أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قبرها وقال إنه لا يساوي شيئًا.
المحتويات
أخذت مريم خطوة إلى الخلف، وشعرت أن الهواء اختفى من حولها.
متوفاة؟! ماذا تقصدين؟
لكن المدير رفع يده بهدوء وقال
تفضلي معي أولًا. هناك أمور لا يمكن مناقشتها هنا.
رافقها إلى مكتب صغير في الطابق العلوي. جلس خلف مكتبه، بينما بقيت هي ممسكة بحقيبتها بقوة وكأنها تخشى أن يختفي الدفتر من جديد.
فتح درجًا وأخرج ملفًا بنيًا سميكًا.
ثم وضعه أمامها.
على الغلاف كان مكتوبًا
ملف أمانة لا يُفتح إلا بحضور المستفيدة.
نظر إليها مباشرة وقال
هذا الملف موجود هنا منذ سبعة وعشرين عامًا.
ارتجفت يدها.
سبعة وعشرون عامًا...
عمرها بالضبط.
فتح الملف ببطء.
فوجدت صورة رضيعة ملفوفة ببطانية وردية.
وكانت الطفلة هي نفسها.
هي.
مريم.
تحت الصورة شهادة ميلاد.
لكن الاسم المكتوب لم يكن اسم أبيها سعد.
كان اسم رجل آخر.
شعرت بقلبها يتوقف.
هذا... مستحيل.
أخرج المدير نفسًا طويلًا.
جدتك أمينة كانت تأتي إلى المصرف مرتين كل عام. وكانت تدفع رسوم حفظ هذا الملف بنفسها.
ثم أشار إلى ورقة موقعة.
وكانت تكرر وصية واحدة فقط إذا حضرت مريم بنفسها ومعها دفتر التوفير، أعطوها الملف كاملًا.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
أخرج المدير رسالة أخرى داخل ظرف مختوم.
وعرفت الخط فورًا.
خط جدتها.
فتحت الظرف بسرعة.
وجاء في الرسالة
مريم...
إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنني رحلت.
وأعني أيضًا أن سعد فشل في الوصول إلى ما كان يريده.
الحقيقة التي أخفيتها عنكِ طوال هذه السنوات هي أن سعد ليس والدكِ الحقيقي.
تجمدت في مكانها.
وتابعت القراءة
والدكِ الحقيقي كان اسمه محمود.
كان شابًا شريفًا عمل معي سنوات طويلة.
تزوج ابنتي الوحيدة، أمكِ فاطمة.
وعندما ولدتِ أنتِ، توفيت أمكِ أثناء الولادة.
وبعد أقل من عام توفي محمود في حادث سيارة.
اختنق صوتها وهي تقرأ.
بعد وفاة والدكِ، ظهر سعد.
كان قريبًا بعيدًا للعائلة.
وعرض أن يتزوجني رسميًا على الورق كي يستطيع إدارة بعض الممتلكات
لكنني اكتشفت متأخرًا أنه كان يخطط للسيطرة على كل شيء.
كانت يداها ترتجفان.
وأكملت
لهذا السبب سجّلتكِ في بعض الأوراق كمتوفاة مؤقتًا، ثم أعدت تسجيلكِ قانونيًا بطريقة أخرى لحمايتكِ.
كان الأمر معقدًا وخطرًا.
لكنني فعلته لأن سعد كان يحاول الوصول إلى إرث والدكِ.
رفعت مريم رأسها ببطء.
إرث؟
أومأ المدير.
ثم أخرج وثيقة أخيرة.
وعندما قرأت الرقم المكتوب فيها شعرت بالدوار.
بيت كبير في مركز المدينة.
قطعة أرض زراعية.
محلان تجاريان.
وحساب استثماري ضخم تراكمت أرباحه طوال سبعة وعشرين عامًا.
كلها باسمها.
كلها.
قال المدير بهدوء
جدتك لم تكن تجمع المال فقط.
كانت تحرس أملاككِ.
لهذا كان سعد يكره ذلك الدفتر.
لأنه لم يكن دفتر توفير.
كان مفتاحًا لكل شيء.
وفجأة سُمع طرق عنيف على باب المكتب.
دخل أحد رجال الأمن مسرعًا.
وقال
أستاذ سامر... يوجد رجل في الأسفل يصرخ ويطالب بالدخول.
شحب وجه مريم.
عرفت قبل أن تسمع الاسم.
سأل المدير
من هو؟
أجاب رجل الأمن
يقول إن اسمه سعد محمود... ويقول إن الفتاة الموجودة هنا ابنته، وإنها سرتجمدت مريم في مكانها.
كأن كل ما قرأته قبل دقائق لم يكن كافيًا.
سعد هنا.
وصل.
وفي الوقت نفسه.
نظر إليها المدير سامر وقال بهدوء
القرار لكِ. إذا كنتِ لا تريدين رؤيته فلن يدخل.
لكن مريم أمسكت الرسالة بقوة.
لأول مرة في حياتها لم تشعر بالخوف منه.
لأول مرة عرفت لماذا كان يغضب كلما سألت عن أمها.
ولماذا كان يرفض الحديث عن الماضي.
ولماذا ألقى دفتر التوفير في قبر جدتها دون تردد.
رفعت رأسها وقالت
دعه يدخل.
نظر إليها المدير لحظة ثم أومأ لرجل الأمن.
وبعد دقيقة فُتح الباب بقوة.
دخل سعد ووجهه أحمر من الغضب.
كانت ملابسه مغطاة ببعض التراب وكأنه عاد للتو من المقبرة.
ما إن رآها حتى اندفع نحوها.
مريم! الحمد لله أنكِ بخير! هؤلاء خدعوكِ! أعطني الدفتر وتعالي معي حالًا!
لكن أحد رجال الأمن وقف أمامه.
نظر سعد إلى المدير
ليس لكم حق في احتجاز ابنتي!
أجاب المدير بهدوء
وفقًا للوثائق الموجودة لدينا، هي ليست ابنتك.
ساد الصمت.
ثوانٍ ثقيلة.
ثم انفجر سعد
كذب! كلها أكاذيب أمينة! كانت تكرهني!
وضعت مريم الرسالة أمامه.
هل هذا أيضًا كذب؟
رأى خط أمينة.
فتغير وجهه.
لأول مرة لم يجد ما يقوله.
اقتربت منه مريم خطوة.
لماذا فعلت هذا؟
ظل صامتًا.
لماذا تركتني أعيش سبعة وعشرين عامًا وأنا أعتقد أنك أبي؟
انخفض بصره إلى الأرض.
ثم قال بصوت خافت
لأنني كنت أحتاج أن أبقى قريبًا منك.
قريبًا مني أم قريبًا من أملاكي؟
لم يجب.
وكان ذلك الجواب بحد ذاته.
شعرت مريم أن آخر خيط يربطها به قد انقطع.
لكن المفاجأة لم تنتهِ بعد.
فتح المدير الملف مرة أخرى.
وأخرج ظرفًا صغيرًا لم يكن ضمن الأوراق السابقة.
وقال
هناك شيء آخر تركته جدتك.
نظرت إليه مريم باستغراب.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
ومعه ورقة صغيرة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوبًا بخط أمينة
إذا وصلتي إلى هنا يا مريم، فاعلمي أن الحقيقة لم تنتهِ بعد.
البيت الذي ورثتيه يحتوي على غرفة مغلقة لم أفتحها منذ وفاة والدكِ محمود.
وفي داخلها الصندوق الذي سيخبركِ بكل شيء.
كل شيء.
ارتجف قلبها.
أي صندوق؟
ابتسم المدير ابتسامة خفيفة.
لا أعلم.
لكن جدتك كانت تزور ذلك البيت كل عام.
وكانت تكرر جملة واحدة دائمًا
عندما تكبر مريم، ستعرف الحقيقة الكاملة.
وفي تلك اللحظة دوى صوت سعد فجأة
لا تذهبي إلى ذلك البيت!
التفت الجميع نحوه.
وكان الذعر يملأ وجهه.
ذعر حقيقي.
قالت مريم ببطء
لماذا؟
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم تمتم
لأن... لأن هناك شيئًا لم تخبركِ به أمينة.
شيئًا أخفته عن الجميع.
حتى عني أنا.
تبادل المدير ومريم النظرات.
وسألته
ماذا تقصد؟
ابتلع سعد ريقه بصعوبة.
ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها
لأن والدكِ محمود... ربما لم يمت في الحادث أصلًا.
وانتهى الكلام.
لكن بداية الحقيقة كانت قد بدأت للتو ظلت مريم تحدق في
عيناها لا تصدقان ما تراه.
ملامح الوجه...
شكل العينين...
حتى الابتسامة الخفيفة.
كل شيء كان يشبهها.
همست بصوت مرتجف
أبي...
اقترب المدير سامر ونظر إلى الصورة.
ثم قال بهدوء
إذا كانت هذه الصورة حقيقية، فالشخص الذي التقطها كان على تواصل معه منذ ستة أشهر فقط.
بدأت مريم تقلب محتويات الصندوق بسرعة.
رسائل كثيرة.
مستندات.
صور.
وفي القاع وجدت دفترًا أسود صغيرًا.
على غلافه كُتب
يُفتح بواسطة مريم فقط.
فتحت الصفحة الأولى.
وكان الخط مختلفًا عن خط جدتها.
خط رجل.
وجاء فيها
ابنتي مريم...
إذا وصلتِ إلى هذه الكلمات، فهذا يعني أن أمينة نجحت في حمايتكِ حتى النهاية.
وأعني أيضًا أنني فشلت في العودة إليكِ.
انهمرت الدموع من عينيها.
وتابعت القراءة.
لم أمت في الحادث.
لكن الحادث لم يكن حادثًا عاديًا.
كان محاولة قتل.
ارتجف الجميع.
حتى سعد رفع رأسه فجأة.
وأكملت مريم القراءة بصوت مسموع
قبل الحادث بأسابيع اكتشفت شبكة كبيرة كانت تستولي على أراضٍ وممتلكات بطرق غير قانونية.
كنت أعمل محاسبًا على بعض الملفات واكتشفت المستندات.
توقفت للحظة.
ثم واصلت
وعندما عرفوا أنني اكتشفت الأمر، حاولوا التخلص مني.
سقط الصمت على الغرفة.
وتابعت
نجوت بأعجوبة.
لكن الأشخاص الذين ساعدوني أخبروني أن العودة ستعرضكِ أنتِ وأمينة للخطر.
لذلك اختفيت.
كانت يدا مريم ترتجفان بشدة.
ثم وصلت إلى صفحة أخيرة.
وهناك وجدت عنوانًا مكتوبًا بالتفصيل.
وعبارة قصيرة أسفله
إذا زرتِ هذا المكان، ستجدين الحقيقة الأخيرة.
نظر المدير إلى العنوان.
ثم شحب وجهه.
هذا العنوان...
رفعت مريم رأسها.
ماذا؟
قال بصوت منخفض
إنه دار رعاية قديمة على أطراف المدينة.
أُغلقت منذ سنوات.
لكن...
توقف فجأة.
ماذا؟
قبل شهرين وصلت إلى المصرف رسالة مجهولة دون اسم مرسل.
كانت تحتوي على صورة الرجل نفسه.
الرجل الموجود في هذه الصورة.
شهقت مريم.
ولماذا لم تخبرني؟
لأنني لم أكن أعرف
أخرج هاتفه وفتح الصورة.
كانت مطابقة تمامًا.
الصورة نفسها.
لكن هناك شيء لم يلحظه أحد سابقًا.
في خلفية الصورة ظهر تاريخ واضح على الحائط.
قبل أربعة أشهر فقط.
أي أن محمود كان حيًا على الأرجح حتى ذلك الوقت.
أغلقت مريم
متابعة القراءة