حكايات زهره
**جوزي سابني أنا وبنتي ومشي، وبعد سنين رجع يطالب ببنته، لكن لما عرف إني اتجوزت راجل غيره، حصلت مفاجأة قلبت العزومة كلها!**
لما صابر جوزي لمّ هدومه وطفش من البيت من غير ما يبص وراه، بنتي منة كانت لسه مكملة 3 سنين.
أخد فلوسه وهدومه، وسابلي ورقة طلاقي مستنية إمضتي، وسبني أنا وبنته نواجه الدنيا لوحدنا.
في الأول، كنت فاكرة إنه مشي بسبب ضغوط الحياة، ورفضت أمضي الورقة، لحد ما عرفت تاني يوم إنه ساب بيته ومسؤولياته، وراح يعيش مع نوال جارتنا، اللي كانت متجوزة راجل أكبر منها بسنين.
وقتها مضيت الورقة، وفهمت إنه مش راجع خلاص، وإنه قرر يسيبني أواجه كلام الناس ومشاكل الحياة لوحدي.
الناس قعدت تتريق عليا وتقول إني ست فاشلة، وما عرفتش تحافظ على بيتها وجوزها.
الغريب إني مقدرتش أعيط، كنت بسمع كلامهم وأسكت، وكأني فقدت القدرة حتى على الزعل.
أما عم صبحي، جوز نوال، فكان حاله من حالي. راجل بسيط عاش عمره بيشتغل ويتعب، وفجأة لقى نفسه لوحده بعد ما مراته سابت البيت ومشيت.
كان بيقعد تحت شجرة الجميز الكبيرة في أول البلد، ساكت وحاطط إيده على خده، وعينيه باين فيها وجع سنين.
في يوم، خدت بنتي منة ورحت قعدت جنبه، وبصيت له وقلت:
— تتجوزني يا عم صبحي؟
رفع راسه وبصلي باستغراب، وقال:
— إنتِ بتقولي إيه يا ست سمر؟ أنا مش فاهم!
قلت له بهدوء:
— إحنا الاتنين اتظلمنا، وكل واحد فينا بقى شايل مسؤولية عيال لوحده. إيه رأيك نستر على بعض، ونبني بيت جديد، ونربي العيال سوا؟ يمكن ربنا يعوضنا عن اللي شوفناه.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
— بس فكري كويس يا سمر، أنا راجل على قد حالي، وكل اللي أقدر أوعدك بيه إني أصونك وأصون بنتك.
ابتسمت وقلت:
— وده كل اللي أنا عايزاه.
مشيت من عنده وأنا فاكرة إني هستنى كتير، لكن تاني يوم الصبح كلمني وقال:
— أنا موافق، وربنا يجعلني سبب خير ليكي وللبنتين.
ابتسمت بارتياح وقلت له:
— أول ما عدتي تخلص، نتفق على كل حاجة.
وفعلًا، أول ما العدة خلصت، لمّيت هدومي وحاجتي وحاجات بنتي، وانتقلت لبيته، وبدأنا حياة جديدة على قد إمكانياتنا.
أنا ست مطلقة، وهو راجل مراته سابت بيته، ومعانا طفلين مالهمش ذنب في اللي حصل. بقينا أربعة في بيت واحد، وكل واحد فينا بيحاول يعوض التاني عن اللي خسره.
الخبر لف البلد كلها في يوم واحد!
أمي جت لحد باب البيت، وفضلت تعاتبني بصوت عالي وتقول:
— إنتِ إزاي تتجوزي من غير ما ترجعي لأهلك؟ وإزاي تختاري راجل أكبر منك؟
وأبويا غضب جدًا، وقال إنه مش موافق على الجوازة دي، وإنه مش هيقبل إني أعيش بالطريقة دي.
لكن المرة دي، كنت أخدت قراري.
قلت لهم:
— أنا اتجوزته على سنة الله ورسوله، وهدفي أعيش في الحلال وأربي بنتي. مش هسيب راجل وقف جنبي وقت ما الدنيا كلها سابتني، لمجرد إن الناس مش عاجبها اختياري.
أمي قالت باستهزاء:
— ده راجل مراته سابته، وإنتِ فاكرة إنه هيقدر يسعدك؟
بصيت لها وقلت:
— السعادة مش بالسن ولا بكلام الناس، السعادة في راحة البال والاحترام، وعم صبحي عمره ما قلل مني ولا من بنتي.
ومع الأيام، بدأت أكتشف إني اخترت راجل أصيل بجد.
صبحي كان بيشتغل من الصبح لحد بالليل، وأنا كنت بساعده على قد ما أقدر. كنا بنوفر كل قرش، ونتعب علشان نأمن مستقبل العيال.
وكان بيعامل منة كأنها بنته بالظبط، يفرح لفرحها، ويزعل لو شافها متضايقة، وعمره ما حسسها إنها غريبة عن بيته.
ومع إن جواه كان فيه وجع من اللي حصل، عمره ما خلّى البنت تدفع تمن أخطاء الكبار.
السنين جرت، والبيت البسيط اللي كان محتاج يتصلح من كل ناحية، بقى بيت واسع ومريح، وشغلنا اتحسن، وربنا رزقنا من وسع.
والناس اللي كانت بتضحك علينا زمان، بقت تيجي تطلب مننا المساعدة، وناس كتير بدأت تحترم صبحي بعد ما شافت تعبه وأخلاقه.
أما أنا، فكنت كل يوم بحمد ربنا إنه عوضني براجل بيحترمني، وبيعتبر بنتي بنته، وبيخاف على مصلحتها زي أي أب.
وبعد تمان سنين كاملة، رجع صابر ونوال للبلد فجأة!
رجعوا بعد ما غابوا كل السنين دي، وقرروا إنهم عايزين يرجعوا يتدخلوا في حياة ولادهم من جديد.
لكن المفاجأة الكبيرة كانت لما عرف صابر إني اتجوزت صبحي رسمي، وإننا بقينا عيلة واحدة، وإن بنتي منة عاشت معاه تمان سنين وهو اللي رباها ووقف جنبها.
صابر اتصدم، وفضل يسأل الناس إزاي حصل الكلام ده، وإزاي أنا قدرت أبدأ حياة جديدة من غيره.
أما نوال، فلما عرفت إن صبحي بقى عنده بيت مستقر وحياة محترمة، ما قدرتش تخفي اندهاشها.
وفي نفس اليوم، كنا عاملين عزومة كبيرة للأهل والجيران احتفالًا بنجاح العيال، زي ما اتعودنا كل سنة.
السفرة كانت مليانة أكل، والبيت كله فرحة وضحك، والعيال قاعدين جنب بعض مبسوطين.
وفجأة، الباب اتفتح ودخل صابر ومعاه نوال، من غير أي مقدمات.
صابر قرب من السفرة وخبط عليها بإيده بقوة، لدرجة إن الكل سكت، والأطباق اتهزت من مكانها.
وبصلي قدام الناس كلها، وقال بصوت عالي:
— إنتِ إزاي تتجوزي صبحي؟ وإزاي تسمحي إن بنتي تعيش في بيته وتعتبره أبوها؟ أنا رجعت، وجاي آخد بنتي!
ساعتها، صبحي قام من مكانه بهدوء، وبص لصابر وقال جملة واحدة خلت كل اللي قاعدين يبصوا لبعض في صدمة:
— بنتك؟ طب قبل ما تطلبها، جاوبني على سؤال واحد... إنت كنت فين طول تمان سنين؟!
لكن اللي حصل بعد السؤال ده، والورقة اللي صبحي قام وجابها من دولابه، كانت مفاجأة محدش في العزومة كلها يتوقعها!
الجزء التاني: الورقة اللي قلبت الموازين!
صابر وقف مكانه، وبص لصبحي بعصبية وقاله:
— إنت مالكش دعوة أنا كنت فين! أنا أبوها، ومن حقي آخد بنتي وأربيها بنفسي!
صبحي رد عليه بهدوء: — محدش قال إنك مش أبوها يا صابر، بس الأبوة مش كلمة بتقولها وقت ما تحب. الأبوة مسؤولية، وإنت اللي اخترت تبعد عنها تمان سنين كاملة.
صابر خبط بإيده على السفرة تاني وقال: — أنا مش جاي أتحاسب عندك! أنا جاي آخد حقي!
هنا أنا وقفت من مكاني، وبصيت له بثبات وقلت: — حقك؟! إنت فاكر إنك لما تمشي وتسيب بنتك وهي عندها تلات سنين، وترجع بعد تمان سنين، هتلاقيها واقفة مستنياك بنفس الشكل؟ دي بنتي اللي سهرت عليها، وتعبت علشانها، ومرضت وأنا بحاول أوفر لها كل حاجة. فين كنت لما كانت بتعيط وتسألني أبوها فين؟!
صابر اتلخبط، لكنه حاول يداري ارتباكه وقال: — أنا كنت بجهز نفسي علشان أرجع أعيش معاها حياة أحسن.
صبحي فتح الدولاب، وطلع ملف قديم، وحطه قدام صابر على السفرة.
وقال: — طيب، قبل ما تتكلم عن الحياة الأحسن، بص على الورق ده.
صابر فتح الملف، وأول ما شاف الورقة الأولى، وشه اتغير.
كانت ورقة فيها إقرار قديم بخروجه من البيت وتركه مسؤولية بنته، ومعاها مستندات بتوضح إن سمر هي اللي كانت بتتحمل كل مصاريف منة، من أكل ولبس وتعليم وعلاج.
صابر رفع عينه وقال بعصبية: — إنت جبت الورق ده منين؟!
صبحي رد: — الورق ده مش بتاعي، ده حقائق عشناها كلنا. أنا ما جبتوش علشان أذلك، لكن علشان تفهم إنك مش هتقدر تمسح تمان سنين بكلمتين.
في اللحظة دي، منة، اللي بقت عندها حوالي إحدى عشرة سنة، قامت من جنب إخواتها، ووقفت ورايا وهي بتبص لأبوها بحيرة.
صابر أول ما شافها، مد إيده ناحيتها وقال: — تعالي يا منة، أنا أبوكي، وإنتِ هتيجي تعيشي معايا من النهارده.
منة بصت له، وبعدها بصت لصبحي، وقالت بصوت متردد: — هو حضرتك بابا اللي ماما كانت بتحكيلي عنه؟
صابر هز راسه بسرعة وقال: — أيوه يا حبيبتي، أنا بابا.
منة سكتت شوية، وبعدها سألته السؤال اللي خلّى كل اللي في البيت يحسوا بوجعها:
— طب إنت ليه ما جيتش لما كنت بعيط في المدرسة علشان كل صحابي كانوا بييجوا مع باباهم؟ وليه مكنتش بتيجي في حفلات نجاحي؟ وليه عم صبحي هو اللي كان بيقف جنبي كل مرة أحتاج فيها حد؟
صابر فتح بقه علشان يرد، لكن الكلام ما طلعش منه.
أما صبحي، فكان واقف في مكانه، وعينيه مليانة تأثر، لكنه ما حاولش يلقّن منة أي كلام، ولا يمنعها من إنها تسمع أبوها.
نوال حاولت تتدخل وقالت: — يا بنتي، الظروف كانت صعبة، وإحنا رجعنا علشان نعوضكم عن اللي فات.
منة بصتلها وقالت: — أنا مش عايزة حد يعوضني بفلوس أو هدايا. أنا كنت محتاجة حد يسأل عليا، حتى لو بمكالمة واحدة.
الكلام نزل على صابر تقيل، ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، نبرة صوته هديت.
قال: — أنا غلطت، بس أنا أبوكي في النهاية.
أنا رديت عليه: — محدش بيقدر يغير الحقيقة دي، لكن بنتي مش شنطة تقدر تيجي في أي وقت وتاخدها. لو عايز تدخل حياتها، يبقى لازم تعمل ده بطريقة تحافظ على نفسيتها ومستقبلها، ومن غير ما تخوفها أو تضغط عليها.
صبحي قفل الملف، وقال: — البنت ليها حق تشوف أبوها وتعرفه، لكن مصلحتها هي اللي لازم تكون الأولوية، وأي خلاف بين الكبار ما ينفعش يتحط على كتفها.
صابر بص لصبحي بغضب وقال: — إنت عايز تاخد مكاني وتبقى أبوها بدل مني!
صبحي رد عليه بمنتهى الهدوء: — أنا مش محتاج آخد مكان حد. أنا عملت اللي قدرت عليه علشان البنت تعيش في أمان، ومش هطلب منها تنسى أبوها علشاني. لكن برضه مش هسمح إن حد يهد البيت اللي اتبنى بتعب السنين.
وفجأة، منة مسكت إيد صبحي وقالت قدام الجميع:
— أنا بحب بابا صبحي، ومش عايزة أسيب ماما ولا إخواتي. ولو بابا صابر عايز يعرفني، أنا ممكن أتعرف عليه، بس مش عايزة حد يجبرني أعيش في مكان أنا مش مستعدة أروحه.
صابر حط إيده على وشه، وقعد على الكرسي اللي قدامه، وكأن كل الكلام اللي كان محضره اختفى من دماغه.
لكن المفاجأة ما كانتش خلصت لسه!
لأن نوال، اللي كانت ساكتة طول الوقت، فتحت شنطتها وطلعت ظرف قديم، وقالت وهي بتبص لصابر:
— بما إننا فتحنا موضوع السنين اللي فاتت، يبقى لازم أقول الحقيقة كاملة. إحنا ما رجعناش علشان العيال وبس، فيه موضوع تاني لازم تعرفه يا صابر، وكنت ناوية أقولهولك بعد العزومة.
صابر رفع راسه بسرعة وقال: — موضوع إيه؟!