أم مراتي حكايات ميراا حصري

لمحة نيوز

هقدر أشرح لك حاجة طبية مش من حقي أفسرها، لكن مريم كانت عايزاك ترجع للدكتور اللي كان متابع حالتها، وتسمع منه كل التفاصيل بدل ما تفضل تعذب نفسك بالتخمين.
في اللحظة دي، فهمت إن الرسائل مش هتديني الإجابة اللي بدور عليها لوحدها.
مسكت تليفوني، وطلبت رقم المستشفى الموجود في التقرير.
ولما الموظفة ردت، طلبت منها أوصل للدكتور اللي كان متابع حالة مريم يوم الولادة.
بعد دقائق من الانتظار، سمعت صوته على الطرف التاني.
عرفته فورًا.
كان هو نفس الدكتور اللي سألني يومها عن القرار.
قلتله بصوت مرتعش
يا دكتور، أنا أحمد، جوز مريم أنا محتاج أفهم اللي حصل يوم الولادة. بقالي تلات شهور مش عارف أنام، وكل يوم بسأل نفسي إذا كان فيه حاجة تانية كان ممكن أعملها.
سكت الدكتور للحظات، وبعدين قال
يا أستاذ أحمد، أنا فاكر حضرتك كويس، وفاكر اليوم ده بالتفصيل. لو تقدر تيجي المستشفى، فيه تفاصيل في الملف الطبي لازم نشرحها لك بهدوء.
سألته بلهفة
يعني كان فيه أمل؟
رد بحذر
مينفعش أديك إجابة من غير ما نراجع كل التفاصيل مع بعض، ومش عايز أقول لك كلام يديك أمل كاذب أو يخليك تلوم نفسك أكتر.
قفلت المكالمة، وبصيت لحماتي.
كانت واقفة جنبي، ولأول مرة من يوم وفاة بنتها، حطت إيدها على كتفي وقالت
أنا مش جاية النهارده عشان أحاسبك يا أحمد. أنا جاية عشان أساعدك تعرف الحقيقة، وتقدر تربي بناتك من غير ما تفضل شايل ذنب مش ذنبك.
وفي صباح اليوم التالي، أخدت بنتَيَّ مع أختي، ورحت المستشفى.
كنت خايف من الإجابة، لكن كنت عارف إن مفيش طريق تاني غير إني أواجه اللي حصل.
ولما دخلت مكتب الدكتور، فتح الملف الطبي، وبدأ يشرح لي حالة مريم قبل الولادة.
وبعد ما خلص مراجعة التقارير، رفع عينيه وبصلي وقال
يا أستاذ أحمد، فيه نقطة مهمة لازم تفهمها كويس قرارك في اللحظة دي لازم يتقيّم على أساس المعلومات اللي كانت متاحة وقتها، مش على أساس اللي حصل بعد كده.
وبعدين أشار إلى نتيجة في الملف، وقال
لكن فيه تفصيلة في تقرير مريم الأخير، لو فهمتها صح، هتساعدك تعرف ليه هي أصرت إنك تحافظ على حياة البنتين مهما حصل.
فضلت باصص للتقرير، مستني يكمل.
لأن المرة دي، مكنتش بدور على طريقة أرجع بيها الماضي
كنت بدور على الحقيقة اللي مريم سابتني عشان أعيش بيها المستقبل.
الدكتور سكت شوية، وبعدين لفّ شاشة الكمبيوتر ناحيتي وقال
يا أحمد، مراتك كانت عارفة إن الحمل فيه مخاطر، لكنها كانت بتتابع حالتها وبتحاول تعمل كل اللي تقدر عليه عشان توصل لليوم اللي تشوف فيه بناتها.
بصيتله وقلت بلهفة
طب ليه مصممة إنها تنقذ البنات حتى لو هي راحت؟ كانت عارفة إن ده ممكن يحصل؟
الدكتور رد بهدوء
مريم كانت مدركة إن حالتها خطيرة، لكنها مكنتش تعرف النتيجة مسبقًا، ومحدش كان يقدر يضمن إيه اللي هيحصل. وقت الأزمة، الفريق الطبي تعامل مع الوضع الطارئ، وإنت كنت تحت ضغط هائل.
حسيت إن الدموع بتغرق عيني.
بس أنا وافقت يا دكتور! أنا اللي قلت أنقذوا البنات!
رد عليَّ بحزم وهدوء
إنت كنت بتحاول تحافظ على حياة بناتك في موقف صعب جدًا. متقدرش تحمّل نفسك مسؤولية النتيجة لمجرد إنك وافقت على القرار اللي اتطلب منك.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ظرفًا صغيرًا.
مريم سابت ده عندنا، وطلبت إننا نسلمهولك لو احتجت ترجع تراجع تفاصيل حالتها. قالت إنك ممكن تفضل تسأل نفسك أسئلة كتير، وإنك هتحتاج تسمع منها كلام يطمنك.
مد إيده بالظرف.
فتحته، ولقيت صورة ليا أنا ومريم يوم ما عرفنا إننا هنرزق بتوأم. كنت شايل صورة السونار، وهي بتضحك وبتشاور على الشاشة.
وخلف الصورة، كانت كاتبة
يا أحمد، لو وصلت لليوم اللي مش هكونش فيه جنبك، عايزاك تفتكر إن أسعد لحظة في حياتي كانت لما عرفت إننا هنكون أب وأم لبنتين.
متخليش آخر يوم ليا يمسح كل الأيام الحلوة اللي عشناها سوا.
أنا اخترت أواجه مخاوفي، وإنت حاولت تحافظ على بناتنا. ومهما حصل، متخليش الحزن يقنعك إن حبك ليا كان ناقص.
انهرت في البكاء.
فضلت أكرر اسمها، كأني مستنيها تدخل من الباب وتقوللي إنها لسه موجودة.
لكن فجأة، افتكرت كلام حماتي عن السر اللي مريم كانت مخبياه.
بصيت للدكتور وسألته
طيب، هي كانت تقصد إيه بقرارها الأخير؟ فيه حاجة تانية غير موضوع الولادة؟
الدكتور رجع للملف، وقال
على حد علمي، مريم كانت رتبت بعض الأمور العائلية قبل الولادة، لكن التفاصيل دي لازم تسأل عنها أسرتها.
خرجت من المستشفى وأنا ماسك الصورة والجواب، وحاسس إني لأول مرة من تلات شهور قادر آخد نفسًا كاملًا.
لكن لما رجعت البيت، لقيت حماتي قاعدة مع بنتَيَّ، وبتقلب في صندوق قديم كانت مريم محتفظة بيه.
أول ما شافتني، قالت
كنت عارفة إنك هتروح للدكتور. دلوقتي أقدر أقولك على الجزء الأخير من الحكاية.
قعدت قدامها، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الصندوق وطلعت دفترًا صغيرًا.
مريم كانت بتكتب فيه كل حاجة عن البنات، من أول يوم عرفت فيه إنها حامل. وكانت عايزة تسيبهولهم لما يكبروا.
فتحت أول صفحة، ولقيت أسماء بنتَيَّ مكتوبة بخطها، وتحت كل اسم رسالة صغيرة.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كان مكتوب فيها
يا أحمد، لو بنتي الكبيرة سألتك يومًا عن أمها، متحكيلهاش بس عن اليوم اللي فقدتني فيه. احكيلها عن اليوم اللي اخترنا فيه أسماءهم، وعن ضحكتنا، وعن البيت اللي كنا بنحلم نبنيه سوا لأن دي هي حياتي الحقيقية، مش آخر لحظة فيها.
رفعت عيني لحماتي، وقلت
أنا مش عايز بناتي يكبروا وهم فاكرين إنهم السبب في موت أمهم.
حماتي مسكت إيدي وقالت
وده بالضبط اللي بنتي كانت عايزاه منك.
في اللحظة دي، سمعت صوت بكاء واحدة من البنات في الغرفة التانية.
قمت بسرعة وشيلتها، وفضلت أبصلها وهي بتفتح عينيها الصغيرتين.
ولأول مرة، بدل ما أسأل نفسي إذا كنت أخطأت يوم ولادتها، سألت نفسي سؤالًا مختلفًا
إزاي أخليها هي وأختها يعرفوا إن أمهم حبتهم من أول لحظة، وإن أبوهم هيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يعيشوا حياة مليانة حب وأمان؟
لكن قبل ما أقفل الدفتر، لاحظت إن فيه ورقة مطوية ورا الغلاف، مكتوب عليها اسمي.
فتحتها، وقرأت أول سطر
أحمد، فيه أمنية أخيرة ليا، ومحتاجة منك وعد
فتحت الورقة بسرعة، وبدأت أقرأ كلام مريم، وكل سطر كان بيخليني أحس إنها لسه موجودة معايا.
حبيبي أحمد،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى بناتنا كبروا شوية، ويمكن تكون بدأت تتعود على الحياة من غيري.
عارفة إنك هتفضل فاكر يوم الولادة، وهتسأل نفسك كل يوم إذا كنت تقدر تعمل حاجة مختلفة.
بس عندي طلب واحد، أرجوك متنساهوش.
قبل ما تعرف إني حامل في التوأم، كنت بتقولي إن نفسك يكون عندنا بيت صغير، فيه جنينة، والبنات يلعبوا فيها وإحنا قاعدين نتفرج عليهم.
أنا عايزاك تحقق الحلم ده، حتى لو مش معايا.
مش لازم يكون بيت كبير، ولا لازم يكون كل شيء مثالي. كل اللي يهمني إن بناتنا يكبروا وهما حاسين بالأمان، وإنهم يعرفوا إن أبوهم عمره ما تخلى عنهم.
وقفت عن القراءة، وبصيت ناحية البنات.
كانوا نايمين جنب بعض، وكل واحدة ماسكة صباع أختها الصغيرة.
رجعت للرسالة، ولقيت مريم كاتبة
وفيه حاجة تانية يا أحمد.
أمي هتكون محتاجة لك، حتى لو مش عارفة تقول لك ده. متزعلش منها لو بعدت عنك، لأنها هتكون بتتعامل مع فقدان بنتها بطريقتها.
افتكر إنها أمّي، وإن وجعها كبير زي وجعك.
ساعدها تفضل قريبة من البنات، وخليهم يعرفوا جدتهم كويس.
أول ما خلصت، بصيت لحماتي وقلت
أنا آسف يا أمي. عارف إن مفيش كلام يقدر يعوضك عن مريم، بس أنا مش عايز نخسر بعض كمان.
حماتي انفجرت في العياط.
قامت من مكانها، وقربت مني، وقالت
أنا اللي آسفة يا ابني. أنا كنت محتاجة وقت عشان أقدر أبص في وشك من غير ما أفتكر بنتي، لكن عمري ما كنت عايزة أحرمك من أميّة البنات.
ولأول مرة من يوم العزا، 
، وفضلت تبوس راس كل واحدة وتقول
ربنا يخليكم لأبوكم يا حبايبي.
مرت الشهور، وبدأ البيت يرجع له صوته من جديد.
كنت بصحى على ضحك البنات، وأتعلم إزاي أعمل لهم الأكل، وإزاي أتعامل مع كل مرحلة جديدة في حياتهم.
وفي كل عيد ميلاد ليهم، كنت بطلع صورة مريم، وأحكيلهم حكاية جديدة عنها.
لما كبروا شوية، بقت بنتي الصغيرة تسألني
يا بابا، ماما كانت بتحبني؟
كنت بشيلها وأقول
مامتك حبتك قبل ما تشوف وشك، وكانت مستنية اليوم اللي تشيلك فيه بين إيديها.
أما أختها، فكانت كل مرة تسمع الحكاية تسألني
طب هي كانت عارفة إننا هنكون حلوين كده؟
وأضحك وأقول
كانت متأكدة إنكم هتكونوا أحلى حاجة في حياتي.
وفي يوم عيد ميلادهم الخامس، أخدتهم أنا وجدّتهم للجنينة اللي كنت بحلم بيها مع مريم.
مكنتش جنينة كبيرة، لكنها كانت مليانة ورد، وفي نصها شجرة صغيرة زرعتها يوم رجوعي من المستشفى.
البنات جريوا يلعبوا، وحماتي وقفت جنبي وقالت
مريم كانت هتكون فخورة بيك يا أحمد.
بصيت للشجرة، وابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة، افتكرت يوم الولادة من غير ما أحس إني بتعاقب.
فهمت إن فيه قرارات بتتاخد في لحظات مفيش فيها وقت كفاية، وإن الإنسان مش دايمًا بيقدر ينقذ كل اللي بيحبهم.
لكن يقدر يختار إيه اللي هيعمله بعد كده.
أنا مقدرتش أغيّر اليوم اللي فقدت فيه مريم، لكن قدرت أحافظ على الحب اللي سابته لينا، وأربي بنتَيَّ وهما عارفين إن أمهم كانت بداية حكايتنا، مش نهايتها.
وفي نفس اليوم، وأنا برتب حاجات مريم القديمة، لقيت جوابًا صغيرًا مستخبي جوه علبة خشب كانت بتحط فيها حاجاتها المهمة.
الغريب إن الجواب مكنش موجود في الصندوق اللي حماتي جابته، وكان مكتوب على الظرف بخط إيد مريم
لأحمد، في اليوم اللي يحس فيه إنه قدر يبدأ من جديد.
قعدت على السرير وفتحته، وبدأت أقرأ.
حبيبي أحمد،
لو وصلت للرسالة دي، فغالبًا تكون بدأت تضحك من قلبك تاني، وبناتنا بقوا يملوا البيت صوت وحركة.
أنا عارفة إنك هتفتكرني، وده شيء بتمناه، لكن عندي طلب أخير متخليش ذكرايا تمنعك تعيش.
أنا مش عايزاك تفضل طول عمرك واقف عند باب المستشفى،
تم نسخ الرابط