عمري ما قلت. حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

عمري ما قلت لحماتي إن بنتي، اللي كانت بتعاملها كأنها كلبة شوارع، هي اللي عندها القدرة إنها تطردها من حياتنا للأبد.
في صباح يوم الكريسماس، حماتي وزّعت فلوس وأجهزة تابلت على باقي الأحفاد، لكن لما جه دور بنتي، ناولتها شمعة رخيصة، وعليها كارت مكتوب عليه
لبنت أحمد.
البيت كله سكت.
بنتي عندها سبع سنين، وقفت بهدوء وهي لابسة فستانها الدهبي، وقالت
يا تيتة... بابا قالي أديكي ده لو تجاهلتيني تاني.
وحطّت قدامها علبة حمرا صغيرة.
أحمد قال
افتحيها.
أمينة رفعت الغطا...
وفجأة صرخت صرخة هزّت البيت كله.
كانت أوضة السفرة عند أمينة شكلها كامل ومثالي، بالشكل اللي يخليك تحس إن كل حاجة متظبطة بدقة... إلا إن كل واحد قاعد جواها كان بيحاول يكتم نفسه وياخد باله من كل كلمة.
أغصان الصنوبر كانت متعلقة حوالين باب الأوضة، ولفافات القرفة كانت بتبرد تحت ورق الفويل. النجفة كانت بتعكس نورها على حلقات المناديل الفضية، وبره، علم أمريكي صغير كان بيتحرك بهدوء مع هوا الشتاء، وهو بيخبط خبطات خفيفة في سور البلكونة.
كلنا كنا عارفين قوانين أمينة.
ابتسم.
خليك مؤدب.
ومتتحداهاش أبدًا لما تقرر إنها لازم تفكر حد بمكانه.
وفي الكريسماس ده...
هي اختارت بنتي.
كانت ليلى قاعدة جنبي، لابسة الفستان الدهبي اللي أحمد كويه مرتين قبل ما نخرج من البيت.
كانت عندها سبع سنين، لابسة جزمتها السودا الصغيرة، وإيديها الاتنين فوق حجرها في هدوء.
قبل ما ندخل البيت، أحمد لاحظ علامة صغيرة على جزمتها، مسحها بإيده، وقال بهدوء
هي تستاهل على الأقل عيد واحد تحس فيه إنها هي اللي متختارة.
أمينة قضت التلات سنين اللي فاتوا وهي بتتأكد إن ده عمره ما يحصل.
ليلى كانت بنتي من جوازي الأول، لكن أحمد عمره ما عاملها في يوم على إنها أقل أهمية بسبب كده.
كان بيجهز لها سندوتشات المدرسة، ويفتكر إن الأرنب اللعبة بتاعها لازم يبقى وشه ناحية باب الأوضة وهي نايمة، وكان عارف الفرق بين ضحكتها الحقيقية والضحكة الصغيرة المصطنعة اللي كانت بتضحكها قدام الكبار اللي بيخلّوها مش مرتاحة.
لكن أمينة عمرها ما قالت على ليلى حفيدة.
كانت دايمًا تقول
بنت أحمد.
أو
بنتك.
أو
الزائرة الصغيرة دي.
كانت دايمًا قريبة من إنها تبقى من العيلة...
لكن عمرها ما كانت فعلًا جزء منها.
الساعة 847 الصبح يوم 25 ديسمبر، بدأت أمينة توزع الهدايا وكأنها بتقدم عرض كبير.
واحد من ولاد العيلة فتح آيباد.
والتاني أخد نفس الهدية.
والأطفال الأكبر سنًا بدأوا يطلعوا ظروف مليانة فلوس من كروت تهنئة لامعة.
وبعدين أمينة بصت ناحية ليلى.
آه... ليلى.
ومدت لها كيس هدايا رفيع من محل رخيص، وعليه فيونكة مش متظبطة.
دي ليكي يا حبيبتي. مقدرتش أسيبك تحسي إنك متنسيّة خالص.
ليلى أخدت الكيس بإيديها الاتنين.
وبهدوء شالت ورق المناديل اللي جواه.
كانت فيه شمعة فانيليا رخيصة.
لكن الشمعة نفسها مكانتش هي اللي وجعتني.
اللي وجعني كان الكارت المكتوب بإيد أمينة ومعلق فيها.
لبنت أحمد.
شوكة اتجمدت في نص الطريق لفم واحد من الموجودين.
واحد من أولاد العيلة فجأة بقى مركز جدًا مع السجادة.
والكلب الصغير اللي كان مستخبي تحت الترابيزة رجع لورا بعيد عن رجلين الكراسي.
جنبي، أحمد ضغط على الكوباية الورق اللي في إيده لدرجة إنها اتعجنت، من غير حتى ما ياخد باله إنه بيعمل كده.
أمينة فضلت مبتسمة.
كانت بتتصرف كأن الإهانة دي تافهة لدرجة إن أي شخص محترم المفروض ما يتكلمش عنها.
همست لأحمد
أحمد...
قرب مني وقال
أنا قلت لها تدي ماما العلبة الحمرا لو حصل كده تاني.
بصيت له باستغراب.
علبة حمرا إيه؟
قال بهدوء
اللي في شنطة ليلى.
فضلت باصة له.
إنت كنت مخطط لكل ده؟
هز راسه وقال
لأ.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
أنا بس كنت مستعد له.
في نفس الليلة، الساعة 912، دخلت أوضة الضيوف.
لقيت ليلى قاعدة على السرير، والشمعة في حجرها.
فستانها الدهبي كان اتكرمش، وكانت عمالة تبص للكارت كأنها مستنية الكلمات تتغير لو فضلت باصة لها وقت كفاية.
بصت لي وقالت بصوت واطي
ماما... هو أنا بس بنت بابا؟
قبل ما أقدر أرد، أحمد نزل على ركبته قدامها.
ومسك إيديها.
وقال
إنتِ بنتي.
وبعدين بص في عينيها وقال
ولا كارت ولا كلمة من أي حد تقدر تحدد إنتِ مين.
بعدها مد إيده لشنطتها الصغيرة، وطلع منها علبة حمرا مخملية وحطها في إيديها.
وقال
لو تيتة خلتك تحسي إنك مش موجودة تاني، إنتِ اللي تقرري إذا كانت تستاهل العلبة دي ولا لأ.
ليلى قلبت العلبة بين إيديها.
وسألته
هي هتزعل؟
قال
غالبًا.
سكتت شوية وبعدين سألته
وإنت هتفضل بابا بتاعي؟
لجزء من الثانية، وش أحمد اتكسر تمامًا.
وقال
دايمًا.
تاني يوم الصبح، أمينة عملت فطار كبير للعيلة.
الترابيزة كانت مترتبة تاني بالأطباق البيضا، وحلقات المناديل الفضية، وكروت الأسماء المكتوبة بإيدها.
كل واحد كان له اسم.
إلا ليلى.
الكارت بتاعها كان مكتوب عليه بس
ضيف.
ليلى لاحظته في نفس اللحظة اللي أنا وأحمد لاحظناه فيها.
لكنها ما عيطتش.
ولا طلبت مننا نصلح الموقف.
بدل كده، مدت إيدها لشنطتها الصغيرة، ومسكت العلبة الحمرا بإيديها الاتنين، وقامت.
ومشت ناحية أمينة، وسط أنظار كل خالة وعم وقريب ونسيب موجود على الترابيزة.
وقفت قدامها وقالت بصوت عالي وواضح، لدرجة إن حتى اللي كان قاعد في آخر الترابيزة سمعها
يا تيتة... بابا قالي أديكي دي لو تجاهلتيني تاني.
ابتسامة أمينة اتشدت.
وقالت بسخرية
يا خبر! إيه الدراما دي كلها؟
أحمد قام ورا بنتنا.
وقال
افتحيها.
أمينة رفعت الغطا، ولسه على وشها نفس الابتسامة المتعالية، كأنها مجهزة خطبة كاملة عن الأطفال الحساسين والتربية الحديثة.
لكن أول ما شافت اللي جواها...
صرخت.
ابن خالتنا اللي كان واقف جنب الشباك اتخض.
وكل اللي قاعدين قربوا من بعضهم.
جوا العلبة الحمرا كان فيه مفتاح نحاس صغير، وكارت أبيض متني.
وأول كلمتين مكتوبين عليه كانوا
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا أمينة فضلت باصة جوه العلبة، وشها اتحول من الاستغراب للخوف.
إيديها بدأت تترعش.
المفتاح ده...
صوتها خرج مخنوق.
إنتِ جبتيه منين؟
ليلى بصتلها بهدوء، وقالت
بابا قالي إنك عارفة هو بيفتح إيه.
أمينة رفعت عينيها لأحمد.
إنت عملت إيه؟
أحمد ما ردش.
بس مد إيده وأخد الكارت من العلبة، وحطه قدامها.
اقريه.
أمينة فتحت الكارت.
وأول ما قرأت السطر الأول، وشها شحب أكتر.
المفتاح ده بيفتح صندوق الأمانات رقم 314.
شهقة طلعت من واحدة قاعدة على آخر الترابيزة.
أمينة قلبت الصفحة بسرعة.
والصندوق موجود في بنك... باسم ليلى.
رفعت عينيها وهي مش مستوعبة.
ليلى؟!
أحمد قال
أيوه.
بنت عندها سبع سنين؟!
بنت عندها سبع سنين... لكن ليها حق قانوني في حاجات إنتِ طول عمرك فاكرة إنها هتفضل تحت سيطرتك.
أمينة بدأت تهز راسها.
لأ... لأ، مستحيل.
أنا بصيت لأحمد.
كنت أول مرة أسمع الكلام ده.
أحمد... إنت بتتكلم عن إيه؟
بصلي وقال
فاكرة الشركة اللي أبويا سابها قبل ما يموت؟
أمينة اتجمدت.
سكت.
وأحمد كمل
الشركة ما كانتش مجرد شركة.
حط إيده على ظهر كرسي ليلى.
أبويا كتب في وصيته إن جزء من الأسهم يتنقل باسم أول حفيد يعتبره ابنه أو بنته من غير تفرقة.
أمينة ضحكت ضحكة عصبية.
وأول حفيد كان ابني!
أحمد هز راسه.
لأ.
وبص ناحية ليلى.
أول حفيدة كانت ليلى.
الترابيزة كلها سكتت.
أمينة قامت مرة واحدة.
إنت كنت عارف طول الوقت؟!
من تلات سنين.
وتلات سنين سايبني أتعامل معاها كده؟!
أحمد رد بهدوء
أنا حاولت أخليكي تحبيها من غير ما تعرفي هي تملك إيه.
أمينة بصت لليلى.
لأول مرة من يوم

تم نسخ الرابط