الغني

لمحة نيوز

واقف قدام باب حديد صدئ، ماسك المفتاح الأول.
أول ما شافهم، اتوتر وقال
إنتوا إزاي وصلتوا هنا؟!
نادية ردت بثبات
الحقيقة عمرها ما بتفضل مستخبية للأبد يا صبري. افتح الصندوق!
عم صبري حاول يهرب، لكن حارس نادية اللي كان معاهم وقف في طريقه، واضطر يطلع المفتاح ويفتح الباب.
جوا الأوضة الصغيرة، كان فيه صف طويل من صناديق حديد قديمة.
وصلوا للصندوق رقم ٣١٧.
مريم طلعت المفتاح التاني من جيبها، وفتحته بإيدين بيرتعشوا.
جواه لقوا مجموعة صور قديمة، وأوراق ملكية، ودفتر صغير، وفوق كل ده ظرف مكتوب عليه بخط أمها
إلى بنتي مريم... لما تكبري وتعرفي الحقيقة.
مريم فتحت الظرف وبدأت تقرأ.
يا بنتي حبيبتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أخيرًا جه الوقت اللي تعرفي فيه كل حاجة.
أنا ما سبتكيش بإرادتي، ولا في يوم نسيتك. بعد ولادتك، اكتشفت إن فيه ناس من عيلتي بيحاولوا يستولوا على ميراثي، وإنهم مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا للفلوس.
أبوك اللي رباكي كان راجل طيب، ووافق يساعدني أحميكي. ولما الخطړ قرب مننا، اضطرينا نفترق، وكان الاتفاق إنك تفضلي معاه لحد ما الأمور تهدى.
لكن بعد اختفائي، اتعرض هو كمان للټهديد، واضطر يعيش بعيد عن الحقيقة عشان يحميكي.
أما الفلوس اللي في الأوراق دي، فهي مش مجرد ميراث. دي أمانة جدك سابهالك، ومعاها دليل يثبت إن فيه ناس زوروا أوراق كتير عشان ياخدوها.
سامحيني يا بنتي إني ما كنتش جنبك، لكن صدقيني، كل يوم بعيد عنك كان أصعب يوم في حياتي.
مريم ما قدرتش تكمل القراءة من كتر العياط.
نادية ضمت الرسالة لصدرها، وقالت
ماجدة كانت بتثق في أبوكي أكتر من أي حد. وأنا دلوقتي فهمت ليه فضلت أدور عليها كل السنين دي.
لكن فجأة، مريم لقت صورة صغيرة في آخر الصندوق.
كانت صورة ليها وهي رضيعة،
وأمها شايلها، وعلى ظهر الصورة مكتوب
هقابلك يوم ما تقدري تعرفي الحقيقة بنفسك.
وتحت الجملة كان فيه عنوان مستشفى قديم في القاهرة.
نادية بصت للعنوان وقالت
أنا عارفة المكان ده... لازم نروح حالًا!
بعد ساعة، وصلت مريم ونادية للمستشفى.
سألوا الموظفين عن الاسم المكتوب في الأوراق، وبعد بحث طويل، وصلوا لعنوان دار رعاية صغيرة كانت بتستقبل السيدات اللي محتاجين علاج وإقامة لفترات طويلة.
دخلت مريم الممر وهي مش قادرة تتحكم في أنفاسها.
كل خطوة كانت بتقربها من حلم استنته ستاشر سنة.
وفجأة، خرجت ممرضة من إحدى الغرف، وبصت لنادية.
حضرتك بتدوري على مدام ماجدة؟
مريم شهقت.
أيوه! أمي فين؟!
الممرضة ابتسمت بحنان وأشارت للغرفة الأخيرة.
هي مستنياكي من الصبح.
مريم جريت ناحية الباب، لكنها وقفت قبل ما تفتحه.
كانت خاېفة.
خاېفة تدخل وما تلاقيش أمها.
وخاېفة تلاقيها وما تعرفش تقول لها إيه بعد كل السنين دي.
لكنها سمعت صوتًا ضعيفًا من جوه
مريم... يا بنتي، إنتِ جيتي؟
فتحت الباب.
كانت هناك سيدة شعرها أبيض، وملامحها مرهقة، لكنها لما شافت مريم، عينيها اتملت دموع.
مريم فضلت واقفة مكانها ثواني، وبعدها جريت ناحيتها وركعت جنب سريرها.
ماما!
ماجدة مدت إيديها المرتعشة ولمست وش بنتها، كأنها بتتأكد إنها مش بتحلم.
كبرتي يا حبيبتي... كبرتي وأنا مش جنبك!
مريم اڼفجرت في العياط.
ليه يا ماما؟! ليه سيبتيني؟! أنا كنت كل يوم بستناكي ترجعي!
ماجدة بكت وهي بتقول
والله ما سبتك بإرادتي يا بنتي. أنا حاولت أوصلك كتير، لكن كل مرة كان فيه حد يمنعني. ولما قدرت أخرج من اللي كنت فيه، عرفت إن أبوكي ماټ، وإنك بقيتي لوحدك.
مريم مسكت إيد أمها وباستها.
خلاص يا ماما... أنا هنا. ومش هسيبك تاني أبدًا.
نادية كانت واقفة عند الباب، ودموعها بتنزل من غير ما تحس.
بعد سبعتاشر سنة من البحث، أخيرًا لقت صاحبتها اللي كانت سبب في تغيير حياتها كلها.
لكن كان لسه فيه سؤال مهم.
نادية قربت من ماجدة وقالت
مين اللي كان بيهددك يا ماجدة؟ وإيه حكاية فؤاد ومحمود؟
ماجدة اتنهدت، وبعدها بدأت تحكي.
محمود، أخو نادية، كان اكتشف إن فؤاد منصور، أحد أقارب ماجدة، بيزور مستندات عشان يستولي على ميراثها. ولما حاول محمود يكشف الحقيقة، تعرض لحاډث مدبر، لكن عيلته اتبلغت إنه ماټ من غير ما يعرفوا التفاصيل الحقيقية.
أما ماجدة، فقد احتفظت بأوراق تثبت التزوير، ورفضت تسلمها لفؤاد.
ولما عرفت إن حياتها وحياة بنتها في خطړ، لجأت لأشخاص يساعدوها على الاختفاء مؤقتًا.
لكنها اتعرضت لحاډث أثناء انتقالها لمكان آمن، وفقدت جزءًا كبيرًا من ذاكرتها، وقضت سنين طويلة بين العلاج والرعاية، لحد ما بدأت تستعيد ذاكرتها تدريجيًا.
وبعد ما افتكرت اسم بنتها، حاولت توصل لها عن طريق الرسائل.
أما سعاد، فكانت عرفت جزءًا من الحقيقة، لكنها اختارت السكوت خوفًا من فؤاد، وبعد ۏفاة أبو مريم استغلت ضعف البنت واحتفظت بالأسرار لنفسها.
نادية مسكت إيد ماجدة وقالت
خلاص يا صاحبتي. المرة دي مش هسيب حد يأذيكي تاني.
بعد أسابيع، وبمساعدة محامٍ متخصص، اتفحصت الأوراق الموجودة في الصندوق، واتثبت إن فيه مستندات مزورة استُخدمت للاستيلاء على ممتلكات ماجدة.
التحقيقات كشفت دور فؤاد في تزوير الأوراق والتهديدات، واتخذت الإجراءات القانونية ضده وضد كل شخص ثبت تورطه.
أما عم صبري، فاعترف إنه كان بياخد فلوس عشان يراقب مريم ويمنعها من الوصول للصندوق، لكنه قرر يتعاون مع التحقيقات ويكشف كل اللي يعرفه.
وسعاد، بعد ما اتواجهت بالأدلة، اعترفت إنها ظلمت مريم واستغلتها، وإنها حرمتها من التعليم عشان تفضل محتاجة لها وتحت سيطرتها.
مريم ما انتقمتش منها، لكنها رفضت ترجع تعيش معاها.
وقالت لها بهدوء
أنا مش هرد الأڈى بأذى، لكن مش هسمحلك تظلميني تاني. أنا سامحتك عشان أقدر أعيش، مش عشان أرجع لنفس الحياة.
وبعد ما اتسوت الإجراءات القانونية، رجع لمريم حقها في ميراث أمها، لكن أول حاجة عملتها ما كانتش شراء هدوم أو عربية أو بيت كبير.
راحت المدرسة.
رجعت تكمل تعليمها، وسجلت في دروس تعويضية عشان تلحق اللي فاتها.
والست نادية تكفلت بمصاريف تعليمها، من غير ما تحسسها إنها مديونة لها بأي حاجة.
أما ماجدة، فانتقلت تعيش معاها في شقة صغيرة قريبة من المدرسة، وبدأت صحتها تتحسن يوم بعد يوم.
وفي أول يوم لمريم في المدرسة، وقفت أمها عند الباب وهي بتبصلها بفخر.
مريم ابتسمت وقالت
فاكرة الأغنية اللي كنتِ بتغنيهالي وأنا صغيرة يا ماما؟
ماجدة ابتسمت، وبدأت تغني نفس الأغنية القديمة.
مريم كملت معاها، ولأول مرة من سنين، الأغنية ما كانتش مجرد ذكرى بتوجع قلبها.
بقت بداية جديدة.
وبعد مرور سنة، مريم نجحت بتفوق، وقررت تخصص جزءًا من ميراثها لمساعدة البنات اللي اضطروا يسيبوا تعليمهم بسبب ظروفهم المادية.
افتتحت مشروعًا صغيرًا لتوفير مصاريف الدراسة والأدوات المدرسية للبنات المحتاجات، وسمته أمل ماجدة، تكريمًا لأمها اللي علمتها إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، لكنه يقدر يبدأ من جديد.
وفي يوم افتتاح المشروع، وقفت نادية جنب ماجدة، ومريم قالت قدام الحاضرين
أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت لما خسړت أمي، لكن اكتشفت إن الحقيقة ممكن تتأخر، وممكن ناس كتير تحاول تخبيها، بس الحق مش لازم يضيع للأبد. وأنا مش هخلي أي بنت تانية تحس إنها لوحدها زي ما أنا حسيت.
صفق الجميع، وماجدة كانت بټعيط من الفرحة.
وبعد ما الناس مشيت، مريم رجعت البيت، وعلقت الصورة القديمة اللي جمعتها بأمها على الحيطة، جنب صورة جديدة ليهم هما التلاتة مريم وماجدة ونادية.
وبصت للصورتين، وابتسمت.
لأنها أخيرًا فهمت إن أغلى ميراث مش الفلوس ولا البيوت ولا الممتلكات... أغلى ميراث هو الحب اللي بيفضل عايش، حتى لما السنين تحاول تسرقه مننا.
تمت النهاية

تم نسخ الرابط