أم مراتي حكايات ميراا حصري

لمحة نيوز

مستني إجابة عن سؤال ملوش إجابة سهلة.
عايزاك تعيش مع بناتنا، وتفرح بنجاحهم، وتعلمهم يكونوا طيبين وقويين، وتفضل تحكيلهم عن الأيام اللي كنا بنحلم فيها بمستقبلهم.
ولو جه يوم وحسيت فيه إنك محتاج حد يقف جنبك، متعتبرش ده خيانة لذكرايا. إنت إنسان، ومن حقك تلاقي السند والراحة.
وقفت عند آخر جملة.
كنت فاكر إن مريم عايزاني أفضل عايش على ذكراها وبس، لكن الرسالة فهمتني إنها كانت بتتمنى أشوف المستقبل كمان.
تاني يوم، رحت المقابر مع بنتَيَّ وحماتي.
وقفت قدام قبر مريم، وحطيت الورد، وقلت بصوت واطي
أنا لسه بفتقدك يا مريم، ولسه فيه أيام صعبة، لكن بوعدك إني هفضل أحاول. هربي بناتنا على الحب اللي علمتيهولي، ومش هخليهم أبدًا يحسوا إن وجودهم كان سبب غيابك.
حماتي كانت واقفة جنبي، ولما خلصت كلامي، مسكت إيدي وقالت
تعالى يا أحمد، البنات مستنيينك.
رجعت معاهم البيت، ولقيت البنتين بيجروا ناحيتي، وكل واحدة فيهم بتناديني
بابا! بابا!
شيلتهم بين إيديا، وبصيت لوشوشهم الصغيرة.
وقتها فهمت إن الحكاية اللي بدأت بأصعب قرار في حياتي، مش لازم تنتهي عند الندم.
لأن مريم سابتلي أمانة غالية، وأكبر وفاء ليها إني أحافظ على الأمانة دي، وأدي بناتنا الحياة اللي كانت بتحلم بيها ليهم.
وبعد مرور سنة كاملة، حصل موقف مكنتش أتخيل إنه هيغيّر حياتي بالطريقة دي.
كنت راجع من الشغل، ولقيت حماتي قاعدة في الصالة، وقدامها ألبوم صور قديم لمريم.
أول ما شافتني، قالت
يا أحمد، تعالى اقعد جنبي شوية. فيه حاجة لازم أقولها لك.
قلقت من نبرة صوتها، وقعدت جنبها.
طلعت صورة لمريم وهي صغيرة، وكانت واقفة في جنينة بيت أهلها، ووراها شجرة كبيرة.
سألتني
فاكر البيت القديم اللي كانت مريم بتحب تزوره؟
هزيت راسي.
قالت قبل ما تتجوزك، كانت بتحلم إنها تصلّح البيت ده، وتخليه مكان يجمع العيلة كلها. كانت بتقول إن نفسها بناتها يكبروا وهما حواليهم ناس بتحبهم.
ابتسمت بحزن وقلت
كانت بتحكيلي عن البيت ده فعلًا، بس عمرها ما قالتلي إنه كان مهم عندها للدرجة دي.
حماتي سكتت لحظة، وبعدين طلعت مفتاحًا قديمًا من شنطتها.
البيت لسه موجود يا أحمد. وأنا قررت أفتحه تاني، بس مش هقدر أعمل ده لوحدي.
بصيت للمفتاح، وبعدها بصيت لها.
إنتِ عايزاني أساعدك نصلحه؟
ابتسمت وقالت
عايزانا نرجع نعيش فيه الذكريات الحلوة، ونخلق ذكريات جديدة للبنات.
في الأسبوع التالي، أخدت إجازة من الشغل، وروحت البيت معاها.
كان محتاج تصليحات كتير، والدهان قديم، والجنينة مليانة حشائش، لكن أول ما دخلت، حسيت إن المكان محتفظ بجزء من مريم.
في إحدى الغرف، لقينا رسومات قديمة كانت عاملاها وهي طفلة، وفي درج خشبي لقينا دفترًا صغيرًا مكتوبًا على غلافه
أحلامي للمستقبل.
فتحته، وبدأنا نقرأ أحلامها البسيطة؛ بيت هادي، عيلة متحابة، وأطفال يكبروا وهم مطمئنين.
حماتي مسحت دموعها وقالت
بنتي كانت بتحلم بحاجات بسيطة أوي، لكن الحياة ساعات بتاخد مننا أكتر مما نتخيل.
بصيت لها وقلت
يمكن مقدرناش نحقق كل أحلامها، لكن نقدر نحقق اللي لسه في إيدينا.
وبدأنا نصلح البيت خطوة بخطوة.
بعد شهور، بقت الجنينة مليانة ورد، والغرف رجعت تنور من جديد، والبنات بقوا يجروا في الممرات ويضحكوا بصوت عالي.
وفي يوم، وأنا واقف في الجنينة، بنتي الكبيرة قربت مني وسألتني
يا بابا، هو البيت ده كان بتاع ماما؟
نزلت لمستواها وقلت
أيوه يا حبيبتي، وماما كانت بتحبه جدًا.
سألتني ببراءة
طب هي كانت هتفرح لو شافتنا هنا؟
ابتسمت
كانت هتفرح أوي.
وفي اللحظة دي، سمعت حماتي بتنادينا من الشرفة، وكانت مجهزة لنا الغدا زي ما كانت بتعمل زمان.
بصيت للبيت، وللبنات، وللسماء، وحسيت إن الحزن لسه موجود، لكنه مبقاش الشيء الوحيد اللي بيفكرني بمريم.
أخيرًا فهمت إن فقدان شخص بنحبه مش معناه إن حياتنا لازم تقف عند اللحظة اللي فقدناه فيها؛ أحيانًا بنقدر نحافظ على ذكراه بأننا نكمل الأحلام اللي كان نفسه يشوفها حقيقة.
وفي ليلة هادية، بعد ما البنات ناموا، كنت قاعد في البيت القديم بقلب في دفتر مريم، وفجأة لقيت ورقة ملزوقة في آخر صفحة، كأنها كانت مخبياها عن أي حد يفتح الدفتر.
كان مكتوب عليها
يا أحمد، لو قدرت تحقق حلم البيت، فيه شخص لازم تدور عليه. الشخص ده يعرف حكاية من حياتي محدش يعرفها غيره، وأنا طلبت منه يحتفظ بيها لحد ما ييجي الوقت المناسب.
اتجمدت مكاني.
مين الشخص ده؟ وإيه الحكاية اللي مريم كانت مخبياها؟
تاني يوم، وريّت الورقة لحماتي، لكنها أول ما قرأتها، اتغيرت ملامحها.
سألتها بقلق
إنتِ تعرفي حاجة عن الكلام ده؟
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أيوه يا أحمد. فيه شخص كان قريب من مريم قبل جوازكم، وكنت فاكرة إنها حكتلك عنه.
حسيت بالقلق، وسألتها
مين؟
ردت
خالد، ابن خالها. هو اللي ساعدها زمان لما كانت بتحاول تحقق أول حلم ليها، وكان عارف قد إيه البيت ده مهم عندها.
اتصلت بخالد، وحددنا ميعاد نتقابل فيه.
لما جه، سلم عليَّ وقعدنا في الجنينة. طلّع من شنطته صندوقًا صغيرًا، وقال
مريم سابت عندي الصندوق ده من سنين، وطلبت مني أديهولك لو في يوم رجعتوا البيت ده.
فتحت الصندوق، ولقيت جواه رسومات قديمة للبيت، وصورًا لمريم وهي صغيرة، وورقة مكتوب فيها بخطها
أحمد، البيت ده كان حلمي من قبل ما أعرفك، لكن لما اتجوزتك، بقيت أتمنى إننا نحققه سوا. ولو مقدرناش، أتمنى إن بناتنا يعيشوا فيه يومًا.
بصيت لخالد وسألته
ليه مريم مقلتليش على كل ده؟
رد بهدوء
يمكن لأنها كانت عايزة تفاجئك لما البيت يجهز. كانت بتجمع الرسومات وتخطط للتجديد من زمان، وكانت متحمسة جدًا للفكرة.
حسيت بحزن كبير، لكن المرة دي كان حزنًا مختلفًا؛ حزن على حلم جميل مكنتش أعرف عنه كل التفاصيل.
بعد ما خالد مشي، دخلت البيت، ولقيت بنتَيَّ بيلعبوا وسط الرسومات.
قعدت معاهم، وبدأت أحكيلهم عن أمهم، وعن البيت اللي كانت بتحبه، وعن أحلامها اللي كانت بتتمنى تشوفها تتحقق.
وبينما كنت بحكي، قالت بنتي الصغيرة
يا بابا، إحنا ممكن نزرع ورد لماما هنا؟
ابتسمت، وقلت
طبعًا يا حبيبتي، ونختار سوا أجمل ورد في الدنيا.
وفي اليوم التالي، زرعنا الورد في الجنينة، وكتبنا اسم مريم على لوحة خشبية صغيرة جنب الشجرة.
ومن يومها، بقى البيت مكانًا بتجتمع فيه العيلة، وتتعالى فيه ضحكات البنات، وتفضل فيه حكايات مريم حاضرة في كل ركن.
لكن في يوم افتتاح الجنينة بعد التجديد، وصلني ظرف جديد من خالد، مكتوب عليه
يا أحمد، دي آخر رسالة من مريم، وفيها طلب أخير لازم تقرأه بنفسك.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جوابًا من مريم، ومعاه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها عنوان مكان قريب من البيت القديم.
بدأت أقرأ
حبيبي أحمد،
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى قدرت ترجع البيت اللي كنت بحلم بيه، وقدرت تخلي بناتنا يكبروا وسط الناس اللي بيحبوهم.
أنا فخورة بيك، حتى لو إنت لسه مش قادر تشوف ده بنفسك.
لكن فيه حاجة أخيرة نفسي تعملها عشاني.
روح للعنوان المكتوب في الورقة، وخد معاك البنات وأمي. هتلاقي هناك حاجة كنت بجهزها ليهم من قبل ما يتولدوا.
فضلت أبص للرسالة، وأنا بحاول أفهم مريم كانت تقصد إيه.
تاني يوم الصبح، أخدت البنات وحماتي، وروحنا للعنوان.
كان المكان مركزًا صغيرًا لرعاية الأطفال، وفيه حديقة واسعة وأوضة مليانة كتب وألعاب.
استقبلتنا مديرة المركز، ولما عرفت إننا أسرة مريم، ابتسمت وقالت
إحنا كنا مستنيينكم. مريم كانت بتيجي هنا قبل ولادتها، وكانت بتساعدنا في تجهيز مكتبة صغيرة للأطفال.
بصيت لها باستغراب.
مريم كانت بتعمل كل ده؟
هزت راسها وقالت
كانت بتحلم إن كل طفل يكون عنده فرصة يتعلم ويلعب ويحس بالأمان. وطلبت مننا نحتفظ بالمكتبة باسمها، ونستناكم لحد ما تكونوا مستعدين تشوفوها.
دخلنا الأوضة، ولقيت رفوف الكتب مترتبة، وعلى الحيطة لوحة مكتوب عليها
مكتبة مريم الصغيرة لكل طفل يستحق بداية جميلة.
حماتي حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
أما أنا، ففضلت واقف مكاني، مش قادر أصدق إن مريم كانت بتخطط لكل ده وهي مشغولة بتجهيز نفسها لاستقبال بنتيها.
مديرة المركز ادتني دفترًا، وقالت
مريم كتبت رسالة للأطفال اللي هييجوا المكتبة، وكانت عايزة بنتيها يكونوا أول ناس يسمعوها.
فتحت الدفتر، وبدأت أقرأ بصوت مسموع
يا أصدقائي الصغيرين،
يمكن تكونوا لسه مش عارفين أحلامكم هتوصلكم لفين، لكن متستعجلوش الحياة.
اتعلموا، والعبوا، واسألوا عن كل حاجة مش فاهمينها.
وافتكروا إن الإنسان مش بيتقاس بكمية الحاجات اللي عنده، لكن بالخير اللي بيقدر يسيبه في حياة غيره.
ولو قابلتوا يومًا حد حزين، حاولوا تكونوا سببًا في ابتسامته.
يمكن كلمة طيبة منكم تغيّر يومه كله.
لما خلصت القراءة، بنتي الكبيرة بصتلي وسألتني
يا بابا، ماما كانت بتحب الأطفال كلهم؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي، وكانت نفسها تساعدهم.
ردت بحماس
طب إحنا ممكن نيجي هنا كل أسبوع ونقرأ لهم قصص؟
بصيت لحماتي، ولقيتها بتبتسم وسط دموعها.
قلت للبنات
طبعًا. وهنخلي ده وعد بيننا وبين ماما.
ومن الأسبوع ده، بقينا نزور المكتبة بانتظام. البنات يختاروا القصص، وأنا أقرأ للأطفال، وحماتي تساعد في ترتيب الكتب وتجهيز الأنشطة.
ومع مرور الوقت، بقى المكان مليان ضحك وحكايات وصداقات جديدة.
وفي يوم، وأنا واقف قدام لوحة المكتبة، حسيت إن مريم أخيرًا بقت حاضرة في حياتنا بطريقة مختلفة؛ مش من خلال الحزن بس، لكن من خلال الخير اللي كانت بتتمنى تسيبه وراها.
رجعت البيت بالليل، وفتحت دفترها مرة أخيرة.
كان فيه سطر صغير في آخر صفحة، مكتوب بخطها
يا أحمد، متفتكرش إن آخر قرار أخدناه سوا هو اللي بيعرّف حكايتنا. حكايتنا الحقيقية هي كل الحب اللي عيشناه، وكل الخير اللي هيفضل موجود بعدنا.
قفلت الدفتر، وبصيت ناحية أوضة البنات.
كانوا نايمين في هدوء، وعلى الكومودينو صورتهم مع صورة أمهم.
وقتها فهمت إن مفيش رسالة تقدر ترجع مريم، ومفيش إجابة تقدر تمسح وجع الفقد تمامًا.
لكن كان عندي اختيار كل يوم إني أعيش أسيرًا للحظة اللي خسرتها فيها، أو أكون الأب اللي كانت بتتمنى بناتها يلاقوه جنبهم.
واخترت إني أكمل مش لأني نسيتها، لكن لأني هفضل أحبها وأنا ببني الحياة اللي حلمنا بيها سوا.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جوابًا من مريم، ومعاه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها عنوان مكان قريب من البيت القديم.
بدأت أقرأ
حبيبي أحمد،
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى قدرت ترجع البيت اللي
تم نسخ الرابط