روحت أزور اهلي حكايات محمد نور
أجلس بجانبها وأفتح الستارة لتدخل الشمس.
في ليلة هادئة، سألتني
قشطة عامل إيه يا ابني؟
ابتسمت وقلت لها إنه بياكل عند عم حسن وبقى أحسن.
ضحكت قليلًا، ثم قالت
أصعب حاجة ما كانتش إني قاعدة في الضلمة. أصعب حاجة كانت إني أسمع الناس ماشية برّه، وأبقى عارفة إن الدنيا عايشة وأنا مش قادرة أقول لهم إني هنا.
حكت لي إن جنى كانت تدخل لها المية أو الفاكهة أحيانًا، وفي أوقات أخرى لم تكن تملك إلا أن تمرر لها رسمة من تحت الباب.
قالت
الرسومات دي كانت بتخليني أحس إن فيه حد فاكرني.
ولما زارتها جنى، وقفت عند الباب تبكي
يا تيتة، أنا كنت عارفة...
مدت أمي يدها وقالت
عارفة إنك كنتِ بتجيبي لي المية يا حبيبتي. تعالي اقعدي جنبي.
لم تعاتبها، بل طمأنتها وسألتها عن المدرسة والرسومات. كانت تريدها أن تفهم إن ما حدث ليس ذنبها.
أما التحقيقات، فكشفت تناقضات كبيرة في كلام سعاد. التقرير الطبي، وصور الباب والسلسلة، وشهادات الجيران، والتحويلات المالية، والاتفاق المبدئي على بيع الأرض، كلها دعمت القضية.
اتخذت إجراءات لحماية أمي والحفاظ على ملكية الأرض، وتوقفت محاولة البيع. كما بدأت إجراءات مراجعة الأموال التي أرسلتها، ولم يعد بإمكان أحد التصرف في حق أمي من غير حساب.
بعد خروجها من المستشفى، رجعت بها إلى البلد. كانت الحاجة أمينة وعم حسن في انتظارنا، ومعهما قشطة.
أول ما رأته أمي، ربّتت على رأسه، فظل واقفًا بجانبها كأنه لا يريد الابتعاد.
بعد أيام، سألتها عن الانتقال للقاهرة
تيجي تعيشي معايا؟ هبقى جنبك والمستشفيات قريبة.
نظرت إلى الأرض وقالت
ومين هيهتم بالجنينة؟
ثم أضافت
أنا عايزة أرجع لبيتي وأرضي، بس عايزاك توعدني بحاجة. ما تسيبش حد تاني يبقى هو عينك اللي تشوفني بيها. لو مش هتعرف تيجي، كلمني بنفسك واسألني أنا محتاجة إيه.
ما قدرتش أرد بسرعة. كنت فاكر إن الفلوس كفاية عشان أكون ابن بار، لكن اكتشفت إنها تشتري الدوا والأكل، ولا تضمن إن الشخص اللي بتحبه بخير.
قلت لها
حقك عليّا يا أمي. مش هسيب حاجة تخصك لحد تاني من غير ما أتأكد بنفسي.
ضغطت على إيدي وقالت
اللي فات فات. المهم إننا نتعلم منه.
رجعت القاهرة أيامًا قليلة ورتبت شغلي، ونقلت جزءًا أكبر من المسؤوليات لشريكي، وبدأت أتابع ما أقدر عليه من البلد. اتفقت مع عم حسن على مساعدتها وقت غيابي، ونظمت مواعيد علاجها وزياراتها.
أما جنى، فاستقرت مع أقارب موثوقين، وبمساعدة الجهات المختصة بدأت تقضي وقتًا معنا وتكمل دراستها. أمي لم تحملها مسؤولية ما فعله أهلها، بل عاملتها كحفيدتها وساعدتها تبدأ من جديد.
أصلحنا شبابيك البيت، وغيّرنا الأقفال، وجعلنا كل باب سهل الفتح والإغلاق. في البداية، كانت أمي تخاف الخروج للحوش، لكننا لم نستعجلها.
كانت جنى تمشي بجانبها، وقشطة يجري أمامهما بين الزرع. وبعد فترة، وصلت أمي بنفسها إلى أول شتلة طماطم وسقتها.
ثم قالت لي
هات لي شوية تراب من الناحية التانية يا يوسف. عايزة أزرع هنا كمان.
كانت لحظة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أكبر من أي انتصار. أمي رجعت تتحرك في أرضها بإرادتها، من غير خوف ولا سلاسل.
وبعد شهور، عادت إلى السوق الأسبوعي. كانت تتحدث مع نساء القرية، وجنى تضع رسوماتها بجانب أكياس البذور. أحيانًا كانت أمي تحكي ما حدث، وأحيانًا
تفضل الصمت. فهمنا أن التعافي لا يعني النسيان، وأن من حقها اختيار متى تحكي ولمن.
وفي عصر يوم، وجدتها جالسة عند الباب، تنظر إلى الرسمة التي صنعتها جنى وهي محپوسة.
قالت لي
فاكر لما كنت بتسألني ليه مش عايزة أسيب البيت ده؟
فاكر يا أمي.
أشارت إلى الرسمة
زمان كنت ببص للباب وأستنى حد يفتحه لي. دلوقتي ببص له وأنا عارفة إني أقدر أخرج وقت ما أحب.
ثم أخذت جردل الري وخرجت إلى الجنينة، وقشطة يمشي بجانبها، وجنى تضحك خلفهما.
فضلت واقفًا عند الباب أفكر في كل ما حدث.
رجعت القرية وأنا فاكر إني جاي أقضي كام يوم مع أمي، لكن اكتشفت إن أقرب الناس ممكن يخفوا عنك الحقيقة، وإن الثقة من غير متابعة ممكن تتحول إلى غفلة طويلة.
واتعلمت إن بر الوالدين مش مجرد تحويل فلوس أو شراء هدايا. أحيانًا يبدأ بمكالمة صادقة، وسؤال حقيقي، ووقت تمنحه للشخص الذي أعطاك عمره.
أما أمي، فكانت كل يوم تفتح باب بيتها بإيديها وتخرج تسقي الزرع.
وفي كل مرة كنت أشوفها، كنت أحس إننا استعدنا أكثر من الأرض والبيت.
استعدنا الأمان، وحقها في إنها تعيش حرة في بيتها من غير خوف.
وفي يوم، وأنا بساعدها تجمع محصول الطماطم، قالت
الحمد لله إنك رجعت يا ابني.
ابتسمت وقلت
الحمد لله إني لحقتك يا أمي.
هزت رأسها وقالت
المهم إنك ما تسيبش حد تحبه من غير ما تطمّن عليه بنفسك.
فضلت فاكر الجملة دي، لأنها كانت الحقيقة اللي غيرت حياتي كلها.
أحيانًا، أكبر خسارة مش إنك تبقى بعيد عن اللي بتحبهم، لكن إنك تفتكر إن كل حاجة بخير لمجرد إن حد قال لك كده.
والنهارده، كل ما أرجع من القاهرة وأشوف باب بيت أمي مفتوح، والجنينة خضرا، وقشطة نايم في الشمس، بعرف إن أهم حاجة رجعت لنا ما كانتش مجرد بيت اتفتح.
كانت حياة كاملة رجعت تتنفس من جديد.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد