في المطار حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

— أنا بخير يا أحمد.

— طب ارجعي البيت، وإحنا نتكلم ونحل كل حاجة.

سألته:

— إنت عايزني أرجع عشان وحشتك، ولا عشان خايف من الإجراءات اللي بدأت؟

سكت.

والسكوت ده كان كفاية يخليني أعرف إنه لسه ما فهمش كل حاجة.

قلتله:

— يا أحمد، أنا مش عايزة أدمّر حياتك، ولا عايزة أشوفك في مشكلة. أنا عايزة حقي، وعايزة اعتذار حقيقي، وعايزة أعرف إنك فهمت إن احترام أمك مش اختيار حسب مزاجك.

رد بصوت منخفض:

— أنا غلطت يا ماما.

كانت أول مرة أسمع منه الاعتراف ده من غير ما يتبعه بكلمة «بس».

لكن الاعتراف لوحده ما كانش كفاية.

قلتله:

— كويس إنك عرفت إنك غلطت. دلوقتي خلّي أفعالك تثبت إنك فهمت.

وقفلت المكالمة بهدوء.

بعد يومين، أحمد جه الإسكندرية لوحده.

قابلني في كافيه قريب من الفندق، وقعد قدامي وهو باين عليه التعب.

طلع ظرف من شنطته وحطه على الترابيزة.

قال:

— دي الفلوس اللي قدرت أوفّرها من اللي اتصرف. والباقي هرتبه وأرجعه حسب كشف الحساب، وهتعاون مع البنك في مراجعة العمليات.

ما أخدتش الظرف فورًا.

سألته:

— وإيه اللي اتغير يا أحمد؟ هل أنت زعلان عشان خسرت فلوسي، ولا عشان اكتشفت إنك جرحت أمك؟

نزل عينه، وبعد لحظة قال:

— الاتنين، يا ماما. بس أنا بدأت أفهم إن اللي عملته مش مجرد غلطة مالية. أنا استسهلت إنك دايمًا بتسامحيني، لحد ما بقيت فاكر إنك مش هتحطي حدود أبدًا.

حسيت إن كلامه المرة دي مختلف، لكني فضلت هادية.

قلتله:

— أنا هقبل أي فلوس ترجعلي باعتبارها حقي، لكن ده مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول. الثقة محتاجة وقت.

هز راسه وقال:

— فاهم.

وبعدين سألني:

— ونادين؟ هتسامحيها؟

بصيت للبحر من بعيد وقلت:

— ده قرارها هي. لو عايزة تصلح اللي حصل، تبدأ باعتذار واضح ومن غير تبريرات. لكن أنا مش هفرض على نفسي علاقة مع حد بيهيني.

أحمد ما حاولش يدافع عنها المرة دي.

وقبل ما يمشي، وقف وقال:

— ماما، ممكن أطلب منك طلب؟

قلتله:

— اتفضل.

قال:

— لما ترجعي، نفسي أزورك. مش عشان الفلوس، ولا عشان أي مصلحة. نفسي أرجع أكون ابنك اللي بتثقي فيه.

بصيتله طويلًا، وقلت:

— الباب مش مقفول يا أحمد، لكن الثقة مش هترجع بالكلام. لما تكون مستعد تحترمني حتى وإنت مختلف معايا، ساعتها نبدأ من جديد.

مشي، وأنا فضلت قاعدة قدام البحر.

ما كنتش عارفة إذا كانت علاقتنا هترجع زي الأول ولا لأ، لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة:

أنا مش هرجع أتنازل عن نفسي لمجرد إني خايفة أخسر ابني.

لكن في نفس الليلة، وأنا براجع رسائلي، وصلتني رسالة من نادين.

كانت قصيرة جدًا:

«يا طنط فاطمة، أنا محتاجة أقابلك لو سمحتي. فيه حاجة أحمد ما يعرفهاش، ولازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي قرار نهائي».

فضلت باصة للرسالة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.

إيه الحاجة اللي نادين مخبياها عن أحمد؟ وهل هتكون بداية اعتذار حقيقي، ولا فيه سر تاني هيقلب القصة كلها؟
### الجزء الرابع: السر اللي نادين كانت مخبياه

فضلت باصة لرسالة نادين فترة طويلة، ومش عارفة أرد عليها إزاي.

جزء مني كان رافض يسمع أي تبرير جديد، وجزء تاني كان عايز يعرف إيه الحاجة اللي ممكن تكون مخبياها عن أحمد.

في الآخر، رديت عليها وقلت إننا ممكن نتقابل في مكان عام في اليوم التالي.

تاني يوم، وصلت قبلي وقعدت مستنياني في كافيه قريب من البحر. أول ما شافتني، قامت من مكانها، لكني أشرتلها تقعد.

وشها كان شاحب، وعينيها باين عليهم إنها ما نامتش كويس.

قالت بصوت واطي:

— أنا عارفة إنك مش طايقاني، وعارفة إني ما استحقش منك حتى إنك تسمعيني.

ما رديتش.

فتحت شنطتها وطلعت ورقة مطبوعة، وحطتها قدامي.

— دي رسالة كنت باعتاها لأحمد قبل السفر بأيام. أنا اللي اقترحت إن أمي تاخد تذكرتك، وأنا اللي ضغطت عليه يوافق.

بصيت للورقة، ولقيت إنها بتتكلم عن مصاريف الرحلة، وإن نادين كانت عايزة توفر تمن تذكرة لأمها من غير ما تتحمل هي وأحمد أي تكلفة إضافية.

رفعت عيني وقلت:

— يعني إنتِ كنتِ عارفة من الأول إنك بتاخدي مكاني؟

هزت راسها وهي بتعيط.

— أيوه. وكنت فاكرة إنك هتزعلي يومين وبعدها هتسامحينا، زي كل مرة.

قلت لها بمرارة:

— وده اللي وجعني أكتر. إنكوا كنتوا متأكدين إني هسامح، لدرجة إنكم ما فكرتوش أصلًا في إحساسي.

مسحت دموعها، وبعدين قالت:

— بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ما كنتش عارفة إن أحمد استخدم بطاقتك في عمليات الشراء دي. لما عرفت، طلبت منه يرجع الفلوس، وهو قال إنه هيتصرف.

سألتها:

— وعندك دليل على الكلام ده؟

طلعت موبايلها وورّتني رسالة بينها وبين أحمد، كانت بتسأله فيها عن المبلغ اللي اتسحب من حسابي، وهو بيرد إنه هيحل الموضوع بعد الرجوع من السفر.

ما اعتبرتش الرسالة دليلًا على كل حاجة، لكنها أكدت لي إن نادين كانت عارفة بوجود مشكلة مالية قبل ما تقابلني.

قلت لها:

— لو عايزة تصلحي اللي حصل، ما تخبيش أي معلومة تخص فلوسي، وأي مستند عندك سلّميه للمحامي. أنا مش هقبل اعتذار بالكلام وبس.

هزت راسها وقالت:

— هعمل كده.

وقبل ما تقوم، سألتني:

— هو ممكن تسامحيني في يوم؟

بصيت لها بهدوء وقلت:

— المسامحة حاجة، ورجوع الثقة حاجة تانية. أنا مش هقدر أوعدك بحاجة دلوقتي.

مشيت نادين، وأنا فضلت قاعدة أفكر.

كنت متوقعة إنها تيجي تدافع عن نفسها أو تلومني على اللي حصل، لكن اعترافها خلاني أفهم إن الصورة لسه فيها تفاصيل ناقصة.

بعد يومين، رجعت القاهرة.

ما رجعتش البيت بنفس العقلية القديمة. بدأت أرتب مصاريفي، وخصصت جزءًا من معاشي لاحتياجاتي الشخصية، وقررت أحتفظ بحساباتي وبطاقاتي لنفسي.

كمان تابعت الاعتراض البنكي، وقدمت كل الرسائل والمستندات اللي عندي، وسيبت للجهات المختصة تحديد المسؤولية عن العمليات اللي ما وافقتش عليها.

أما أحمد، فبدأ يرجع المبالغ اللي قدر يثبت إنه استخدمها من غير إذني، واتفق مع المحامي على تسوية باقي المبلغ وفق المستندات ونتيجة مراجعة البنك.

ما رجعتش أديه بطاقة إضافية، ولا بقيت أوافق على كل طلب لمجرد إنه ابني.

وبمرور الأيام، بدأ يزورني مرة كل أسبوع، من غير ما يطلب فلوس أو يفتح أي موضوع يخص حساباتي.

في البداية، كنت بتعامل معاه بحذر. لكني لاحظت إنه بدأ يسمعني للآخر، ويعتذر لما يغلط، وما بقاش يعتبر مساعدتي واجبًا مفروضًا عليّا.

أما نادين، فبعتتلي اعتذارًا مكتوبًا، وأرفقت معاه كل الرسائل المتعلقة بترتيب الرحلة. ما طلبتش مني أسامحها فورًا، وما حاولتش تبرر إهانتها ليا.

ما نسيتش اللي حصل، لكني قررت أدي نفسي فرصة أشوف إذا كان التغيير حقيقيًا.

وبعد شهر، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.

أحمد جه البيت ومعاه ظرف صغير، وقال:

— يا ماما، فاكرة الرحلة اللي كنتِ بتحلمي بيها؟

بصيت له باستغراب

تم نسخ الرابط