أم مراتي حكايات ميراا حصري
أم مراتي قاطعتني 3 شهور بعد ما رجعت من المستشفى ببنتَيَّ التوأم من غير أمهم ولما ظهرت أخيرًا قدام باب بيتي، قالتلي جملة خلت قلبي يقف فيه سر يخص بنتي مريم، وعدتها إني مخبيهوش عنك غير لحد ما تكون مستعد تسمعه!
من يوم وفاة مراتي مريم، حماتي مقاطعاني تمامًا.
لا عزّتني، ولا سألتني عن البنات، ولا حتى حاولت تواسيني. كنت ببعتلها صور حفيدتيها، وكانت ترد بكلمتين باردين شكرًا يا ابني.
ومكنتش بلومها، لأني كنت عارف إنها شايلة مني، ويمكن عمرها ما هتقدر تسامحني.
أنا اللي وقفت في المستشفى، وسط الدكاترة، واتطلب مني أختار بين حياة مراتي وحياة بنتَيَّ التوأم.
وأنا اللي قلت بصوت مكسور
أنقذوا البنات!
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن مريم كانت مخبية عني سر كبير سر لو كنت عرفته قبل اللي حصل، كان ممكن يغيّر كل حاجة.
وفي صباح اليوم ده، كنا قاعدين بنتناقش في أسماء البنات. مريم كانت مصممة إن كل واحدة يكون ليها اسم مختلف، وأنا كنت بهزر معاها وبقول إننا اتأخرنا أوي في اختيار الأسماء.
ضحكت، وطلبت مني أناولها كوباية الميه.
مكانتش تعرف إن دي هتكون آخر مرة أسمع فيها ضحكتها.
مع حلول المساء، كنت واقف في المستشفى، ماسك إيدها، والدكاترة بيتكلموا بسرعة عن خطورة حالتها. وفجأة، واحد منهم قرب مني وسألني عن القرار اللي لازم آخده.
بصيت لمريم، وعيني كانت بتترجاها تفضل معايا.
لكنها ضغطت على إيدي، وقالت بصوت ضعيف
البنات يا حبيبي أوعى تسيبهم.
حاولت أطلب منهم يدوروا على أي حل تاني، لكن الوقت كان بيعدّي، وفي النهاية وافقت على القرار اللي مكنتش أتخيل في يوم إني هضطر آخده.
خرجت من المستشفى ومعايا بنتين صغيرتين، وشنطة فيها حاجات مريم.
ومن يومها، وأنا بحاول أعيش، لكن الحقيقة إني كنت مجرد جسم بيتحرك.
كنت بصحى بالليل عشان أجهز الرضعات، وأسجل كل بنت شربت قد إيه، وأقف جنب سرايرهم بالساعات أتأكد إنهم بيتنفسوا كويس.
كل الناس كانت بتقولي
خليك قوي، البنات محتاجينك.
لكن محدش كان شايفني وأنا بقعد لوحدي بالليل، أبص لصورة مريم وأسأل نفسي نفس السؤال اللي بيطاردني كل يوم
يا ترى، لو كنت طلبت منهم يحاولوا ينقذوها بأي طريقة تانية، كانت هتبقى لسه معايا؟
وبعد تلات شهور من الصمت والعذاب، جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت حماتي واقفة قدامي، وفي إيديها ظرف قديم، وكانت ملامحها مختلفة عن أي مرة شفتها فيها.
قبل ما تدخل، بدأت أتكلم وأنا مش قادر أسيطر على صوتي
أنا والله مكنتش عايز أخسرها هي اللي طلبت مني أنقذ البنات، وأنا وافقت. بس صدقيني، لو كان فيه أي طريقة أنقذ بيها الاتنين، كنت عملت المستحيل!
بصتلي طويلًا، وبعدين قالت بهدوء
أنا عارفة يا ابني.
استغربت كلامها.
إنتِ عارفة إيه؟ إنتِ مش عارفة أنا عايش إزاي من يومها! أنا كل ليلة بسأل نفسي لو كنت أخدت قرار مختلف، كان ممكن يحصل إيه!
نزلت عينيها للظرف اللي كانت ماسكاه بإيديها الاتنين، وقالت
فاكر إني بعدت عنك كل الفترة دي عشان بلومك على موت بنتي؟
معرفتش أرد.
قربت مني خطوة، وعينيها بدأت تدمع.
مريم هي اللي طلبت مني مخبيش عنك الحقيقة بس وعدتها إني مستناش أقولك غير لما تكون مستعد تسمع.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مدت إيديها بالظرف، وقالت
اللي جوا ده هيفهمك حاجات كتير عن آخر أيام بنتي وفيه حاجة تانية لازم تعرفها عن مريم، حاجة حتى إنت، جوزها، مكنتش تعرفها!
خدت الظرف من إيد حماتي، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش أفتحه.
بصتلها وقلتلها
هو إيه اللي مريم كانت مخبياه عني؟ هي كانت تعبانة قبل ما تدخل المستشفى؟ كان فيه حاجة غلط في التحاليل؟ قوليلي يا أمي، أرجوكي متعذبينيش أكتر من كده!
حماتي قعدت على الكنبة، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وبعدين قالت
افتح الظرف يا أحمد، واقرأ بنفسك. مريم كتبت الكلام ده قبل الولادة بأيام، وكانت ناوية تحكيلك كل حاجة، بس الظروف مديتهاش الفرصة.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جواب مكتوب بخط إيد مريم، ومعاه ورقتين من المستشفى.
أول ما شفت خطها، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كانت كاتبة
حبيبي أحمد...
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، فمعنى كده إني معرفتش أقولك الكلام ده بنفسي.
عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك لو كان بإيدك، كنت عملت أي حاجة عشان نفضل سوا. وعشان كده، فيه حقيقة لازم تعرفها، حتى لو معرفتها هتوجعك.
من أول ما عرفت إني حامل في التوأم، وأنا عندي خوف كبير، مش على نفسي، لكن على البنات وعليك.
كنت كل ليلة ببص لصور السونار وأتخيل يوم ما نشيلهم سوا، وأشوفك وإنت بتعلمهم يمشوا، وأسمعهم وهما بينادوك يا بابا.
لكن الدكاترة قالولي إن الحمل محتاج متابعة دقيقة، وإن فيه احتمالات لمضاعفات خطيرة وقت الولادة.
طلبت منهم ميقولولكش كل التفاصيل في البداية، مش لأني مش واثقة فيك، لكن لأني كنت عايزاك تعيش معايا الأيام دي من غير ما تفضل خايف طول الوقت.
سامحني لو كنت غلطانة.
وقفت عن القراءة.
بصيت لحماتي وقلت
يعني مريم كانت عارفة إن فيه خطر؟ ليه محدش قالي؟ أنا كان لازم أعرف!
هزت راسها وهي بتعيط.
هي كانت عارفة إن فيه احتمالات، يا أحمد، لكن محدش كان يعرف إن الأمور هتوصل للنهاية دي. بنتي كانت متعلقة بأمل إنها تخرج من المستشفى وهي شايلة بنتيها في حضنها.
رجعت أبص للجواب، وكملت القراءة.
أحمد، فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
فاكر لما كنت بقولك إني عايزة أسمي البنتين أسماء مختلفة؟ أنا مكنتش بعمل كده لمجرد إن كل واحدة يكون ليها اسم مميز.
كنت عايزة كل بنت فيهم تحس إنها شخصية مستقلة، وإن ليها مكانها الخاص في حياتك.
لو أنا مشيت، متخليش واحدة فيهم تحس إنها السبب في غيابي، ولا تحكي لهم يومًا إنك اضطرّيت تختار بينهم وبيني وكأن وجودهم كان تمن حياتي.
إنت مكنتش بتختار مين يعيش ومين يموت بإرادتك، إنت كنت بتحاول تنقذ اللي تقدر عليه.
أرجوك، متعاقبش نفسك على قرار أخدته في أصعب لحظة في حياتك.
عيني غامت بالدموع، والورقة بدأت تهتز بين صوابعي.
لأول مرة من يوم وفاة مريم، حسيت إنها قاعدة قدامي وبتكلمني.
لكن قبل ما أكمل الرسالة، لاحظت إن فيه سطر أخير مكتوب في أسفل الصفحة، ومتحوط عليه بقلم أزرق.
كان مكتوب
يا أحمد، لو أمي سلمتك الظرف، يبقى جه الوقت تعرف الحقيقة اللي خبيتها عنك الحقيقة اللي كنت خايفة أقولها لك، مش عشان هتكرهني، لكن عشان كنت خايفة تحاول تمنعني من تنفيذ قراري الأخير.
رفعت عيني بسرعة وبصيت لحماتي.
قرار إيه؟ هي كانت عايزة تعمل إيه؟
حماتي سكتت شوية، وبعدين قامت وراحت ناحية الشنطة اللي كانت جايباها معاها.
طلعت منها ملف صغير، وحطته قدامي.
وقالت بصوت مبحوح
قبل ما تدخل المستشفى، مريم راحت لمكان لوحدها، وطلبت مني أوصل لك الورق ده بعد ما تعدي فترة من وفاتها. وأنا وعدتها إني أنفذ طلبها.
فتحت الملف، وأول ما شفت اسم المكان المكتوب على الورقة الأولى، حسيت إن قلبي وقع مني.
كان اسم مركز طبي متخصص.
وتحته تاريخ سابق للولادة بأيام قليلة.
بصيت لحماتي وقلت
هي كانت بتعمل إيه هناك؟
ردت وهي بتحاول تتمالك نفسها
بنتي كانت بتحاول تحميك من قرار كانت عارفة إنه هيغيّر حياتكم للأبد لكن اللي حصل في المستشفى منعها إنها تحكيلك بنفسها.
قلبت الورقة التانية، ولقيت عنوانًا مكتوبًا بخط واضح.
تقرير الفحص والاستشارة الأخيرة لمريم
لكن قبل ما أقدر أكمل، حماتي مسكت إيدي وقالت
يا أحمد، قبل ما تقرأ باقي الورق، لازم تعرف إن بنتي كانت بتحبك أكتر مما تتخيل وإن اللي هتعرفه دلوقتي ممكن يغيّر نظرتك لآخر يوم في حياتها كلها.
يتبع
فتحت التقرير بسرعة، وبدأت أقرأ أول سطر، لكن كل كلمة كانت بتخليني أتوتر أكتر.
كان مكتوب إن مريم زارت المركز قبل الولادة بأيام، وإنها طلبت استشارة إضافية بخصوص حالتها الصحية.
بصيت لحماتي وسألتها
هو فيه حاجة كانت مستخباها عني؟ مريم كان عندها مرض؟
هزت راسها وقالت
اقرأ للآخر يا أحمد، وبعدين احكم بنفسك.
رجعت للورق، ولقيت جوابًا تاني بخط مريم، واضح إنها كتبته بعد الزيارة.
حبيبي أحمد...
أنا عارفة إنك بتحلم باليوم اللي نرجع فيه بيتنا إحنا التلاتة، وإنك بتجهز الأوضة للبنات بنفسك، وكل شوية تسألني إذا كنت محتاجة حاجة.
بس فيه حاجة عمري ما قدرت أقولها لك.
في الفترة الأخيرة، كنت بسمع كلام الدكاترة وبحاول أفهم كل الاحتمالات، وكنت خايفة جدًا من فكرة إنك تضطر تشيل مسؤولية أكبر من طاقتك.
وعشان كده، رحت أطلب رأي طبي تاني، يمكن ألاقي حل يخليني أكون جنبك وجنب بناتي مهما حصل.
وقفت عند الجملة دي، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
كملت القراءة.
الدكتور شرح لي إن حالتي محتاجة متابعة دقيقة، وإن مفيش حد يقدر يضمن نتيجة معينة. لكني خرجت من عنده وأنا عندي أمل جديد.
قررت إني أجهز كل حاجة للبنات، وأكتب لك الكلام اللي مش بعرف أقوله بصوت عالي.
لو حصل لي أي شيء، أوعى تخلي الحزن يسرق منك عمرك. البنات محتاجين أب يضحك معاهم، مش أب يقضي حياته يعاقب نفسه على اللي حصل.
حطيت الورقة على رجلي، وغطيت وشي بإيدي.
كنت فاكر إن مريم ماتت وهي خايفة، وإن آخر لحظاتها كانت مليانة ألم وقلق.
لكن رسالتها كانت بتقول إنها كانت بتحاول تجهزنا للحياة، حتى وهي مش عارفة إيه اللي مستنينا.
سألت حماتي
طيب، إيه الحقيقة اللي كنتوا مستنيين تقولوهالي؟ لسه فيه حاجة مش فاهمها!
حماتي أخدت نفسًا طويلًا، وطلعت من الملف ورقة صغيرة كانت مطوية بعناية.
فيه حاجة بنتي طلبت مني أعملها بعد ولادتها، وكنت مستنية الوقت المناسب عشان أقولك.
فتحت الورقة، ولقيت إنها تعليمات مكتوبة بخط مريم، فيها أسماء أشخاص وتفاصيل عن حاجات كانت عايزة تتجهز بعد الولادة.
لكن في آخر الورقة، كان فيه سطر خلاني أبصلها بصدمة
لو أحمد بدأ يلوم نفسه، لازم تفهميه إن القرار اللي أخده في المستشفى مش كان ضدّي، وإن فيه حقيقة طبية لازم يعرفها من الدكتور بنفسه.
بصيت لحماتي وقلت
حقيقة طبية؟ يعني إيه؟ هو كان فيه احتمال إن مريم تعيش؟
حماتي دموعها نزلت، لكنها مردتش فورًا.
وبعد لحظات قالت
أنا مش