كنت عازمه اهلى بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

شيء.
رن هاتف الزوجة في منتصف الليل.
كان رقم غريب.
ردت بتوتر.
جاءها صوت رجل يقول حضرتك مدام بهجت؟
أيوه.
أنا من المستشفى... جوز حضرتك اتعرض لحادث في الشغل، وإحنا محتاجين حد من أهله بسرعة.
وقع الهاتف من يدها.
لم تصدق ما سمعته.
كانت أول من وصلت إليها الخبر... وبعد دقائق عرفت الحماة.
ما إن سمعت اسم ابنها حتى انهارت وهي تصرخ ابني... ابني!
ولأول مرة منذ سنوات، أمسكت يد زوجة ابنها وقالت وهي تبكي سامحيني... ادعي لابني... أنا مليش غيره.
احتضنتها الزوجة وقالت بإذن الله هيقوم بالسلامة.
في اليوم التالي، بدأت إجراءات السفر.
لكن حدثت مشكلة.
تأشيرة الحماة كانت منتهية، ولن تستطيع السفر في الوقت المناسب.
أما الزوجة، فتأشيرتها كانت سارية.
وقفت الحماة أمامها والدموع في عينيها وقالت روحي إنتِ... خدي بالك من بهجت... وقوليله إن أمه مستنياه يرجع.
سافرت الزوجة وحدها.
وعندما دخلت غرفة العناية المركزة، وجدت بهجت مغمض العينين، والأجهزة تحيط به من كل جانب.
اقتربت منه، أمسكت يده، وهمست
أنا وصلت يا بهجت... قوم علشان وعدتني إننا هنعيش مع بعض من غير غربة.
وفي تلك اللحظة...
تحركت أصابعه ببطء.
فتحت الممرضة الباب فجأة وهي تنادي الطبيب
بسرعة... المريض استجاب!
يتبع...دخل الطبيب مسرعًا، ومعه فريق التمريض.
وقفت الزوجة بعيدًا وهي تضم يديها وتدعو الله، وقلبها يكاد يقف من الخوف.
بعد دقائق بدت كأنها ساعات، خرج الطبيب مبتسمًا.
قال الحمد لله... دي علامة كويسة جدًا. حالته لسه حرجة، لكن استجابته معناها إن فيه أمل كبير.
جلست الزوجة على أول كرسي قابلها، وانفجرت في البكاء.
أخرجت هاتفها واتصلت بحماتها.
أول ما ردت قالت وهي تبكي الحمد لله... بهجت استجاب.
سمعت شهقة فرح من الطرف الآخر، ثم صوت الحماة وهي تسجد شكرًا لله.
مرت ثلاثة أيام، وبدأت حالة بهجت تتحسن تدريجيًا، حتى سمح الطبيب لزوجته بالدخول إليه.
فتح عينيه بصعوبة، وابتسم عندما رآها.
قال بصوت ضعيف أمي... عاملة إيه؟
ابتسمت الزوجة وقالت أول سؤال عنها؟
هز رأسه وقال مهما حصل... دي أمي.
ابتسمت، واتصلت بحماته بالفيديو.
أول ما ظهر وجهها على الشاشة، انفجرت في البكاء.
قالت سامحني يا ابني... سامحني على كل حاجة.
ابتسم بهجت رغم تعبه وقال يا أمي... خلاص. اللي فات مات.
لكن الحماة هزت رأسها وقالت لا... لسه فيه حاجة لازم أعملها.
بعد أسبوع، عاد بهجت إلى مصر لاستكمال علاجه.
وفي أول يوم استطاع فيه الخروج من البيت، طلب من زوجته أن يرافقاه إلى منزل والدها.
هناك كانت المفاجأة.
وقفت الحماة أمام أهل زوجة ابنها، وأمام الجيران الذين شهدوا الواقعة، وقالت بصوت مرتفع
أنا جاية أعتذر قدام الناس كلها، زي ما غلطت قدام الناس كلها. بنتكم شريفة، وأنا ظلمتها، وأرجو منكم تسامحوني.
ساد صمت للحظات.
ثم اقترب والد الزوجة، وربت على كتفها وقال
كلنا بنغلط... والاعتذار شجاعة.
ابتسمت الزوجة لأول مرة منذ شهور، وشعرت أن الجرح بدأ يلتئم، ليس لأنه اختفى، بل لأن الجميع اختاروا الصدق والاعتذار بدل العناد.
وهكذا انتهت الأزمة التي كادت تهدم بيتًا كاملًا، لكنها انتهت لأن الحقيقة ظهرت، ولأن كل طرف امتلك الشجاعة ليعترف بخطئه ويبدأ من جديد بعد أشهر من الهدوء، أعلن بهجت خبرًا أسعد العائلتين.
قال وهو يجلس مع زوجته وأمه أنا قررت أرجع نهائي من الغربة... خلاص، تعبت من البعد.
فرحت الزوجة فرحة كبيرة، أما الحماة فكانت دموعها تنزل من شدة السعادة.
وبفضل المبلغ الذي كانت الزوجة تدخره طوال السنوات الماضية، افتتح بهجت مشروعًا صغيرًا في بلدهم.
في البداية كان المشروع بسيطًا، لكن مع اجتهاده ودعم زوجته بدأ يكبر شهرًا بعد شهر.
وذات يوم، كانت الحماة ترتب بعض الأوراق القديمة، فوجدت هاتفها القديم الذي صورت به ذلك الفيديو.
فتحته، وظهر أمامها المقطع.
ظلت تنظر إليه طويلًا، ثم أغلقته وهي تبكي.
دخل بهجت في تلك اللحظة، فقالت له تعرف يا ابني... كل ما أشوف الفيديو ده أحس إني مش مصدقة إن دي كنت أنا.
ابتسم وقال المهم إنك اتغيرتي.
ردت وهي تمسح دموعها لا... لسه ناقص حاجة.
في اليوم التالي، طلبت من زوجة ابنها أن ترافقها إلى دار أيتام.
وهناك، تبرعت بكل الذهب الذي كانت تدخره لنفسها، وقالت للمسؤول اعتبروه صدقة، يمكن ربنا يغفرلي ظلمي.
خرجت هي وزوجة ابنها من الدار، فأمسكت الزوجة بيدها لأول مرة من تلقاء نفسها.
قالت أنا سامحتك من زمان... لكن النهارده حسيت إن ربنا سامحنا كلنا.
ابتسمت الحماة، واحتضنتها وهي تقول من النهارده مش هقول مرات ابني... هقول بنتي.
وفي تلك اللحظة، خرج بهجت من السيارة وهو يحمل صندوقًا صغيرًا.
ابتسم وقال عندي ليكم مفاجأة.
فتح الصندوق، فوجدت زوجته عقد ملكية منزل جديد.
قال لها ده البيت اللي وعدتك بيه من أول يوم اتجوزنا... بيتنا اللي محدش هيقدر يدخل يفسد راحته أو يفرق بينا.
نظرت إليه والدموع في عينيها، ثم نظرت إلى حماتها، التي ابتسمت وقالت
المرة دي... أول عزومة في البيت الجديد هتكون عندي أنا، وأنا اللي هطبخ لأهلك بإيدي.
ضحك الجميع، وانتهت صفحة مليئة بالألم، لتبدأ صفحة جديدة عنوانها الثقة، والاحترام، وصلة الرحم.
تمت بعد مرور عام، كان البيت الجديد مليئًا بالحياة.
وفي أحد الأيام، كانت الزوجة ترتب خزانة بهجت، فوجدت ظرفًا قديمًا مكتوبًا عليه بخط يده
يفتح إذا رجعت من الغربة.
استغربت، ونادته بهجت... إيه ده؟
ابتسم وقال افتحيه.
فتحت الظرف، فوجدت رسالة كتبها قبل سنوات وهو في غربته.
قرأتها بصوت مرتعش
لو رجعت ولقيتك لسه مستنياني، هعرف إن ربنا رزقني بأغلى نعمة. ولو في يوم قصرت معاكي، افتكريني بأيام الغربة اللي كنا بنحلم فيها ببيت صغير يجمعنا. وأوعي تسمحي لأي حد يفرق بينا، حتى لو كان أقرب الناس لينا.
لم تتمالك نفسها، وبكت وهي تضم الرسالة إلى صدرها.
في تلك اللحظة، دخلت الحماة، ورأت الرسالة.
قالت ممكن أشوفها؟
ناولتها لها.
قرأت الكلمات، ثم جلست على الأريكة وهي تبكي.
قالت لو كنت شفت الرسالة دي من سنين... مكنتش عملت اللي عملته.
اقترب منها بهجت، وقبّل رأسها.
وقال يا أمي... إحنا دفنّا الماضي، ومش هنفتحه تاني.
ابتسمت وهي تمسح دموعها.
وفي المساء، اجتمعت العائلة كلها على مائدة واحدة.
كانت المائدة أكبر من تلك التي بدأت عندها الأزمة، لكنها هذه المرة كانت مليئة بالضحك.
وفجأة، رن جرس الباب.
فتح بهجت.
وجد رجلًا يحمل ظرفًا رسميًا.
قال حضرتك الأستاذ بهجت؟
أيوه.
معايا خطاب من المحكمة.
نظر الجميع إلى بعضهم في قلق.
فتح بهجت الظرف...
وما إن قرأ أول سطر، حتى تغيرت ملامح وجهه تمامًا، وقال في ذهول
مستحيل... بعد كل السنين دي؟!
ثم رفع عينيه إلى أمه، وقال
يبدو إن الماضي لسه مخلصش....
يتبع...أخذ بهجت الورقة بيد مرتعشة، بينما خيم الصمت على المكان.
سألته زوجته بقلق فيه إيه؟
تنهد وقال دي قضية... لكن مش علينا.
استغرب الجميع.
أكمل الصفحة اللي نشرت الفيديو زمان، واللي خلت الناس تتكلم في عرضنا وكرامتنا... النيابة وصلت لصاحبها، وطلبوا شهادتنا.
شهقت الحماة وقالت يعني... الفيديو لسه موجود؟
هز بهجت رأسه وقال للأسف أيوه، واتنشر على أكتر من صفحة، واتسبب في أذى كبير لناس كتير.
خفضت الحماة رأسها وهي تقول أنا السبب... لو مكنتش صورته، مكانش كل ده حصل.
اقتربت منها زوجة ابنها وقالت الغلط كان في التصوير، لكن اللي نشره واستغل مصيبة بيت كامل عشان يجيب مشاهدات غلطه أكبر.
بعد أسبوع، حضروا جميعًا إلى المحكمة.
وقف القاضي يستمع لأقوالهم، ثم سأل الحماة هل حضرتك وافقتِ على نشر الفيديو؟
قالت وهي تبكي والله يا سيادة القاضي، أنا صورته
تم نسخ الرابط