بدلة طيران حكايات_ميراا حصري
اليوم اللي وصلت فيه متخفية لقاعدتي الجوية الجديدة، لابسة بدلة طيران من غير أي رتبة أو علامة تدل على هويتي، رقيب مغرور مسكني من شعري، وأهانني قدام طاقمه، وخلى الشرطة العسكرية تحط الكلابشات في إيدي.
كان بيضحك لأنه فاكر إني ولا حاجة.
اللي ماكانش يعرفه إن بعد 48 ساعة بالظبط، هو نفسه هيقف ثابت في مكانه، وأنا هتقدم خطوة لقدام باعتباري العقيد الجديد المسؤول عن القاعدة.
عنبر رقم 4 في المحطة الجوية لمشاة البحرية في تشيري بوينت كان مليان بريحة وقود الطيارات، والأوزون المحروق، وعرق العمال.
بعد 18 سنة قضيتهم وسط الطيارات العسكرية، بقيت أعرف الريحة دي تقريبًا زي ما أعرف إن غلطة صغيرة في الصيانة ممكن تقتل ناس في ثواني.
وفجأة سمعت صوت غاضب ورايا
شيل إيدك من على اللوحة دي يا غبية!
ما رفعتش عيني عن نظام الهيدروليك في طيارة ال هورنت.
كنت مسلطة الكشاف على الجزء اللي بفحصه، لأن سلك الأمان الرئيسي الخاص بالفرامل كان راكب بالعكس.
غلطة بالشكل ده ممكن تخلي هبوط عنيف يحوّل طيارة تمنها عشرات الملايين إلى كارثة.
اسمي إيفلين منصور.
قضيت 18 سنة في مهام قتالية، لحد ما إصابة أنهت خدمتي داخل قمرة القيادة.
لكن ده ما أنهاناش.
لأني بعد كده بقيت مسؤولة عن الناس اللي لسه بيطيروا.
بس في اليوم ده
محدش كان يعرف رتبتي.
لا نجوم.
لا شارات.
لا اسم على البدلة.
ولا حتى علامة الوحدة.
أنا وصلت للقاعدة متخفية لسبب واحد
كنت عايزة أعرف نوع العملية اللي أنا هتسلّم مسؤوليتها.
وفجأة سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب مني على أرضية الصيانة.
قبل ما ألحق ألف، إيد مسكت كتفي المصاب، ولفتني بعنف.
كان الرقيب كريم بدوي.
كنت عارفاه من ملفه الشخصي اللي درسته طول الأسبوع.
بصفته مسؤول خط الصيانة، كان مسؤول عن كل الطيارات الموجودة في العنبر.
وتاريخه كان فيه حاجات كتير خلتني أحطه تحت المراقبة من أول لحظة.
بص لي بعجرفة وقال
إنتِ مبتسمعيش؟ مين سمح لمدنية إنها تفحص طيارتي؟
شورت ناحية الهورنت وقلت بهدوء
الطيارة دي مينفعش تطير.
وشه اتغير.
إيه؟
أسلاك أمان الفرامل راكبة بالعكس. مين اللي وافق على الشغل ده؟
للحظة
سكت.
بس التغيير الصغير اللي ظهر في عينيه كان كفاية.
هو كان عارف بالظبط أنا لقيت إيه.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا كملاتغيرت ملامح كريم في ثانية، لكنه حاول يخبي ارتباكه ورفع صوته
إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تتدخلي في شغلي؟
بصيت له بثبات وقلت
واحدة شافت غلطة كان ممكن تقتل الطيار اللي هيطلع بالطائرة دي.
ضحك بسخرية، وبص للعمال اللي حوالينا.
اسمعوا الكلام! واحدة جاية من بره القاعدة هتعلّمنا شغلنا!
كام واحد ضحك، لكن واحد من الفنيين فضل ساكت، وعينيه راحت ناحية الهورنت.
قلت بهدوء
أنا مش بتكلم عن شغلك. أنا بتكلم عن حياة طيار.
قرب مني لحد ما بقى وشه قدام وشي.
وريني بقى رتبتك.
سكت.
لأن دي كانت اللحظة اللي مستنياها.
هو مد إيده ناحية بدلة الطيران بتاعتي، وكأنه بيدور على شارة أو اسم.
مفيش رتبة؟ مفيش وحدة؟ يبقى إنتِ إيه بالظبط؟
قلت
مش مهم أنا مين.
رد باستهزاء
لأ، مهم جدًا.
وفجأة مسك شعري من الخلف وشدني بعنف.
شهقت من الألم، وإيدي راحت تلقائيًا ناحية كتفي المصاب.
صرخ
الشرطة العسكرية!
خلال ثواني، دخل اتنين من الشرطة العسكرية للعنبر.
قلت لهم
استنوا. هو بيعتدي عليّ.
لكن كريم أشار للكاميرات وقال
هي دخلت منطقة ممنوعة، وعبثت في طائرة عسكرية من غير تصريح.
بص أحد أفراد الشرطة لي، ثم قال
عندك إثبات هوية؟
مديت إيدي لجيبي، لكن قبل ما أطلعه، كريم سبقني
فتشوا عليها.
في اللحظة دي عرفت إن الموضوع مش مجرد غرور.
هو كان عايز يمنعني من الوصول لأي حد.
فتشوا البدلة، لكنهم ما لقوش غير بطاقة مؤقتة باسم مختلف عن اسمي الحقيقي.
كريم ابتسم بانتصار.
شايفين؟ حتى اسمها مش حقيقي.
بصيت له وقلت
إنت متأكد إنك عايز تكمل؟
ضحك.
جدًا.
وبعدها حطوا الكلابشات في إيدي.
وأنا ماشية وسط العنبر، عيني وقعت على الفني اللي كان ساكت.
كان بيبص لي بخوف.
قربت منه وأنا معدية وقلت بصوت منخفض
متلمسش الطيارة دي.
هز راسه بسرعة.
لكن كريم سمعني.
خدوها على الحجز.
ابتسمت لأول مرة.
مش لأن الموقف كان مضحك.
لكن لأني كنت عارفة حاجة هو لسه مش عارفها.
بعد 48 ساعة
أنا اللي هكون واقفة في مقدمة العنبر.
وهو اللي هيقف قدامي في وضع الاستعداد.
لكن اللي حصل بعد كده غيّر كل حاجة.
لأن وأنا في طريق الخروج، سمعت صوت إنذار عالي جدًا يملأ القاعدة.
ثم جاء صوت عبر مكبرات الصوت
إغلاق فوري للعنبر رقم 4! جميع أفراد الصيانة يغادرون المكان فورًا!
وقفت.
بصيت لكريم.
لأول مرة اختفت الابتسامة من وشه.
قلت له بهدوء
قلت لك إن الطيارة دي مينفعش تطير.
بعد ثواني، اتفتح باب العنبر بعنف، ودخل ضابط برتبة أعلى وهو بيصرخ
مين المسؤول عن آخر فحص للهورنت رقم 17؟!
كل العيون اتجهت ناحية كريم.
وهو فضل ساكت.
لكن الضابط كان لسه مش عارف إن المشكلة الحقيقية
ما كانتش في الطيارة بس الضابط بص لكريم مرة تانية، وصوته بقى أقوى
سألتك مين آخر واحد وقّع على تقرير الفحص؟
كريم بلع ريقه وقال
أنا يا سيدي.
الضابط قرب منه.
وإنت بتقول إن الطائرة جاهزة للطيران؟
أيوه يا سيدي.
في اللحظة دي، الفني اللي كنت كلمته قبل ما أخرج رفع إيده بتردد.
سيدي...
الضابط لف له.
اتكلم.
قال بصوت متوتر
أنا كنت موجود وقت تركيب سلك الأمان.
كريم صرخ
متفتحش بوقك!
لكن الضابط زعق فيه
اسكت!
الفني كمل
السلك اتركب بالعكس فعلًا... والرقيب كريم هو اللي قال لنا نكمّل.
الصمت نزل على العنبر.
بصيت لكريم.
كان وشه أحمر، لكن عينيه مليانة خوف.
الضابط قال
الشرطة العسكرية، فكوا الكلابشات عنها.
أحد العسكريين بص له باستغراب.
سيدي؟
قلت فكوا الكلابشات!
اتفتحت الكلابشات من إيدي، لكني ما تحركتش.
الضابط بص لي وقال
سيدتي، ممكن أعرف إنتِ مين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بعد إذنك، مش هنا.
كريم اتدخل بسرعة
سيدي، دي دخلت القاعدة بهوية مزورة!
لفيت له وقلت
هوية مزورة؟
وبعدين بصيت للضابط
ممكن تراجع رقم التصريح اللي اتسجل عند البوابة الساعة 0642 صباحًا.
الضابط طلع جهازه اللوحي، وبدأ يراجع البيانات.
ثواني...
ثم اتجمد مكانه.
رفع عينه لي.
التصريح ده صادر من القيادة العليا.
كريم بدأ يهز راسه.
مستحيل.
قلت
بل ممكن.
الضابط قرب مني، وقال بصوت منخفض
هل حضرتك...
سكت لحظة.
وبعدين اعتدل في وقفته.
أنا قلت
لسه مش وقتها.
بصيت ناحية الهورنت.
عندكم مشكلة أكبر من سلك أمان.
الضابط قال
إيه المشكلة؟
مشيت ناحية الطائرة، وأشرت إلى الجزء اللي كنت بفحصه.
السلك ده مجرد أول علامة.
فتح الفني الغطاء بالكامل.
وبعد دقائق من الفحص، اتضح إن فيه تعديل تاني في نظام التحكم الهيدروليكي.
الضابط بص لكريم بصدمة.
إنت كنت عارف؟
كريم سكت.
فقلت
هو مش بس كان عارف.
بصيت للفني.
صح؟
الفني اتردد، ثم قال
قبل ما حضرتك توصلي بساعة... الرقيب كريم طلب مننا نغيّر قطعة في النظام.
الضابط سأله
ليه؟
الفني هز راسه.
قال إن دي تعليمات عاجلة.
هنا فهمت إن الموضوع أخطر بكتير من مجرد إهمال.
حد كان بيحاول يجهز الطائرة للإقلاع وهي غير صالحة.
لكن السؤال الحقيقي كان
مين اللي أصدر الأمر؟
قبل ما حد يتكلم، جهاز الاتصال الخاص بالضابط رن.
رد بسرعة
نعم؟
سكت.
ملامحه اتغيرت.
وبعدين بص لي مباشرة.
سيدتي... القيادة بتطلب حضورك فورًا.
كريم بص لي باستغراب.
سيدتي؟
الضابط اعتدل وقال
أيوه.
ثم وقف في وضع الاستعداد.
سعادة العقيد إيفلين منصور.
العنبر كله اتجمد.
كريم فتح