بعتلي جوزي صورة حكايات_ميراا حصري
فتح دفتر ملاحظاته وقال:
— وصية تكميلية اتعملت قبل وفاة جدتك بفترة قصيرة. لسه ما وصلناش للأصل، لكن لو لقيناها، ممكن تساعدنا نفهم سبب الشروط اللي وضعتها في عقد الميراث.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن القصة لسه ما انتهتش.
لأن الوثيقة اللي سابتها جدتي ممكن تكون هي المفتاح الأخير لفهم كل اللي حصل...
تاني يوم الصبح، صحيت على اتصال من الأستاذ محمود.
قال من غير مقدمات:
— يا ليلى، لقينا مكان الوصية التكميلية، ولازم تيجي المكتب النهارده. فيه تفاصيل ممكن تغيّر فهمنا للموضوع كله.
قلبي دق بسرعة.
— الوصية فيها إيه يا أستاذ محمود؟
رد:
— مش هقدر أقولك قبل ما نشوف الأصل ونتأكد من صحته. لكن اللي أقدر أقولهولك إن جدتك كانت مرتبة أمورها بعناية شديدة.
لبست بسرعة، وجهزت يوسف وملك عند هبة، وبعدها روحت المكتب.
لقيت المستشار فؤاد قاعد قدام صندوق خشبي قديم، ومعاه ملف مختوم.
قال لي:
— الصندوق ده كان محفوظًا في أرشيف مكتب جدتك القانوني، وكان عليه تعليمات واضحة إنه ما يتفتحش إلا لو ظهرت مشكلة تتعلق بحقوقك في الميراث.
الأستاذ محمود راجع الختم والبيانات، وبعد التأكد من الإجراءات، فتح الصندوق.
جواه كانت فيه مجموعة مستندات، وصورة قديمة لجدتي، ومظروف مكتوب عليه اسمي.
لكن الورقة اللي شدت انتباهي كانت نسخة من الوصية التكميلية.
بدأ المحامي يقرأها، وبعد شوية رفع رأسه وقال:
— جدتك كانت عايزة تضمن إنك تفضلي صاحبة القرار في إدارة أموالك، وإن أي محاولة للتصرف فيها من غير موافقتك تخضع لمراجعة قانونية مستقلة.
سألته:
— يعني محدش يقدر ياخد ميراثي؟
رد:
— ده بيتوقف على تفاصيل العقد والقانون المنطبق عليه. لكن المستندات دي بتوضح إن جدتك كانت حريصة على حماية حقوقك، وده هيساعدنا في مراجعة الطلبات اللي اتقدمت مؤخرًا.
وبعدين فتح صفحة تانية.
كان فيها بند خاص بحالة النزاع على المستندات، بيطلب وقف الإجراءات محل الخلاف لحين التحقق من صحتها.
قال الأستاذ محمود:
— ده هو السبب اللي خلّى جدتك تصر على وجود بند الطوارئ. كانت عايزة تمنع أي قرار متسرع يضر بحقوقك.
حسيت إن حملًا كبيرًا بدأ يخف عن قلبي.
لكن قبل ما نكمل، المستشار فؤاد طلع ورقة إضافية من الصندوق.
وقال:
— فيه ملاحظة بخط جدتك، كانت مرفقة بالوصية.
فتحها الأستاذ محمود وقرأ بصوت واضح:
«لو حصل خلاف يومًا ما على إدارة أموال ليلى، أتمنى إن كل الأطراف تتأكد من الحقيقة قبل ما تتبادل الاتهامات. أنا ما رتبتش الأمور دي عشان أخلق عداوة بين أفراد العيلة، لكن عشان أحمي حق حفيدتي وأضمن إنها تقدر تعيش بأمان واستقلال».
ما قدرتش أمنع دموعي.
حتى وهي مش موجودة، جدتي كانت بتفكر فيا، وبتحاول تحميني من الخلافات اللي ممكن تحصل بعد وفاتها.
بعد ما انتهينا من مراجعة المستندات، طلب الأستاذ محمود مني أوافق على تقديم طلب رسمي لحماية الأموال محل النزاع لحين انتهاء الفحص.
وافقت، ووقّعت على الأوراق بعد ما شرحلي كل تفاصيلها.
وبعد يومين، وصلنا إخطار إن مراجعة المستندات بدأت رسميًا، وإن أي طلب متعلق بالملف محل الخلاف مش هيتم التعامل معاه قبل استكمال التحقق.
لكن لسه ما كانش فيه قرار نهائي بشأن المسؤولية.
في نفس اليوم، كريم اتصل بيا.
المرة دي، رديت عليه.
قال بصوت هادي على غير عادته:
— ليلى، أنا عايز أتكلم معاكي، مش عشان أضغط عليكي، لكن عشان أوضحلك اللي حصل.
قلتله:
— اتكلم، وأنا سامعاك.
قال:
— أنا لقيت الورقة القديمة، وافتكرت إن فيه مشكلة في الملف. بدل ما أرجع للمحامي وأسألك، حاولت أتصرف بسرعة. كنت فاكر إن الموضوع بسيط، وإننا هنقدر نخلصه من غير ما نقلقك.
سألته:
— طيب، والتوكيل اللي عليه توقيع مش توقيعي؟
سكت شوية، وبعدين قال:
— أنا ما كتبتش التوقيع ده، ومش هقدر أقولك مين عمله قبل ما نتيجة الفحص تظهر. لكن أنا مسؤول إني بدأت إجراءات من غير ما أتأكد من موافقتك.
كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بمسؤوليته من غير ما يحاول يقلب الموضوع عليّا.
لكن الاعتراف وحده ما كانش كفاية.
قلتله:
— يا كريم، أنا مش هقدر أرجع لحياتي القديمة كأن شيئًا ما حصلش. أنا محتاجة أعرف الحقيقة كاملة، ومحتاجة أحس بالأمان، ومش هسمح لأي حد يتصرف في حقوقي من غير موافقتي.
رد بصوت منخفض:
— أنا فاهم.
قلتله:
— أتمنى تكون فاهم فعلًا، لأن اللي جاي لازم يكون مبني على الوضوح والاحترام، مش على إنك تقرر وأنا أنفذ.
قفلت المكالمة، وحسيت إني أخيرًا بدأت أستعيد صوتي.
بعد أسبوع، ظهرت نتيجة المراجعة الأولية لبعض المستندات.
واتضح إن فيه اختلافات تستدعي فحصًا فنيًا للتوقيع، وإن بعض الإجراءات اتقدمت من غير وجود موافقة موثقة مني في الملف.
أما حسام، فسلّم المراسلات اللي عنده للجهة المختصة، وقرر يتعاون في توضيح دوره في الإجراءات.
وعمي عماد قدم هو كمان كل الرسائل اللي تثبت طبيعة التواصل اللي حصل بينه وبين كريم.
ما اتهمتش حد من نفسي، وما حاولتش أنتقم من أي شخص.
سيبت الأدلة والإجراءات تحدد المسؤولية.
وفي وسط كل ده، كان أهم قرار أخدته هو إني أبدأ أرتب حياتي من جديد.
استأجرت شقة صغيرة قريبة من حضانة يوسف وملك، وبدأت أجهزها واحدة واحدة.
ما كانتش شقة فخمة، ولا كان فيها أثاث غالي، لكنها كانت أول مكان أحس فيه إن قراراتي تخصني أنا.
اشتريت سريرين صغيرين للأطفال، وستارة ملونة، وحطيت صورة جدتي فوق رف في الصالة.
وفي أول ليلة لينا في البيت الجديد، يوسف جري ناحية أوضته وهو بيضحك، وملك فضلت تلعب بعرائسها فوق السجادة.
وقفت عند باب الأوضة، وبصيت لهم، وابتسمت وسط دموعي.
كنت فاكرة إن الأمان معناه إن يكون فيه شخص قوي يحميني.
لكن اكتشفت إن الأمان الحقيقي هو إني أقدر أحمي نفسي وولادي، وأطلب المساعدة لما أحتاجها، من غير ما أتنازل عن كرامتي أو حقي.
وفي المساء، وصلني اتصال أخير من الأستاذ محمود.
قال:
— يا ليلى، فيه تطور جديد في القضية، ونتيجة الفحص الفني الأولية ظهرت.
قلبي دق بسرعة.
سألته:
— والنتيجة بتقول إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قال:
— الفحص أظهر إن فيه مؤشرات قوية على إن التوقيع الموجود في التوكيل مش صادر عنك، والتقرير النهائي لسه هيحدد التفاصيل المطلوبة.
غمضت عيني للحظة.
كنت عارفة إن لسه فيه إجراءات طويلة قدامنا، وإن الحقيقة الكاملة محتاجة وقت.
لكن المرة دي، ما كنتش بخاف من اللي جاي.
لأن كريم، مهما كان مصير القضية، ما بقاش يقدر يقرر بالنيابة عني.
أما المفاجأة اللي ما كنتش متوقعاها، فهي إن جدتي كانت سايبة لي رسالة أخيرة، غير الرسالة اللي قرأتها، ولسه ما حدش عرف محتواها...
يتبع في الجزء القادم.
في اليوم التالي، رحت مكتب الأستاذ محمود عشان أعرف حكاية الرسالة الأخيرة اللي جدتي سابتها.
أول ما دخلت، لقيته حاطط قدامه مظروف صغير لونه بني، ومكتوب عليه بخط جدتي:
«إلى ليلى… لا تفتحي الرسالة دي إلا لما تتأكدي إنك بقيتي قادرة تاخدي قرارك بنفسك».
فضلت باصة للمظروف وأنا مش مصدقة.
إزاي جدتي كانت عارفة إن ممكن ييجي يوم أحتاج فيه الكلام ده؟
سألت الأستاذ محمود:
— هي كانت عارفة إن حاجة زي دي ممكن تحصل؟
رد بهدوء:
— مش بالضرورة كانت متوقعة اللي حصل بالتحديد، لكن واضح إنها كانت فاهمة إن الخلافات المالية ممكن تغيّر العلاقات بين الناس، وعشان كده رتبت المستندات بطريقة تحمي حقوقك.
فتحت المظروف بإيدي المرتعشة، وبدأت أقرأ.
«حفيدتي ليلى،
لو وصلتي للرسالة دي، فغالبًا مريتي بفترة صعبة، ويمكن تكوني اضطرّيتي تشكي في ناس كنتِ بتثقي فيهم.
عايزاكي تعرفي حاجة مهمة: الفلوس مش هي أغلى حاجة سبتها لكِ. أغلى حاجة هي قدرتك على الاختيار، وإنك تعيشي من غير خوف من إن حد يتحكم في حياتك.
أنا سبت لكِ حقًا ماليًا، لكني كمان رتبت إن يكون فيه جزء من أموالي مخصص لدعم تعليمك وتعليم أولادك، وفق الشروط المكتوبة في المستندات الرسمية.
ما تسمحيش لأي حد يقنعك إن الحفاظ على أسرتك معناه إنك تتنازلي عن حقك، ولا تفتكري إن المطالبة بالحقيقة معناها إنك بتدمري بيتك.
البيت الحقيقي مش جدران، ولا حساب في البنك. البيت هو المكان اللي تقدري فيه تتكلمي من غير خوف، وتغلطي من غير إهانة، وتختلفي من غير تهديد.
لو كريم أخطأ، سيبي الحقيقة والإجراءات العادلة تحدد المسؤولية. ولو كان فيه سوء فهم، فالوضوح هو الطريق الوحيد لإصلاحه.
وفي كل الأحوال، ما تاخديش قرارك بدافع الانتقام أو الخوف.
خديه لأنك مقتنعة بيه».
وقفت عن القراءة، ومسحت دموعي.
ما كانش في الرسالة سر سحري هيحل كل المشاكل، لكنها كانت بتفكرني بحاجة أنا نسيتها وسط الخوف والضغط: إن من حقي أختار حياتي بنفسي.
الأستاذ محمود استنى لحد ما هديت، وبعدين قال:
— فيه ملحق مالي مرتبط بالرسالة، لكن لازم نراجع شروطه مع باقي المستندات قبل ما نحدد إيه الحقوق اللي ممكن تستفيدي منها.
هزيت رأسي بالموافقة.
وقبل ما أخرج، سألته:
— وكريم؟ فيه أي أخبار عن نتيجة الفحص النهائية؟
قال:
— لسه ما صدرتش، وأي كلام عن المسؤولية دلوقتي هيكون سابق لأوانه. المهم إنك تحتفظي بكل المستندات، وما تمضيش على أي ورقة جديدة قبل ما تفهمي مضمونها بالكامل.
خرجت من المكتب وأنا بفكر في كلام جدتي.
بعد يومين، كريم طلب يقابلني في مكان عام، ووافقت بشرط إن المقابلة تكون قصيرة، وإن أي كلام عن القضية يفضل من خلال المحامي.
وصل قبلي، ولما قعدت قدامه، لاحظت إنه كان مرهق جدًا.
قال:
— ليلى، أنا عارف إن الكلام مش هيصلح اللي حصل، بس عايز أقولك إنّي بدأت أراجع كل حاجة في الشركة.
ما رديتش.
كمل:
— اكتشفت إن فيه أوراق اتنقلت بين أكتر من موظف، وإن بعض الإجراءات اتعملت من غير ما كل المستندات تتراجع. أنا مش بطلب منك تصدقيني، لكن مستعد أسلّم كل الملفات للمحامي، وأتحمل نتيجة أي حاجة يثبت إني مسؤول عنها.
سألته بهدوء:
— وإيه اللي يضمن إنك مش هترجع تتصرف لوحدك بعد ما الموضوع يهدى؟
بص لي، وبعد لحظة قال:
— مفيش كلام يقدر يضمنلك ده. اللي أقدر أعمله إني ألتزم بالإجراءات، وأسيب أفعالي هي اللي تثبت إذا كنت اتغيرت ولا لأ.
كانت أول إجابة أسمعها منه من غير وعود كبيرة أو محاولة لإجباري على الرجوع.
لكن ده ما كانش معناه إني سامحته، ولا إني قررت أرجع.
قلتله:
— أنا مش هاخد قرار النهارده، ومش هخلي خوفك من نتيجة القضية يضغط عليّا. علاقتنا وحياتنا حاجة، والتحقيق في المستندات حاجة تانية.
رد:
— فاهم.
قمت من مكاني، وقبل ما أمشي، قال:
— على فكرة، فيه حاجة لازم تعرفيها. شريف، الموظف السابق، لقى سجل قديم فيه اسم شخص كان بيتابع ملف ميراث جدتك قبل وفاتها.
التفتّ له بسرعة.
— مين الشخص ده؟
طلع ورقة من الملف اللي معاه، وحطها على الترابيزة.
كان الاسم مكتوب بخط واضح:
«محمود عبدالسلام».
اتجمدت مكاني.
ده ما كانش اسم المحامي بتاعي، ولا اسم أي حد من أفراد عيلتي أعرفه.
سألت كريم:
— مين محمود عبدالسلام؟
رد:
— مش عارف. لكن اسمه موجود في سجل قديم، ومعاه رقم ملف مختلف عن كل الأرقام اللي شفناها قبل كده.
أخدت صورة للورقة، وبعتّها للأستاذ محمود.
بعد أقل من ساعة، اتصل بيا.
صوته المرة دي كان مختلف.
قال:
— ليلى، الاسم ده مش غريب تمامًا. محتاجين نراجع أرشيف مكتب جدتك مرة تانية، لأن محمود عبدالسلام كان مستشارًا قانونيًا تعامل مع بعض ملفاتها القديمة، لكن لازم نتأكد من طبيعة دوره وعلاقته بالمستندات الحالية.
سألته:
— يعني ممكن يكون هو اللي غيّر التوكيل؟
رد بحزم:
— ما نقدرش نستنتج ده من مجرد وجود اسمه. هنراجع السجلات، ونشوف هل فيه أي صلة فعلية بينه وبين المستندات محل الفحص.
قفلت المكالمة، وبصيت لصورة الورقة على موبايلي.
كنت فاكرة إننا قربنا نوصل لنهاية الحكاية، لكن ظهور الاسم ده فتح بابًا جديدًا من الأسئلة.
مين محمود عبدالسلام؟ وليه اسمه ظهر في ملف قديم مرتبط بميراث جدتي، رغم إن محدش جاب سيرته قبل كده؟
والأهم من ده كله…
هل كان مجرد مستشار قانوني قديم، ولا عنده معلومة ممكن تغيّر فهمنا لكل اللي حصل؟
### الجزء التالي: السر اللي اتخبّى سنين
تاني يوم الصبح، رحت أنا والأستاذ محمود أرشيف المكتب القديم اللي كانت جدتي بتتعامل معاه. المكان كان مليان ملفات قديمة، وكل ملف عليه تاريخ ورقم مختلف.
بعد بحث طويل، موظف الأرشيف خرج لنا صندوق صغير وقال:
— الصندوق ده اتنقل هنا من سنين، وكان عليه تعليمات إنه ما يتفتحش غير بطلب من صاحبة الملف أو محاميها.
الأستاذ محمود راجع الأوراق، وبعدها سمح للموظف يفتح الصندوق قدامنا.
جواه كان فيه عقد قديم، وصورة لخطاب رسمي، ودفتر صغير مكتوب على غلافه: «مراجعات حسابات التركة».
فتحت الدفتر، وبدأت أقلب صفحاته لحد ما لقيت اسم محمود عبدالسلام متكرر أكتر من مرة، وبجانبه ملاحظات عن مراجعة مستندات الملكية.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر صفحة.
كان مكتوب بخط جدتي:
«لا يتم اعتماد أي تعديل في حقوق ليلى إلا بعد حضورها شخصيًا والتحقق من هويتها، ومراجعة أصل المستندات».
بصيت للأستاذ محمود وقلت:
— يعني أي تعديل اتعمل من غير ما أكون موجودة لازم يتراجع؟
رد:
— بالضبط، لكن لازم نفرّق بين وجود مخالفة إجرائية وبين إثبات التزوير. هنطلب صورة رسمية من السجلات، ونقارن التواريخ والتوقيعات.
وأثناء ما كنا بنراجع بقية الأوراق، لقينا خطابًا صادرًا من مكتب محمود عبدالسلام من سنين، بيطلب فيه وقف أي تعديل على الملف لحين مراجعة أصل المستندات.
سألت بدهشة:
— هو بنفسه كان طالب وقف التعديلات؟ أمال إزاي اسمه ظهر في الأوراق الجديدة؟
الأستاذ محمود قلب الخطاب، وراجع التاريخ ورقم الملف، وبعدها قال:
— ده معناه إننا لازم نعرف إذا كان المستند الجديد مرتبطًا فعلًا بنفس الملف القديم، ولا حد استخدم بيانات متشابهة. لسه ما عندناش دليل كفاية نحكم بيه.
خرجنا من المكتب ومعانا طلب رسمي للحصول على صور معتمدة من السجلات.
كنت حاسة إن الصورة بدأت توضح، لكن كل ما نعرف معلومة جديدة، يظهر سؤال أصعب منها.
في المساء، كنت قاعدة في شقتي الصغيرة، ويوسف وملك بيلعبوا على السجادة قدامي، لما سمعت جرس الباب.
فتحت بحذر، ولقيت راجل كبير في السن، ماسك ملف جلد قديم.
سألني:
— حضرتك ليلى أحمد؟
قلت:
— أيوه، مين حضرتك؟
طلع بطاقته وقال:
— اسمي محمود عبدالسلام. عرفت إنك بتدوري على أوراق تخص المرحومة جدتك، وجيت بنفسي عشان أوضحلك حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
دخلته بعد ما اتأكدت من هويته، وقعدنا في الصالة، مع احتفاظي بمسافة مريحة بيننا.
حط الملف على الترابيزة وقال:
— أنا كنت مستشار جدتك القانوني من سنين، لكن سبت الملف قبل وفاتها بفترة. ولما عرفت إن فيه نزاع على المستندات، قررت أراجع أوراقي القديمة.
سألته:
— هل تعرف حاجة عن التوكيل اللي عليه توقيع باسمي وأنا ما مضيتوش؟
فتح الملف وطلع صورة من خطاب قديم.
— مش هقدر أقولك مين المسؤول قبل ما نشوف المستندات الأصلية، لكن عندي معلومة مهمة. قبل وفاة جدتك، وصلني طلب لتعديل بعض البيانات المالية في ملف التركة، وأنا رفضت أعتمده لأن صاحبة الحق ما حضرتش بنفسها.
سألته بقلق:
— ومين اللي قدّم الطلب؟
سكت لحظة، وبعدها قال:
— اسم الشخص موجود في سجل الاستلام، لكن ما ينفعش أتهمه من غير ما نتأكد من باقي التفاصيل.
مد إيده ناحية الورقة، وورّاني الاسم.
كان اسم عمي عماد.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
عمي اللي قال إنه ساعد كريم في تحديث بعض الأوراق، وإنه ما كانش يعرف إن فيه حاجة غلط!
رفعت عيني لمحمود عبدالسلام وسألته:
— يعني عمي كان عارف بكل حاجة؟
هز راسه بسرعة وقال:
— أنا ما قلتش كده. اللي عندي يثبت إنه قدّم طلبًا قديمًا، لكنه لا يثبت إنه يعرف أي حاجة عن التوكيل الحالي أو إنه شارك في أي مخالفة. لازم تسمعي منه، ونراجع التواريخ الأول.
بعد ما مشي، اتصلت بالأستاذ محمود وحكيتله كل اللي حصل.
قال لي:
— ما تواجهيش عمك باتهامات دلوقتي. هنبعت طلب رسمي للاطلاع على السجلات، ونحدد إذا كان الطلب القديم له علاقة بالنزاع الحالي.
قفلت المكالمة، وبصيت لأولادي وهما بيضحكوا ويلعبوا، وحسيت إني لازم أكون قوية، مش علشان أنتقم من حد، لكن علشان أحمي حقي وحقهم.
لكن قبل ما أنام، وصلتني رسالة من رقم عمي عماد:
«ليلى، عرفت إن محمود عبدالسلام زارك. فيه حاجة لازم تعرفيها عن الورق اللي اتقدم زمان، بس مش هقدر أقولها في التليفون. بكرة هقابلك ومعايا المستند اللي يوضح كل حاجة».
فضلت أبص للرسالة وأنا محتارة.
إيه المستند اللي مع عمي؟ وهل هيكون دليل يبرّئه، ولا هيكشف إن اللي حصل أكبر من مجرد خطأ في الأوراق؟
يتبع…
### الجزء التالي: اعتراف عمي عماد
تاني يوم، عمي عماد وصل في المعاد اللي اتفقنا عليه، وكان باين عليه القلق.
دخل وقعد قدامي، وحط ملف أزرق على الترابيزة، لكنه ما فتحوش على طول.
قال بصوت واطي:
— يا ليلى، أنا عارف إنك شاكة فيّا، ومن حقك. بس قبل ما تحكمي عليّا، اسمعيني للآخر.
قلتله بجدية:
— أنا مش جاية أتهمك ولا أبرّئك. أنا عايزة أعرف الحقيقة، مهما كانت.
فتح الملف وطلع منه صورة طلب قديم لتعديل بيانات في ملف التركة، وعليه توقيعه.
قال:
— أيوه، أنا اللي قدمت الطلب ده من سنين. جدتك كانت طلبت مني أساعدها في ترتيب بعض الأوراق، وأنا افتكرت إن الطلب ده جزء من الإجراءات اللي كانت عايزاها.
سألته:
— طب ليه محمود عبدالسلام رفضه؟
رد وهو بيتجنب عيني:
— لأنه طلب حضور جدتك شخصيًا، وأنا وقتها ما كانش معايا تفويض يسمحلي أكمل الإجراءات. رجعت بالورق وما كملتش.
— وأنت قلتلي إنك ساعدت كريم في تحديث الأوراق!
تنهد وقال:
— لأن كريم كلمني من فترة وقال إن فيه مستندات قديمة محتاجة مراجعة، وسألني إذا كنت أعرف حد تعامل مع ملف جدتك. أنا دلّيته على اسم المكتب القديم، لكن ما سلمتوش توقيعك ولا مضيت بدالك على أي حاجة.
سكت لحظة، وبعدها أضاف:
— لكن فيه حاجة ما قلتهاش للمحامي لحد دلوقتي.
قلبي انقبض.
— إيه هي؟
طلع ورقة تانية من الملف، وكانت عبارة عن صورة لرسالة إلكترونية مطبوعة.
— بعد ما كريم بدأ يراجع الملف، وصلتني رسالة من موظف سابق في الشركة، بيقول فيها إن فيه مستند جديد اتضاف للملف باستخدام بيانات من الطلب القديم. أنا خفت أتكلم قبل ما أتأكد، وده كان غلط مني.
بصيتله بغضب وقلت:
— أنت خفت على نفسك، وسِبتني أنا أواجه كل ده لوحدي!
نزل عينه للأرض.
— عندك حق. كان المفروض أقولك من أول يوم.
ما قدرتش أسامحه في اللحظة دي، لكن على الأقل بدأ يتكلم بدل ما يفضل يخبي.
طلبت منه نسخة من كل ورقة، وقلتله إن أي معلومات تخص القضية لازم تتسلم للمحامي، مش تفضل بيننا.
وافق من غير اعتراض.
في نفس اليوم، الأستاذ محمود راجع المستندات، ولاحظ إن رقم الطلب القديم مختلف عن رقم المستند محل النزاع، لكن فيه تشابه في بعض البيانات.
قال لي:
— التشابه ده ممكن يفسر إزاي حد وصل للمعلومات القديمة، لكنه مش دليل على مين استخدمها، ولا يثبت إن عمك كان مشاركًا في التلاعب.
وبعدها وصلنا رد من الجهة المختصة: طلبوا أصل التوكيل محل الشك، وسجل تقديمه، وأسماء الأشخاص اللي تعاملوا مع الملف في الفترة دي.
كنت فاكرة إننا هنحتاج أسابيع عشان نعرف أي معلومة جديدة، لكن في اليوم التالي، المحامي اتصل بيا وقال إن فيه تطور مهم.
— يا ليلى، ظهر في سجل الاستلام اسم الموظف اللي سلّم المستند محل النزاع. وده شخص كان شغال في الشركة وقت تقديم الطلب.
سألته بسرعة:
— مين؟
قال:
— اسمه سامح. وهنطلب سماع أقواله رسميًا، لأن مجرد اسمه في السجل مش معناه إنه مسؤول عن التوقيع أو عارف إن فيه مشكلة.
افتكرت إن سامح كان موظف حسابات قديم، وكنت شفته مرة أو اتنين في الشركة. ما كانش بيني وبينه أي تعامل شخصي.
لكن السؤال اللي شغلني كان: ليه موظف حسابات يستلم مستندًا متعلقًا بميراثي أصلًا؟
بعد يومين، حضر سامح للإدلاء بأقواله، وقدّم سجلًا كان محتفظًا بنسخة منه.
وبحسب كلامه، هو استلم ظرفًا مغلقًا من مسؤول إداري، وسلّمه لمكتب المتابعة من غير ما يفتح محتواه. لكنه احتفظ بصورة من إيصال التسليم لأن بيانات الملف كانت ناقصة، وكان خايف يتحمل مسؤولية خطأ إداري.
المحامي راجع الإيصال، ثم قال:
— دي معلومة مفيدة لتحديد مسار الورقة، لكنها مش كفاية لوحدها لإثبات مين جهزها أو مين كان عارف بمحتواها.
طلبت أشوف الإيصال.
كان فيه تاريخ واضح، وتوقيع بالاستلام، وفي خانة الملاحظات مكتوب:
«يُسلّم بناءً على تعليمات الإدارة».
لكن اسم المسؤول الإداري ما كانش موجودًا.
وفجأة، افتكرت حاجة.
كريم كان قال قبل كده إن الملفات اتنقلت بين أكتر من موظف، وإنه بدأ يراجع الإجراءات بنفسه.
هل كان عنده سجل تاني يوضح مين أصدر التعليمات؟
اتصلت بيه وطلبت منه، من خلال المحامي، تسليم أي سجلات أو مراسلات تخص الملف.
وبالفعل، بعد يومين، وصل للمحامي ملف إلكتروني فيه مراسلات إدارية قديمة.
وسط عشرات الرسائل، ظهرت رسالة قصيرة بتاريخ تقديم المستند:
«يرجى استكمال الإجراء وإرسال الملف للمراجعة النهائية».
والمرسل كان مسؤولًا إداريًا سابقًا في الشركة.
لكن الرسالة ما ذكرتش اسمي، ولا أشارت للتوكيل تحديدًا.
المحامي قال:
— إحنا قربنا نفهم مسار المستند، لكن لازم نربط كل خطوة بالأصل الرسمي، وننتظر نتيجة فحص التوقيع قبل ما نستنتج المسؤولية.
كنت حاسة إن الحقيقة بتقرب، لكن لسه فيه حلقة ناقصة.
وفي اللحظة دي، وصلني اتصال من رقم غير مسجل.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:
— أستاذة ليلى؟ أنا كنت مسؤول الأرشيف في الشركة قبل ما أسيب الشغل. سمعت إنكم بتراجعوا ملف الميراث، وفيه مستند عندي ممكن يساعدكم تفهموا اللي حصل.
سألته بحذر: