أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قبرها وقال إنه لا يساوي شيئًا.
أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قبرها وقال إنه لا يساوي شيئًا. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى المصرف وأنا أحمل ذلك الدفتر المغطى بالطين... وما إن رأته الموظفة حتى شحب وجهها واتصلت بالحماية فورًا. لم يبكِ أحد على جدتي أمينة كما بكيت أنا. ولم يدافع أحد عن آخر سر أخفته طوال حياتها. وعندما أغلق مدير المصرف نافذة الخدمة، فهمت الحقيقة المؤلمة... أبي لم يكن يريد دفن جدتي فقط، بل كان يريد دفن الدليل معها.
هذا الدفتر لا يساوي شيئًا. اتركوه يتعفن مع العجوز.
قالها أبي وهو يرمي دفتر التوفير الأزرق الصغير فوق نعش جدتي أمينة المفتوح.
سقط مباشرة على صدرها، بين الزهور الذابلة والطين وشمعة أطفأتها الرياح.
لم يتحرك أحد.
لا أعمامي.
ولا أبناء عمي.
ولا حتى الشيخ الذي أنهى قبل دقائق مراسم الدفن في مقبرة المدينة.
كان الجميع ينظر إلى الدفتر وكأنه مجرد قطعة ورق لا قيمة لها.
وكأن جدتي أمينة لم تقضِ نصف عمرها تبيع الكليجة والمعجنات قرب السوق الشعبي، وتغسل ملابس الناس، وتخيط الثياب، وتجمع المال دينارًا فوق دينار داخل علبة معدنية قديمة.
وكأنها قبل يومين من وفاتها لم تمسك يدي بأصابعها الضعيفة وتهمس لي
مريم... لا تدعي أباك سعد يعثر عليه.
سعد كان أبي.
وكان أيضًا الشخص الذي كانت جدتي تخشاه أكثر من أي إنسان آخر.
كان عمري سبعة وعشرين عامًا. كنت أرتدي عباءة سوداء استعرتها من جارتي. وكانت قدماي تغوصان في الطين الرطب. لم أنم منذ يومين. لم آكل شيئًا. وحتى التنفس أصبح مؤلمًا.
عدل أبي قفازيه الأسودين.
وابتسم.
ابتسامة أعرفها جيدًا.
الابتسامة نفسها التي كان يستخدمها عندما يقول إن البكاء مجرد تمثيل.
والابتسامة نفسها التي ظهرت على وجهه عندما أخذ أموال منحة دراستي بحجة مصاريف المنزل.
والابتسامة نفسها التي كان يبتسمها كلما تدخلت جدتي لتحميني منه.
قال وهو
هذا ميراثك يا مريم. دفتر قديم. لا بيت ولا أرض ولا أموال. أمينة كانت تحب الغموض دائمًا.
أطلقت زوجته الثانية سحر ضحكة خافتة من خلف نظارتها السوداء.
المسكينة ما زالت تعتقد أن العجوز تركت لها كنزًا.
أما أخي من أبي، كرار، فاقترب مني وهمس
إذا كان فيه مبلغ جيد فلا تنسي أن تعزمينا.
ضحك بعض الأقارب.
أما أنا فلم أضحك.
لأن ذلك الدفتر لم يكن مجرد دفتر.
كان الدفتر نفسه الذي كانت جدتي تخفيه داخل منديل مطرز بيدها، وتضعه داخل علبة بسكويت قديمة تحت سريرها.
والدفتر نفسه الذي كانت تخرجه كل شهر بعد عودتها من المصرف وهي تحمل حقيبتها الصغيرة.
والدفتر نفسه الذي كنت أراه وأنا طفلة فوق الطاولة بجانب المسبحة.
كانت تقول لي دائمًا
هذه الورقة الصغيرة ستحتاجينها عندما أغيب... لكن يجب أن تعرفي عنها أنتِ فقط.
لم أفهم يومًا لماذا كانت تتحدث بذلك الهمس.
حتى يوم الجنازة.
حتى رأيت أبي يفقد أعصابه بسبب دفتر يقول إنه بلا قيمة.
عندما بدأوا بإنزال النعش إلى القبر، شعرت وكأنهم يدفنونني معه.
كانت جدتي أمينة أمي الحقيقية.
هي من كانت تسهر بجانبي عندما أمرض.
وهي من كانت تأخذني إلى المدرسة عندما كان أبي يصرف أموال القرطاسية على أمور أخرى.
وهي من علمتني أن المرأة قد تخاف... لكنها تستطيع أن تبقى قوية.
أما أبي فلم تخرج من عينيه دمعة واحدة.
كان يراقب التراب وهو يسقط فوق النعش وكأنه يتأكد من أن مشكلة كبيرة دُفنت إلى الأبد.
وعندما بدأ الجميع بالمغادرة، بقيت وحدي قرب القبر.
لمست سحر كتفي بطرف أصابعها وقالت
هيا يا مريم. أبوك لا يريد الانتظار.
لم أجبها.
ومن بعيد قال أبي
اتركوها. هي تحب دائمًا لعب دور الضحية.
استمعت إلى أصوات خطواتهم وهي تبتعد.
ثم أصوات السيارات.
ثم لم يبقَ سوى الريح ورائحة الزهور الذابلة وكومة التراب الجديدة فوق قبر جدتي.
ركعت على الأرض.
لم أفكر.
لم أدعُ.
لم أبكِ.
فقط غرست أصابعي في الطين وبدأت أحفر.
كانت الأرض باردة ولزجة.
وامتلأت يداي بالطين، وكذلك أكمامي وملابسي.
إلى أن لمست أصابعي غلاف الدفتر المبلل.
سحبته.
كان متسخًا ومبللًا وكأنه مر بتجربة موت خاصة به.
مسحته بطرف عباءتي.
في الصفحة الأولى كان اسم جدتي أمينة واضحًا.
لكن أسفل الاسم مباشرة وجدت جملة مكتوبة بحبر أزرق وخط مرتجف لم أرها من قبل
إذا قال سعد إن الدفتر لا يساوي شيئًا... فاعلمي لأنه حاول صرفه قبلك.
شعرت وكأن المقبرة كلها تدور حولي.
ضممت الدفتر إلى صدري وركضت.
في تلك الليلة لم أعد إلى بيت أبي.
أغلقت باب غرفتي الصغيرة التي أستأجرها قرب السوق.
وضعت كرسيًا خلف الباب.
وفتحت الدفتر تحت ضوء مصباح أصفر خافت.
كانت الصفحات الأولى تحتوي على مبالغ صغيرة.
خمسون ألف دينار.
مئة ألف دينار.
ثلاثمئة ألف دينار.
وأحيانًا أكثر.
سنوات طويلة من الادخار الصامت.
كانت جدتي تجمع المال دينارًا فوق دينار من بيع الكليجة وغسل الملابس وإصلاح الثياب.
لكن الصفحات الأخيرة كانت مختلفة.
مبالغ كبيرة جدًا.
مبالغ لم يكن من الممكن أن تمتلكها جدتي وحدها.
وبجانب كل مبلغ حرفان
س م
سعد محمود.
أبي.
جف حلقي.
قلبت الصفحات بسرعة.
ثم وجدت ورقة مطوية بين صفحتين.
كانت رطبة قليلًا.
ومكتوبة بخط جدتي.
فتحتها.
مريم... إذا وصلتِ إلى هذه الورقة فسامحيني لأنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة مبكرًا. أبوك لم يأخذ المال مني فقط. لقد حاول أن يأخذ شيئًا هو ملك لك منذ يوم ولادتك.
قرأت السطر عشر مرات.
لم أفهم.
أو ربما لم أرد أن أفهم.
وكان أسفله مكتوب
لا تذهبي إلى العائلة. لا تصدقي سحر. اذهبي مباشرة إلى المصرف. واسألي عن الحساب المختوم بالختم الأحمر.
بحثت عن الختم.
فوجدته في آخر صفحة.
دائرة حمراء باهتة.
ورمز حساب مكتوب بخط اليد.
وتاريخ.
نفس تاريخ ميلادي
لم أنم دقيقة واحدة تلك الليلة.
كل صوت في الشارع كان يجعلني أعتقد أن أبي يبحث عني.
في الثامنة صباحًا ارتديت العباءة نفسها، وما زالت آثار طين المقبرة عليها.
لففت الدفتر بمنشفة داخل كيس تسوق.
وذهبت إلى فرع المصرف الرئيسي وسط المدينة.
كان المصرف مزدحمًا.
نساء كبيرات يستلمن رواتبهن.
رجل يتجادل بسبب بطاقة مصرفية متوقفة.
طفلة تبكي لأنها تريد عصيرًا.
كل شيء بدا طبيعيًا.
إلا حياتي.
وعندما جاء دوري، ابتسمت الموظفة ابتسامة متعبة وقالت
صباح الخير. كيف أستطيع مساعدتك؟
أخرجت الدفتر.
هذا يعود لجدتي. توفيت أمس. وطلبت مني أن آتي إلى هنا.
أخذته بحذر.
فتحته.
أدخلت رقم الحساب.
في البداية عقدت حاجبيها.
ثم توقفت عن الرمش.
أعادت إدخال الرقم مرة أخرى.
نظرت إلى الشاشة.
ثم إلى الدفتر.
ثم إليّ.
واختفى اللون من وجهها تمامًا.
هل أنتِ قريبة مباشرة لصاحبة الحساب؟
نعم. أنا حفيدتها.
ما اسمك؟
مريم محمود.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
كتبت شيئًا على لوحة المفاتيح.
ثم حدث الأمر الذي جمد الدم في عروقي.
وقفت ببطء.
ورفعت سماعة الهاتف الداخلي.
وقالت بصوت خافت
أستاذ مدير... هل يمكنك الحضور فورًا؟ وأبلغوا الحماية.
شعرت وكأن الأرض تنسحب من تحت قدمي.
ماذا يحدث؟
لم تجب.
وخلال أقل من دقيقة وصل رجل يرتدي بدلة رمادية، وكانت بطاقة الموظف معلقة على صدره بشكل مائل.
أغلق نافذة الخدمة.
وأخذ الدفتر من يد الموظفة.
تفحص آخر صفحة.
ثم نظر إلى هويتي.
ثم إلى وجهي.
ثم عاد لينظر إلى الشاشة.
وقال بصوت منخفض
آنسة مريم... أحتاج منك أن تأتي معي إلى المكتب الداخلي. ولا يمكنك مغادرة المصرف.
لماذا؟
لم يجب مباشرة.
أمسك الدفتر بكلتا يديه.
وفي تلك اللحظة سمعت الموظفة تهمس خلفه وصوتها يرتجف
إنها هي... الطفلة المسجلة في الملف على أنها متوفاة.
الجزء الثاني.. سيكشف أن دفتر التوفير لم يكن
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي