كنت عازمه اهلى بقلم اماني سيد
المحتويات
دموعها وقالت يا جماعة، إحنا مش جايين ناكل من حد. بنتنا عمرها ما قصرت معانا، ولو كانت قالت لنا إن العزومة هتعمل مشكلة، والله ما كنا دخلنا البيت.
هنا انكسرت نظرات الحماة قليلًا، لكنها لم تتكلم.
أما والد الزوجة فأمسك بيد زوجته وقال يلا يا أم أحمد... كفاية لحد كده.
وقبل أن يخرجوا، أوقفتهم الزوجة وهي تبكي والله العظيم بهجت هو اللي طلب مني أعزمكم... والله ما عملت حاجة من وراه.
في تلك اللحظة قال بهجت عبر الهاتف يا عمي... لو حضرتك مشيت دلوقتي، هتزعلني جدًا. اقعدوا وكملوا الغدا، واللي هيخرج من البيت النهارده مش هيكون أنتم.
ثم وجّه كلامه لأمه يا أمي... لو شايفة إن وجودك هيزود المشكلة، يبقى اتفضلي ارجعي بيتك دلوقتي.
نظرت إليه عبر شاشة الهاتف في صدمة، فلم تتخيل يومًا أن يقف ابنها هذا الموقف.
أغلقت الكاميرا ببطء، وأخذت حقيبتها، وخرجت من البيت دون أن تنطق بكلمة.
لكنها لم تكن تعلم أن الفيديو الذي صورته وأرسلته لابنها لم يبقَ عنده وحده... فقد كانت قد أرسلته بالخطأ إلى مجموعة العائلة كلها، والجميع شاهد ما فعلته، وبدأت الاتصالات تنهال عليها، لا لتؤيدها كما توقعت، بل لتعاتبها على ما فعلته.
وهنا أدركت أن دقيقة واحدة من الغضب قد تسببت في شرخ كبير داخل العائلة... وأن إصلاحه لن يكون سهلًا.
يتبع...في المساء، كانت الحماة جالسة في بيتها، والهاتف لا يتوقف عن الرنين.
أختها كانت أول من اتصل بها.
قالت بغضب إنتِ إزاي تعملي كده؟ حتى لو مرات ابنك غلطانة، ينفع تكسريها قدام أهلها وتصوريهم؟
أغلقت المكالمة وهي متضايقة، لكنها فوجئت برسالة من بهجت.
كتب لها أنا حجزت أول طيارة ونازل بكرة.
اتوترت لأول مرة.
كانت متأكدة أن ابنها سيقف في صفها عندما يراها، لكن نبرة رسالته لم تكن مطمئنة.
في اليوم التالي، وصل بهجت إلى البيت مباشرة.
احتضن زوجته، ثم اتجه إلى والدتها ووالدها وقال حقكم عليّ. اللي حصل في بيتي وأنا المسؤول عنه.
حاول والد الزوجة يهون عليه، لكنه قال الاعتذار الحقيقي مش بالكلام... المهم اللي جاي.
بعدها طلب من الجميع الجلوس.
ثم قال لأمه يا أمي، عندي سؤال واحد... لو أختي كانت قاعدة في بيتها، وحماتها دخلت صورتها وهي بتغديكم، كنتِ هتقبلي؟
خفضت رأسها، ولم تجد إجابة.
أكمل يبقى ليه رضيتيها على غيرك؟
ساد صمت طويل.
ثم فاجأتهم الحماة وهي تبكي لأول مرة.
قالت أنا... أنا كنت غيرانة.
نظروا إليها جميعًا بدهشة.
قالت وهي تمسح دموعها من يوم ما اتجوزت، بقيت حاسة إن ابني بعد عني. كل مرة أشوفه بيبعت فلوس أو يهتم بمراته، بحس إنه نسي أمه. الشيطان لعب بعقلي، وخلاني أشوف أي حاجة بتعملها إنها ضد ابني.
اقتربت الزوجة منها بهدوء وقالت والله يا حماتي، عمري ما كنت عايزة آخدك من ابنك. ده جوزي، وإنتِ أمه، ولكل واحد فينا مكانه.
بكت الحماة أكثر، وأمسكت يد زوجة ابنها وقالت سامحيني... أنا غلطت في حقك وحق أهلك.
ولأول مرة منذ سنوات، حضنتها الزوجة، بينما تنفس بهجت الصعداء، متمنيًا أن تكون تلك اللحظة بداية صفحة جديدة، تُبنى فيها العلاقة على الاحترام بدل الشك، وعلى الثقة بدل الإهانة مرت أيام قليلة، وبدا أن الأمور بدأت تهدأ.
لكن في صباح أحد الأيام، كان بهجت يقلب هاتفه، فتوقف فجأة عند رسالة وصلته من أحد زملائه في الغربة.
فتحها، فتغير لون وجهه.
كانت الرسالة تحتوي على الفيديو... نفس الفيديو الذي صورته أمه.
لكن هذه المرة كان منشورًا على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، وحصل على آلاف المشاهدات والتعليقات.
بعض الناس كانوا يهاجمون الزوجة، والبعض الآخر يدافع عنها، بينما اسم العائلة أصبح على كل لسان.
نظر بهجت إلى أمه وقال بغضب لم تستطع أن تتذكر أنها رأته به من قبل إنتِ قولتِ إنك بعتيهولي أنا بس... مين اللي نشره؟
ارتبكت وقالت والله ما أعرف... أنا بعته لواحدة صاحبتي أشوف رأيها، يمكن هي اللي بعتته لحد.
أغلق بهجت الهاتف وقال يعني بسبب لحظة تهور، بقيتِ فضحتي البيت كله.
جلست الحماة على الكرسي وهي تضع يدها على رأسها، وبدأت تدرك حجم الكارثة.
أما الزوجة، فلم تهتم بالكلام المنتشر بقدر اهتمامها بشيء آخر.
دخلت غرفتها، وأخرجت ظرفًا كانت تخفيه منذ أشهر.
ناولته لبهجت وقالت افتحه.
فتح الظرف، فوجد إيصالات تحويلات مالية، وأوراق تثبت أن زوجته كانت تدخر جزءًا كبيرًا من المبلغ الذي يرسله كل شهر، بل وكانت تضيف من دخلها الخاص أيضًا.
ثم أخرجت دفتر توفير باسمه.
قالت كنت بجهزهولك مفاجأة لما ترجع نهائي من الغربة... كل اللي وفرناه هنا هيكون بداية مشروعك بدل ما تفضل مسافر.
ظل بهجت ينظر إلى الدفتر في صمت، ثم التفت إلى أمه وقال الست اللي اتهمتيها إنها بتضيع فلوسي... كانت بتحافظ عليها أكتر مني.
انهمرت دموع الحماة، وشعرت أن كلماتها التي قالتها أمام الجميع كانت أقسى من أن تُمحى بسهولة، حتى لو اعتذرت ألف مرة.
يتبع...ظل بهجت ممسكًا بدفتر التوفير عدة دقائق، ثم أغلقه بهدوء.
نظر إلى زوجته وقال ليه ماقولتيليش؟
ابتسمت رغم دموعها وقالت كنت عايزة أول ما ترجع من الغربة أقولك خلاص... مش هتسافر تاني.
لم يتمالك بهجت نفسه، فاحتضنها وهو يشعر أن سنوات غربته كلها هانت أمام هذا الموقف.
أما أمه، فكانت تنظر إليهما وهي تبكي في صمت.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك مفاجأة أخرى.
في المساء، طرق الباب.
فتح بهجت، فوجد رجلًا في الخمسين من عمره يقف ومعه حقيبة صغيرة.
قال مساء الخير... أنا أستاذ فؤاد، جاركم في العمارة.
استقبله بهجت باستغراب.
قال الرجل أنا جيت أشهد بالحق.
جلس الجميع، فأخرج هاتفه وقال يوم اللي حصل، كنت خارج من شقتي، ولما سمعت الصوت شغلت كاميرا المراقبة اللي عند بابي. الكاميرا سجلت كل حاجة من أول ما والدتك خبطت الباب وهي فاتحة الكاميرا، وقبل ما تدخل كانت بتقول لنفسها النهارده هخلي ابني يشوف حقيقتها.
ساد الصمت في المكان.
أدار الرجل المقطع.
ظهر بوضوح أن الحماة جاءت وهي تنوي التصوير قبل أن ترى ما يحدث داخل الشقة، أي أنها لم تدخل لتفهم، بل دخلت وهي قررت مسبقًا اتهام زوجة ابنها.
أغلقت الحماة عينيها، ولم تستطع رفع رأسها.
قالت بصوت مكسور خلاص... مفيش عذر أقدر أقوله.
ثم التفتت إلى زوجة ابنها، ووقفت أمامها، وقالت أنا ظلمتك... وظلمت أهلك... وكنت هخرب بيت ابني بإيدي. لو مش هتسامحيني دلوقتي، هفضل مستنية لحد ما تسامحيني.
اقتربت الزوجة منها، لكنها لم ترد بسرعة.
قالت بهدوء أنا هسامح... لكن النسيان صعب. الكلمة الجارحة والفضيحة قدام الناس بيسيبوا أثر كبير.
هزت الحماة رأسها وقالت وأنا مستعدة أصلح اللي أقدر عليه، حتى لو خد سنين.
نظر بهجت إلى أمه، ثم إلى زوجته، وقال من النهارده، بيتنا هيبقى مبني على الثقة. ومهما حصل، محدش هيدخل بينا أو يحكم علينا قبل ما يسمع مننا.
وانتهت الجلسة، لكن كل واحد فيهم كان يعلم أن استعادة الثقة أصعب بكثير من مجرد الاعتذار بعد أسبوعين، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها.
بهجت رجع لسفره بعد ما اطمن على زوجته، وقبل ما يسافر قال لأمه
يا أمي... أوعديني إنك مش هتروحي البيت إلا لما مراتي تكون راضية، وإن أي حاجة تضايقك تكلميني أنا.
هزت رأسها وقالت أوعدك يا ابني.
ومرت الأيام في هدوء... إلى أن جاء اتصال قلب كل
متابعة القراءة