⚠️دفنتُ زوجي بعد أربعين عامًا من الزواج… ولم أخبر أحدًا أنني كنت قد حجزتُ

لمحة نيوز

ما تركتوني أحتاج نفسي.
الكلمة وقعت في الصالة كحجر في ماء ساكن.
خالد حس لأول مرة إن الموضوع مو مزحة.
تقدم بسرعة يمّه، لو في شي مضايقك قولي نحلّه. بس لا تسوين حركة كذا فجأة.
نورة نظرت له طويلًا.
مو نظرة أم غاضبة.
ولا أم حزينة.
نظرة امرأة كانت طول عمرها تُؤجَّل.
ثم قالت بهدوء أنا ما أطلب إذن يا خالد.
الساعة قربت ٥ الفجر.
وصوت السيارة بالخارج كان شغال.
السائق وقف ينتظر.
نورة سحبت حقيبتها الصغيرة، وتقدمت للباب.
لكن قبل ما تطلع، توقفت.
ورجعت خطوة واحدة فقط.
كأنها تتأكد إنها ما راح تنسى تقول أهم جملة في حياتها.
قالت البيت هذا لو انهدم بغيابي مو مشكلتي.
ثم التفتت وخرجت.
في الخارج
الهواء كان بارد.
لكن صدرها لأول مرة كان أخف.
ركبت السيارة.
وبمجرد ما انغلقت الباب، فتحت موبايلها.
رسالة واحدة كانت جاهزة من أشهر.
مرسلة لجهة واحدة فقط مكتب الرحلات البحرية.
المحتوى
أنا في الطريق للمطار. لا تغيّروا أي شيء. رحلتي تبدأ اليوم.
ابتسمت.
وفي اللحظة اللي السيارة بدأت تتحرك، كانت ريم واقفة خلف الزجاج تصرخ خالد! راحت فعلاً!
خالد ما رد.
كان واقف مكانه.
يبص على الباب اللي خرجت منه أمه
وكأنه لأول مرة يشوفه مش باب بيت.
بل باب ما انتبه إنه كان مسجون وراه طول عمرها.
بعد ساعتين
نورة كانت في المطار.
ما حولها أحد من عائلتها.
ولا صوتهم.
ولا أوامرهم.
فقط حقيبة صغيرة وجواز سفر جديد وتذكرة سفر لعام كامل.
وهي أول مرة تقول بصوت منخفض لنفسها
متأخرة بس وصلت.
وانتهى النداء الداخلي بركوبها الطائرة.
لكن القصة الحقيقية
كانت لسه بتبدأ الطائرة أقلعت.
ومع أول اهتزاز بسيط في السماء، نورة حسّت إن حاجة عمرها ما كانت موجودة قبل كده بتتحرّك جواها مساحة فاضية. مفيهاش أوامر، مفيهاش طلبات، مفيهاش اعملي كذا بسرعة.
بس في المقابل كانت خايفة.
مش خوف رجوعها.
خوفها من إنها متعرفش تعيش بالطريقة دي.
سكّت شوية، وبصّت من الشباك.
السحب تحتها كانت بيضا وهادية بشكل يخلي أي حد ينسى نفسه.
وهي نسيت نفسها فعلًا لثواني.
في نفس الوقت في الرياض
خالد واقف في الصالة لسه مكانه.
ريم بتحاول تتكلم في الموبايل مع شركة الشحن بتاعة الكلاب، بس صوته عالي وعصبي يعني إيه راحت المطار؟! إزاي تسافر فجأة كذا كذا؟
لكن فجأة سكت.
لأنه لاحظ حاجة غريبة.
البيت ساكت زيادة عن الطبيعي.
مفيش صوت خطواتها.
مفيش رائحة القهوة اللي كانت بتتعمل حتى لو مفيش حد هيشربها.
مفيش وجودها اللي كان دايمًا محسوب كأنه جزء من الأثاث.
أول مرة فهم إن الهدوء ممكن يكون مخيف.
مرّ يومين.
نورة على السفينة.
كانت قاعدة على سطحها أول صباح.
الشمس طالعة، والبحر واسع قدامها كأنه عمر جديد مفتوح بدون أسئلة.
جالها موظف الرحلة بابتسامة مدام نورة، عندنا نشاط رسم، أو يوغا، أو زيارة الجزيرة.
نظرت له باستغراب بسيط وبعدين ابتسمت أبغى أجرب كل شيء.
ضحك الموظف اليوم ما يكفي.
قالت بهدوء عندي سنة كاملة بتكفيني أتعلم نفسي.
في الرياض
بدأت المشاكل تظهر.
الكلاب ما التزمت بمواعيدها.
ريم متوترة.
وخالد بدأ يكتشف إن مهمة الرعاية اللي كانت تبدو سهلة مستحيلة بدون نورة.
حتى الببغاء ما عاد يسكت عجوز كسولة! عجوز كسولة!
لكن الصوت صار يزعجه بدل ما يضحكه.
وفي ليلة ثالثة
خالد دخل غرفة أمه القديمة.
كان فاكر إنه يدخل غرفة فاضية.
لكن وقف فجأة.
لأنه لقى الدرج مفتوح.
وملف أزرق.
نفس الملف اللي نورة كانت مخبياه.
فتح الصفحة الأولى.
وصمت.
تذكرة رحلة بحرية لمدة سنة.
مدفوعة بالكامل.
وملاحظة بخط يدها
لو قريت الورق ده يعني أنا مشيت.
رفع عينه ببطء.
ولأول مرة ما فكرش في السفر.
ولا في الشغل.
فكر في حاجة واحدة فقط
إن أمه ما كانتش بتهرب.
كانت بتبدأ حياة عمرها ما سمح لها يعيشها.
على السفينة
نورة كانت واقفة عند الحافة.
البحر مفتوح قدامها بلا نهاية.
أخذت نفس عميق.
وهمست لنفسها طلعتي متأخرة يا نورة بس عادي.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ابتسامة امرأة أخيرًا اختارت نفسها على سطح السفينة، الهواء كان أهدى من أي وقت فات في حياتها.
نورة مسكت طرف السور بإيدين ثابتتين لأول مرة بدون رجفة.
لكن جواها كان في شيء بيتغيّر ببطء.
مش سعادة فجائية.
ولا انفجار فرح.
كان إحساس أعمق كأنها بتتعلم تعيش من جديد بدون ما تستأذن حد.
في الرياض
خالد كان قاعد في الصالة لوحده.
ريم نايمة من الإرهاق بعد يوم طويل من الفوضى مع الحيوانات.
لكن هو ما كانش نايم.
البيت كله كان بيصرخ بصمت.
كل زاوية فيه بتسأله نفس السؤال اللي مش عارف يجاوب عليه هي راحت ليه كده؟
فتح تليفونه.
رسايل كتير من الشركة.
مكالمة من المحامي.
لكن عينه وقفت على حاجة واحدة.
صورة قديمة لأمه.
كانت لابسة أبيض، واقفة في حديقة البيت، بتضحك.
ضحكة نادرة.
ضحكة شبه اللي شافها وهي ماشية.
وقتها بس فهم حاجة مزعجة جدًا
هو عمره ما شاف أمه وهي عايشة.
كان دايمًا شايفها وهي بتشتغل.
على السفينة
نورة بدأت أول نشاط لها الرسم.
كانت قدام لوحة بيضا.
المعلمة قالت ارسموا حاجة تمثّلكم.
الكل بدأ يرسم بحر، أو وجوه، أو ذكريات سفر.
نورة فضلت ساكتة.
وبعدين بدأت ترسم.
مش بيت.
مش عائلة.
ولا حتى نفسها القديمة.
رسمت طريق طويل.
وفي آخره باب مفتوح.
بس المرة دي مفيش حد واقف عليه.
ابتسمت وهي بتكمل التفاصيل.
ولأول مرة ما مسحتش حاجة رسمتها.
بعد أسبوعين
خالد بدأ يتغير.
مش بسرعة.
لكن بالتدريج.
الكلاب بقت تمشي بنظام أقل دقة، والأكل بيتأخر، والببغاء صوته زاد عصبية.
لكن الأهم
إنه بدأ يفتقد الصوت الوحيد اللي ما كانش بيلاحظ قيمته خطوات أمه في الصباح.
مرة بالليل، فتح رقمها القديم.
وكتب رسالة ومسحها.
وكتب تانية ومسحها.
وفي الآخر كتب يمّه إحنا تمام. بس البيت مش تمام من غيرك.
وقف عند الكلمة الأخيرة.
وبعدين ضغط إرسال.
لكن الرسالة فضلت معلّقة.
غير مُستلمة.
رفع عينه للسقف.
ولأول مرة حس إنه صغير.
على السفينة
نورة كانت قاعدة على كرسي خشب، شايلة كوب شاي.
جالها إشعار.
فتحت الموبايل.
وشافت الرسالة.
قعدت ساكتة شوية.
ما ابتسمتش فورًا.
ولا
تم نسخ الرابط