
فضلت طول الطريق ساكتة.
كل شوية ألمس الورقة بإيدي، وكلماتها بتتردد في دماغي
تعالي وحدك.
وصلنا إلى بيت صغير على أطراف المدينة.
مكان بسيط جدًا، بعيد تمامًا عن الفيلات والحراس.
قال عمر
هنستخبى هنا الليلة.
هززت رأسي وكأني موافقة.
لكن في داخلي كنت قد اتخذت قراري.
في الساعة الحادية عشرة وخمسين دقيقة...
انتظرت حتى نام الحراس، وخرجت بهدوء من الباب الخلفي.
استقليت سيارة أجرة، ولم أقل للسائق سوى عنوان واحد
المنارة القديمة.
كان المكان مهجورًا.
الهواء بارد، وصوت الأمواج يرتطم بالصخور بعنف.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تجعل قلبي ينبض أسرع.
وفجأة...
سمعت صوتًا خلفي.
كنت واثق إنك هتيجي.
التفت بسرعة.
لم يكن يوسف.
ولم يكن الرجل الملثم.
كان رجلًا في الخمسين من عمره، يرتدي معطفًا أسود ويحمل عصًا خشبية.
نظر إليّ طويلًا، ثم ابتسم.
كبرتي... وبقيتي شبه أمك جدًا.
قلت بحدة
إنت مين؟
أخرج من جيبه بطاقة قديمة، ووضعها في يدي.
نظرت إليها.
كانت بطاقة تعريف لضابط في المخابرات المصرية.
رفعت رأسي إليه بدهشة.
قال بهدوء
اسمي اللواء شريف.
وكل اللي عرفتيه عن عمر المنصوري، وعن العصابة، وعن عيلتك... مجرد جزء صغير من الحقيقة.
شعرت بالارتباك.
يعني إيه؟
قال وهو ينظر إلى البحر
عمر مش مجرد زعيم عصابة.
سكت لحظة، ثم أكمل
من سبع سنين... وافق يشتغل معانا سرًا.
شهقت.
مستحيل.
أخرج ملفًا سميكًا وسلمه لي.
كل عملية نُسبت ليه... كان بيسلم معلوماتها للدولة قبل ما تحصل.
بدأت أقلب الأوراق، وكانت كلها تحمل أختامًا رسمية وصورًا لعمر مع ضباط بملابس مدنية.
رفعت عيني إليه.
ليه ماقاليش؟
ابتسم اللواء شريف بحزن.
لأن لو حد عرف الحقيقة... هيموت.
وقبل أن يكمل...
انطلقت رصاصة من أعلى المنارة.
أصابت اللواء في صدره.
وقع على الأرض، وأمسك بيدي بقوة، وهمس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
أوعي... تثقي... في...
حاول يكمل الاسم...
لكن صوته انقطع.
وفي اللحظة التالية، سمعت صوتًا أعرفه جيدًا خلفي يقول
اتأخرت عليكي.
استدرت ببطء...
فوجدت عمر واقفًا، والمسدس في يده، وعيناه معلقتان بجثة اللواء وقفت مكاني وأنا ببص لعمر، ثم للجثة، ثم للمسدس اللي في إيده.
قلبي كان بيدق بعنف.
همست
إنت... إنت اللي ضربت النار؟
اتسعت عيناه من الصدمة.
إيه؟! لا.
لكن قبل ما أتكلم، انطلقت رصاصة تانية.
أمسكني عمر من كتفي وأسقطني أرضًا في اللحظة الأخيرة.
الرصاصة عدت فوق رأسي مباشرة، وكسرت زجاج المنارة.
صرخ
القناص لسه فوق!
شدني من إيدي، وجرينا نستخبى خلف حائط خرساني.
كان بيحاول يبص على مكان القناص من غير ما يعرض نفسه للخطر.
وفجأة...
رن هاتف اللواء شريف اللي كان واقع على الأرض.
بصينا
تم نسخ الرابط