حكايات زهره
نوال بصت لصبحي، وبعدها بصت لي، وقالت:
— البيت القديم اللي كنا سايبينه من تمان سنين، اتباعت أرضه من فترة، والورق اللي معايا بيثبت إن فيه حق لولادنا لازم يرجعلهم... لكن فيه اسم في المستندات دي محدش فينا كان متوقع يشوفه!
يا ترى إيه حكاية الأرض؟ وليه اسم صبحي موجود في الورق؟ وهل صابر هيتراجع عن طلبه وياخد باله من بنته فعلًا، ولا الخلاف هيكبر أكتر؟
### الجزء التالت: السر اللي كان مستخبي تمان سنين!
كل اللي قاعدين في العزومة سكتوا، وبقوا يبصوا لنوال وهي بتفتح الظرف بإيد بتترعش.
صابر مد إيده وخطف منها الورق، وبدأ يقلب فيه بسرعة، لحد ما عينيه وقعت على اسم صبحي مكتوب في آخر صفحة.
صرخ وقال: — إيه ده؟! إزاي اسم صبحي يبقى موجود في أوراق الأرض دي؟!
صبحي فضل واقف مكانه، وبعدها سحب كرسي وقعد وقال بهدوء: — اقعد يا صابر، واسمع الحكاية للآخر قبل ما تحكم على أي حد.
نوال بصت لصبحي وقالت: — أنا اللي طلبت منه يساعدنا زمان، قبل ما نمشي من البلد. كان علينا ديون، والأرض كانت مهددة إنها تضيع مننا، وصبحي دفع جزء كبير من الفلوس علشان يحافظ عليها لولادنا.
صابر بص لها بصدمة: — وإنتِ عمرك ما قلتيلي الكلام ده!
ردت نوال: — لأنك وقتها كنت رافض تسمع أي نصيحة، وكنت مصمم إننا نبدأ حياتنا من الصفر بعيد عن كل الناس. وبعد ما سافرنا، الظروف اتغيرت، وأنا فضلت محتفظة بالأوراق دي علشان ما يضيعش حق العيال.
أنا بصيت لصبحي باستغراب وقلت: — إنت عمرك ما حكيتلي عن الموضوع ده!
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال: — الموضوع قديم يا سمر، وأنا ما عملتش غير الواجب. الأرض دي فيها حق أطفال، ومش ذنبهم إن الكبار اتصرفوا غلط.
الكلمة دي خلتني أبص له بفخر. الراجل اللي الناس زمان كانت بتعايره إن مراته سابته، طلع لسه شايل هم أولادها، رغم كل اللي حصل.
لكن صابر ما كانش قادر يستوعب.
قال بعصبية: — يعني إنت كنت بتساعد ولادي وأنا بعيد، وفي نفس الوقت اتجوزت طليقتي وربيت بنتي؟!
صبحي رد عليه: — أنا ساعدت عيال ملهمش ذنب، واتجوزت ست محترمة كانت محتاجة حد يقف جنبها، وربيت بنتها زي ما ربيت أولادي. مفيش حاجة في ده تستاهل الغضب.
صابر سكت، وبعد لحظات بص ناحية منة، اللي كانت واقفة جنبي ومتمسكة بإيدي.
قال لها بصوت أهدى: — منة، أنا عارف إني قصرت معاكي، بس نفسي تديني فرصة أصلح اللي فات.
منة بصت له وقالت: — أنا ممكن أديك فرصة يا بابا، بس مش عايزاك تيجي يومين وتمشي تاني. أنا تعبت من فكرة إن الناس اللي بحبهم ممكن يختفوا فجأة.
صابر نزل عينه للأرض، ولأول مرة ما لاقاش رد يدافع بيه عن نفسه.
أما نوال، فكانت بتبص لأولادها من بعيد، وبعدها قربت منهم وقالت: — أنا كمان غلطت لما سيبتكم كل السنين دي. ومش هطلب منكم تسامحوني في يوم وليلة، لكن أتمنى تسمحوا لي أبدأ أصلح اللي أقدر عليه.
صبحي قام من مكانه، وطلب من الكل يرجع يقعد علشان العزومة ما تتحولش لخناقة.
وبعد ما الناس هديت، فتح ملف الأرض تاني، وشرح لصابر إن أي تصرف فيها لازم يكون واضح ورسمي، وإن حقوق الأطفال لازم تتصان من غير ما حد يستغل الموقف لمصلحته.
لكن صابر فاجأنا كلنا لما قال: — أنا مش عايز الأرض ولا الفلوس دلوقتي. أنا عايز بنتي تعرفني، وعايز أرجع أبقى جزء من حياتها.
رديت عليه: — ده حقك، بس لازم تبني علاقتك بيها واحدة واحدة، وتثبت بأفعالك إنك اتغيرت. منة مش هتتحمل وعد جديد يتكسر.
وبعد كلام طويل، اتفقنا إن صابر يبدأ يتواصل مع بنته ويشوفها في أوقات مناسبة ليها، من غير ضغط عليها، وإن أي خلاف على الأرض يتراجع فيه مع محامٍ علشان كل واحد ياخد حقه بالقانون.
الليلة دي انتهت من غير ما حد يمشي زعلان من العزومة، لكن صابر خرج وهو شايل في قلبه أسئلة كتير عن السنين اللي ضاعت منه.
وبعد أسبوع، حصلت مفاجأة جديدة!
كنت راجعة من شغلي، ولقيت صبحي قاعد قدام البيت، وحاطط قدامه ورقة رسمية.
سألته: — خير يا صبحي؟ إيه الورقة دي؟
بص لي وقال: — صابر جه النهارده، وكان معاه طلب غريب. قال إنه عايز يعمل حاجة علشان منة، بس قبل ما يوقّع أي ورق، لازم نتأكد إن الخطوة دي في مصلحتها فعلًا.
قلبي اتقبض وسألته: — طلب إيه؟!
صبحي مد لي الورقة وقال: — صابر عايز ينقل جزء من حقه في الأرض باسم منة، علشان يضمن مستقبلها، لكن فيه شرط مكتوب في آخر الصفحة لازم نفهمه كويس.
مسكت الورقة وبدأت أقرأ، ولما وصلت لآخر سطر، اتسعت عيني من الصدمة!
لأن الشرط ما كانش متعلق بالأرض وحدها، لكنه كان ممكن يغيّر شكل حياة منة بالكامل!
### الجزء الرابع: الشرط اللي صدم سمر!
فضلت ماسكة الورقة وبقرأ آخر سطر أكتر من مرة، ومش مصدقة اللي مكتوب.
بصيت لصبحي وقلتله: — هو صابر عايز إيه بالظبط؟ وإيه علاقة مستقبل منة بالشرط ده؟
صبحي أخد الورقة مني وقال: — هو عايز يضمن إن منة تفضل على تواصل معاه، وإن حقها في الأرض يفضل محفوظ ليها لحد ما تكبر. لكن فيه بند محتاج مراجعة قانونية، وأنا مش عايزك تقلقي قبل ما نفهم كل حاجة.
قعدت جنبه وأنا بفكر. عمري ما كنت بطمع في فلوس صابر ولا في أرضه، كل اللي كنت عايزاه إن بنتي تعيش مستقرة، وما تحسش إنها مضطرة تختار بيني وبين أي حد.
قلت لصبحي: — أنا مش عايزة منة تحس إننا بنمنعها عن أبوها، وفي نفس الوقت مش عايزاها تتعرض لضغط أكبر من سنها.
رد عليا: — وده الصح. إحنا مش هنحرمها من أبوها، ولا هنسمح لأي حد ياخد قرار مصيري بدلًا منها من غير ما نفهم عواقبه.
تاني يوم، صابر جه البيت لوحده، وكان شكله مختلف عن يوم العزومة. مفيش صوت عالي ولا عصبية، وكان واضح إنه جاي يتكلم بهدوء.
قعد في الصالون، وبص لي وقال: — يا سمر، أنا عارف إني مليش عين أطلب منك حاجة بعد كل السنين دي، بس أنا فعلًا عايز أصلح اللي فات.
قلتله: — الإصلاح مش بالكلام يا صابر. بنتك محتاجة تشوف منك اهتمام حقيقي، مش مجرد وعود.
هز راسه وقال: — عندك حق. وأنا مستعد أبدأ من جديد، حتى لو أخد مني سنين.
في اللحظة دي، منة خرجت من أوضتها، ولما شافته وقفت عند الباب.
صابر ابتسم لها وقال: — عاملة إيه يا منة؟ المدرسة أخبارها إيه؟
ردت بتردد: — الحمد لله.
سألها عن دراستها، وعن المواد اللي بتحبها، وعن أصحابها. وفي الأول كانت بترد بكلمات قليلة، لكن مع الوقت بدأت تحكي له عن مسابقة الرسم اللي اشتركت فيها، وإنها نفسها تكسبها.
صابر سمعها باهتمام، ووعدها إنه ييجي يشوف رسوماتها في المعرض المدرسي، بعد ما نتأكد من الموعد المناسب.
ولما مشي، منة بصت لي وقالت: — ماما، هو ممكن فعلًا يتغير؟
حضنتها من غير ما أضغط عليها، وقلت: — الناس ممكن تتغير يا حبيبتي، بس إحنا بنعرف ده من أفعالهم مع الوقت، مش من كلامهم بس.
عدت أسابيع، وصابر بدأ يلتزم بكلامه. بقى يسأل على منة بانتظام، ويهتم بدراستها، ولما كان بيحدد ميعاد يشوفها، كان بيحاول يحترمه.
أما صبحي، فكان بيتعامل مع الموضوع بحكمة. عمره ما حاول يمنع منة من التواصل مع أبوها، وكان دايمًا يقول لها: — يا بنتي، أنا ربيتك وحبيتك كأنك بنتي، وده عمره ما هيتغير. وجود أبوكي في حياتك مش معناه إن مكانك هنا اتغير.
الكلام ده كان بيطمن منة، وبيخليني أنا كمان أحس إن اختياري لصبحي كان نعمة كبيرة في حياتنا.
وبعد شهر تقريبًا، جه يوم معرض المدرسة.
منة كانت واقفة جنب لوحاتها، وعينيها بتدور على باب القاعة. وفجأة، شافت صابر داخل ومعاه علبة ألوان جديدة، لكنه ما قدمهاش لها على إنها تعويض عن السنين اللي فاتت؛ ابتسم وقال لها: — دي هدية بسيطة، علشان تكملي الرسم اللي بتحبيه.
منة فرحت، وورته لوحتها، وصابر فضل يسألها عن كل تفصيلة فيها.
وفي نهاية اليوم، منة كسبت جائزة تشجيعية، وجريت عليا وعلى صبحي وهي بتضحك من الفرحة.
صابر كان واقف بعيد شوية، ولما شافها، صفق لها بكل فخر.