أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قبرها وقال إنه لا يساوي شيئًا.

لمحة نيوز

الدفتر.
ومسحت دموعها.
ثم قالت بحزم لم تعرفه في نفسها من قبل
سنذهب إلى هذا العنوان الآن.
مع حلول المساء وصلت السيارة إلى المبنى المهجور.
كانت الرياح تعصف حول المكان.
والبوابة الحديدية تصدر صريرًا مخيفًا.
دخلوا بحذر.
وبعد دقائق من البحث داخل الممرات المظلمة وجدوا غرفة صغيرة في آخر المبنى.
كان بابها مواربًا.
دفعت مريم الباب ببطء.
ودخلت.
ثم تجمدت في مكانها.
فوق الطاولة الخشبية القديمة كانت توجد صورة حديثة لها.
التقطت قبل أيام فقط.
وبجانبها فنجان شاي لا يزال دافئًا.
وكأن شخصًا كان هنا قبل دقائق.
وعلى الطاولة ورقة واحدة.
حملت الورقة بيد مرتجفة.
وقرأت
مريم...
أعرف أنكِ ستصلين إلى هنا.
كنت أراقب الطريق منذ الصباح.
لكنني اضطررت للمغادرة قبل وصولكِ بدقائق.
إذا كنتِ تريدين أن تريني...
فانظري خلفكِ.
وتوقفت أنفاسها.
ببطء شديد...
استدارت نحو الباب المفتوح خلفها استدارت مريم ببطء شديد.
كان قلبها يدق بعنف حتى شعرت أن الجميع يسمعه.
الباب مفتوح.
الممر خالٍ.
لا أحد.
حبست أنفاسها للحظة، ثم سمعت صوتًا خافتًا من خلف خزانة معدنية قديمة في زاوية الغرفة.
خطوة.
ثم أخرى.
وتجمد الجميع.
خرج رجل مسن من الظل.
شعره أبيض بالكامل.
وجهه مليء بتجاعيد السنين.
لكن عينيه...
كانتا نفس العينين اللتين رأتهما في الصور.
نفس العينين اللتين رأتهما كل صباح في المرآة.
ارتجفت شفتا مريم.
أبي؟
توقف الرجل في مكانه.
وبدا وكأنه يحارب دموعًا احتبست سبعة وعشرين عامًا.
مريم...
سقطت الحقيبة من يدها.
وفي لحظة واحدة اختفت كل الأسئلة.
ركضت نحوه.
وارتمت في حضنه.
بكى الرجل بصمت.
وبكت هي بصوتٍ لم تستطع كتمانه.
سبعة وعشرون عامًا من الغياب.
وسبعة
وعشرون عامًا من الأسئلة.
ذابت كلها في تلك اللحظة.
بعد أن هدأت قليلًا جلسوا جميعًا داخل الغرفة.
كان محمود ينظر إلى ابنته وكأنه يخشى أن تختفي إذا رمش بعينيه.
قالت مريم
لماذا لم تعد؟
تنهد طويلًا.
ثم أخرج ملفًا قديمًا من حقيبة كانت بجواره.
لأن الحقيقة كانت أخطر مما تتخيلين.
فتح الملف.
كانت بداخله صور ومستندات رسمية.
وأسماء كثيرة.
قال
الأشخاص الذين حاولوا قتلي لم يكونوا مجرد عصابة عادية. كانوا مجموعة تستغل أوراق الملكية والميراث للاستيلاء على أملاك الناس.
أشار إلى إحدى الصفحات.
وعندما اكتشفتهم، اكتشفوا أنني أملك مستندات تدينهم.
سألت مريم
وهل انتهى الأمر الآن؟
هز رأسه.
منذ سنوات طويلة تم القبض على أغلبهم.
لكنني بقيت مختفيًا لأنني لم أعد أعرف كيف أعود بعد كل هذا الزمن.
ثم نظر إلى الأرض.
وكل يوم كان يجعل العودة أصعب من اليوم الذي قبله.
ساد الصمت.
ثم سألته مريم السؤال الذي كان يؤلمها أكثر من أي شيء
وهل كنت تعرف أخباري؟
ابتسم بحزن.
وأخرج صورة من جيبه.
كانت صورة لها يوم تخرجها من الجامعة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
قال
لم يمر عام واحد دون أن أحاول الاطمئنان عليكِ.
نظرت إلى الصور والدموع تملأ عينيها.
فهمت أخيرًا سبب الصور الموجودة في الغرفة السرية.
لم تكن مراقبة بدافع الأذى.
كانت محاولة أبٍ ضائع ليرى ابنته تكبر من بعيد.
وبينما كانوا يتحدثون، رن هاتف المدير سامر.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
ماذا هناك؟
أغلق الهاتف ببطء.
ونظر إلى مريم.
هناك خبر آخر.
شعرت بالقلق فورًا.
ماذا حدث؟
أجاب
سعد اختفى.
تبادل الجميع النظرات.
اختفى؟
نعم. غادر البيت بعد مغادرتنا مباشرة. ولم يعرف أحد إلى أين ذهب.
صمت محمود لثوانٍ.

ثم قال بهدوء
إذن هناك شيء لم يخبرنا به بعد.
وفي تلك اللحظة تذكرت مريم شيئًا.
الرسالة الأخيرة من جدتها.
كان فيها سطر لم تفهمه وقتها.
سطر واحد فقط.
أغمضت عينيها واستعادته من ذاكرتها
إذا اختفى سعد يوم ظهور الحقيقة... فابحثوا عن الخزانة رقم 12.
فتحت عينيها فجأة.
ونظرت إلى والدها.
ثم إلى المدير سامر.
وقالت
يبدو أن جدتي كانت تعرف أن هذه القصة لم تنتهِ بعد نظر محمود إلى مريم بذهول.
الخزانة رقم 12؟
أومأت مريم.
نعم... أنا متأكدة من الكلمات. كانت في أسفل الرسالة وكأن جدتي أضافتها في آخر لحظة.
سأل المدير سامر
هل ذكرت مكان الخزانة؟
هزت رأسها.
لا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم نهض محمود فجأة.
المصرف.
التفت الجميع إليه.
أمينة كانت تحتفظ بكل أسرارها في المصرف. إذا كانت هناك خزانة، فأغلب الظن أنها هناك.
في صباح اليوم التالي عادوا إلى المصرف.
استقبلهم المدير سامر بنفسه.
وبعد مراجعة السجلات القديمة لساعات، وجدوا أخيرًا ما كانوا يبحثون عنه.
خزانة أمانات قديمة.
رقم 12.
باسم أمينة.
ومقفلة منذ أكثر من عشرين عامًا.
شعرت مريم بقشعريرة تسري في جسدها.
أحضر الموظفون الخزانة الصغيرة ووضعوها أمامها.
كان معها مفتاح محفوظ داخل ملف أمينة.
أدخلته مريم بيد مرتجفة.
ودار القفل.
ثم فُتح الباب ببطء.
داخل الخزانة لم يكن هناك ذهب.
ولا أموال.
بل ظرف واحد فقط.
وثلاثة أشرطة تسجيل قديمة.
وصورة.
أخذت الصورة أولًا.
وما إن نظرت إليها حتى شحب وجه محمود.
كانت صورة تجمع محمود وأمينة... ومعهما سعد.
لكن الصورة التُقطت قبل ولادة مريم بسنوات.
همست مريم
كنتم تعرفون بعضكم منذ البداية؟
تنهد محمود.
نعم.
ثم نظر إلى الصورة طويلًا.
لكنه لم يكن مجرد
قريب للعائلة كما قيل لكِ.
فتحت مريم الظرف بسرعة.
وكانت بداخله رسالة قصيرة من أمينة.
إذا وصلتِ إلى هنا، فاعلمي أن سعد أخفى ذنبًا كبيرًا سنوات طويلة.
لكنه ليس الذنب الذي يظنه الجميع.
ارتبكت مريم أكثر.
وأكملت القراءة.
سعد طمع في المال، نعم.
وحاول السيطرة على الميراث.
لكن الحقيقة التي لم يعرفها أحد هي أنه لم يكن عدو محمود.
نظر محمود إلى الرسالة بصدمة.
ماذا؟
واصلت مريم القراءة
في ليلة الحادث، كان سعد هو من أنقذ محمود.
ساد الصمت.
حتى أنفاسهم توقفت.
أكملت
لو لم يسحب سعد محمود من السيارة قبل انفجارها، لمات في تلك الليلة.
جلس محمود ببطء وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
كان وجهه شاحبًا.
أمينة لم تخبرني بهذا أبدًا...
فتحت مريم الشريط الأول واستعانت بجهاز قديم كان المصرف يحتفظ به لأرشفة التسجيلات.
انطلق صوت أمينة من السماعة.
صوتها واضح رغم مرور السنين.
إذا كنت تسمع هذا يا محمود، فهذا يعني أنني مت قبلك أو أنك عدت أخيرًا.
بدأت الدموع تملأ عينيه.
ثم تابع التسجيل
سعد أخطأ كثيرًا بعد ذلك. وربما طمع وخان الثقة. لكنني لا أريد أن يموت وفي رقبتك ظلمه.
ثم جاء الجزء الذي صدم الجميع.
الشخص الذي خانك ليلة الحادث لم يكن سعد.
صمتت أمينة لثوانٍ.
ثم قالت اسمًا واحدًا.
اسمًا لم يتوقعه أحد.
اسم شريك محمود القديم في العمل.
الرجل الذي ظل الجميع يعتقد أنه مات منذ سنوات.
في تلك اللحظة رن هاتف سامر.
رد بسرعة.
ثم وقف فجأة.
ماذا؟!
نظرت إليه مريم بقلق.
ماذا حدث؟
قال بصوت متوتر
عثروا على سعد.
أين؟
تنهد ببطء.
في محطة قطار قديمة خارج المدينة.
هل هو بخير؟
أجاب
نعم... لكنه كان يحمل حقيبة مليئة بالوثائق.
ويريد أن يقابلكِ فورًا.

وأضاف شيئًا واحدًا قبل أن يغلق الهاتف...
سكت سامر للحظة.
ثم أكمل
قال إن أمامه ساعات قليلة فقط ليخبرك بالحقيقة الكاملة.
وإذا تأخر...
فلن يعرف أحد أين اختفت آخر وثيقة تثبت من دبر الحادث قبل سبعة وعشرين عامًا.

تم نسخ الرابط