في اول شهر جواز حماتي دخلت عليا الاوضه وصحتني علشان تقولي
المحتويات
بالمبلغ كاملًا مع الفوائد والمصاريف.
وقفت ماسكة الورقة وإيدي بتترعش.
أما مصطفى فكان بيبص للباب وكأنه شايف شبح قديم رجع يطارده من جديد...
يتبع...أخدت الإنذار من إيده وقعدنا على السفرة ساكتين.
الموضوع كان أكبر من مجرد ورقة.
خمسون ألف جنيه وقتها كانوا مبلغ كبير، ومع المصاريف اللي مكتوبة في الإنذار بقى الرقم أكبر.
قلت له
من فضلك، المرة دي عايزة أعرف الحقيقة كلها.
مصطفى نزل عينه للأرض وقال
هقولك كل حاجة.
وحكى لي إن قبل الجواز بشهور دخل مع صديق قديم في مشروع صغير. المشروع فشل، والصديق اختفى وساب الديون كلها عليه.
كان محرج يعترف لأهله أو لأبويا، فاستدان وسكت.
ولما قرب موعد الجواز، خاف يخسرني لو عرفني بالمشكلة.
أنا زعلت إنه خبّى الموضوع، لكن المرة دي كان فيه فرق.
ما كانش بيبرر.
كان بيعترف.
وفي اليوم التالي رحنا مع بعض نقابل صاحب المطالبة.
اتفاجأنا إن الراجل نفسه كان مستعد للحل.
قال
أنا مش عايز أضر حد، أنا عايز حقي بس.
واتفقوا على جدول سداد مناسب بدل ما الموضوع يكبر.
خرجنا من عنده وأنا حاسة بثقل كبير، لكن على الأقل بقينا عارفين المشكلة بدل ما نهرب منها.
المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بأيام.
حماتي عرفت بالموضوع.
كنت متوقعة إنها تبدأ تلومني أو تلوم مصطفى.
لكنها طلبت مننا نيجي عندها.
لما روحنا، فتحت درج قديم وطلعت دفتر توفير.
وحطته قدام مصطفى.
قال باستغراب
إيه ده؟
قالت
فلوس كنت بشيلها من سنين.
سكتت لحظة ثم كملت
زمان كنت بتدخل في حياتك زيادة عن اللزوم. النهارده مش جاية أفرض رأيي. القرار قرارك. لكن لو محتاج مساعدة، دي موجودة.
مصطفى دمعت عينه.
ومد إيده قفل الدفتر.
وقال
شكراً يا أمي... بس هنحلها بنفسنا.
لأول مرة شفت بينهم علاقة فيها احترام متبادل، مش أوامر وتنفيذ.
خرجنا من البيت وإحنا ماسكين إيد بعض.
قلت له
عارف؟
قال
إيه؟
قلت مبتسمة
واضح إن أكبر مفاجأة حصلت في القصة دي مش الغسالة.
ضحك وقال
أمال إيه؟
بصيت ورايا ناحية بيت والدته وقلت
إن كل واحد فينا اتغير عن الشخص اللي كانه أول شهر جواز.
ابتسم، وكمّلنا طريقنا.
لأن الحياة عمرها ما بتبقى خالية من المشاكل.
لكن لما يبقى فيه صدق واحترام، المشاكل بتبقى حاجة ممكن تتحل...
مش حاجة تهد بيت كامل.
النهاية الحقيقية بعد ما خلصنا أزمة الدين، مرت الشهور بهدوء نسبي.
كنت أخيرًا حاسة إن حياتنا بدأت تستقر.
ليلى كبرت شوية، ومصطفى بقى يقضي وقت أطول معانا، وحتى حماتي بقت أهدى بكتير من زمان.
لكن في يوم، وأنا راجعة من السوق، لقيت عربية نقل واقفة قدام العمارة.
ورجالة شايلين عفش وبيطلعوه للشقة اللي قصادنا.
طلعت وأنا مستغربة.
ولما وصلت للدور، لقيت واحدة ست في الخمسينات واقفة تدّي تعليمات للعمال.
أول ما شافتني، بصتلي بتركيز شديد.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة غريبة كأنها تعرفني.
قلت في نفسي يمكن متلخبطة.
لكن بعدها بيومين، وأنا نازلة السلم، وقفتني.
وقالت
إنتِ نيرمين؟
استغربت.
أيوة.
قالت
أنا أعرف حماتك.
ابتسمت مجاملة وقلت
أهلًا وسهلًا.
لكنها قالت جملة خلتني أتجمد مكاني
زمان أوي كان بينا وبينها شراكة... وانتهت بسبب سر محدش يعرفه.
فضلت باصة لها.
مش فاهمة تقصد إيه.
لكنها غيرت الموضوع بسرعة ومشيت.
رجعت البيت وأنا مشغولة بالكلام.
وفي زيارة بعدها بأيام، سألت حماتي عن الست الجديدة.
أول ما سمعت اسمها، وشها اتغير.
ولأول مرة من سنين شفت التوتر القديم في عينيها.
قالت بسرعة
ابعدي عنها.
قلت
ليه؟
ردت
مش كل الناس اللي بترجع من الماضي بيبقى رجوعها خير.
الكلام زود فضولي أكتر.
لكن قبل ما أسأل تاني، قامت وغيرت الموضوع.
ومن يومها بدأت ألاحظ حاجة غريبة...
كل ما الست دي تشوف حماتي، تفضل تراقبها من بعيد.
وكل ما حماتي تعرف إنها موجودة، تبقى متوترة بشكل واضح.
كان فيه حكاية قديمة بينهم.
حكاية كبيرة.
والظاهر إن الزمن أخفاها سنين طويلة...
لكنها بدأت تطفو على السطح من جديد.
يتبع...في الأسبوع اللي بعده، الفضول غلبني.
مش لأنّي بحب أدخل في أسرار الناس، لكن لأن التوتر اللي شفته على وش حماتي ما كانش طبيعي.
وفي يوم وأنا راجعة من المدرسة بعد ما استلمت ليلى، قابلت الجارة الجديدة تحت العمارة.
ابتسمت وقالت
تحبي تشربي قهوة عندي؟
ترددت شوية... ثم وافقت.
دخلت شقتها.
كانت شقة بسيطة ومرتبة، وعلى الحائط صور قديمة كتير.
وأنا قاعدة، وقعت عيني على صورة بالأبيض والأسود.
في الصورة كانت الجارة الجديدة شابة صغيرة...
وواقف جنبها شاب، وفي الخلفية بنت تانية.
البنت دي كانت حماتي.
اتصدمت.
لأن الصورة واضحة جدًا.
لاحظت الجارة نظرتي.
تنهدت وقالت
أيوة... إحنا كنا أصحاب زمان.
سألتها
إيه اللي حصل بينكم؟
سكتت لحظات.
ثم قالت
غلطات قديمة... وعدا عليها أكتر من ثلاثين سنة.
لكن كان واضح إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عادي.
لما رجعت البيت، فضلت أفكر.
وفي نفس الليلة، حصل شيء غير متوقع.
حماتي بنفسها طلبت تيجي عندنا.
أول ما قعدت، قالت
عارفة إنك سألتي عنها.
اتفاجأت.
قالت
ومش هلومك.
ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت
يمكن جه الوقت تعرفي الحقيقة.
بدأت تحكي...
زمان، قبل جوازها بسنين طويلة، كانت هي وصاحبتها دي فاتحين مشروع صغير للخياطة.
اشتغلوا مع بعض سنين.
لكن المشروع خسر فجأة.
وحصلت خلافات واتهامات متبادلة.
كل واحدة افتكرت إن التانية خانت ثقتها أو خذلتها.
ومع الوقت، الصداقة انتهت.
ثم افترقوا تمامًا.
سألتها
يعني كل التوتر ده بسبب خلاف شغل؟
هزت رأسها وقالت
لا... بسبب الندم.
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض
لأننا عمرنا ما قعدنا نتكلم ونفهم بعض.
في اليوم التالي، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
شفت الجارة الجديدة وحماتي واقفين تحت العمارة.
بيتكلموا.
لأول مرة.
لا صراخ.
لا خناق.
ولا عتاب.
بس كلام هادي.
استمر أكتر من ساعة.
ولما خلصوا، كل واحدة مشيت في طريق.
لكن قبل ما تدخل العمارة، بصت لي حماتي وقالت
بعض المشاكل بتعيش عمر كامل... بس كلمة واحدة صادقة ممكن تنهيها.
ابتسمت لها.
وشعرت أن السنين علمتها شيئًا مهمًا.
وعلمتني أنا أيضًا.
أن أكبر المعارك أحيانًا لا تنتهي بالانتصار...
بل بالمصالحة.
تمت بعد المصالحة دي بشهور، الحياة رجعت هادئة تاني.
لكن الهدوء المرة دي ما استمرش طويل.
في يوم جمعة،
متابعة القراءة