بنتي اترجتني إني ماسافرش مأمورية الشغل دي، وبعدين همست وهي بترتعش:
المحتويات
الباب. مسكت التليفون وفتحت شركة الطيران، ولغيت السفرية فورًا. بعدها اتصلت بالشغل وقلت إن عندي ظرف عائلي طارئ.
ماقولتش لمراتي حاجة.
وماقولتش لحماتي حاجة.
لو في سر بيتخبى، لازم أعرفه من غير ما حد يحس.
الصبح بدري، قبل الساعة 9، كنت واقف ورا ستارة الصالة أراقب.
وبالفعل...
في تمام التاسعة إلا ربع، خرجت حماتي أمينة من أوضتها وهي لابسة عبايتها السودة، ومريم ماشية جنبها ورأسها في الأرض.
قلبي وجعني وأنا شايف الخوف في خطوات بنتي.
فتحوا الباب ونزلوا.
استنيت دقيقة كاملة عشان ما يحسوش بيا، وبعدها نزلت وراهم.
ركبوا تاكسي أبيض.
أشرت لأول تاكسي شوفته.
امشي ورا العربية دي... بس من بعيد.
السواق بصلي باستغراب لكنه هز راسه وبدأ يتحرك.
بعد حوالي أربعين دقيقة خرجنا من وسط البلد ودخلنا منطقة قديمة مليانة بيوت كبيرة وأسوار عالية.
العربية وقفت قدام فيلا قديمة فعلًا... وبابها أزرق.
أول ما شفت الباب حسيت بقشعريرة.
ده نفس الوصف اللي مريم قالته.
نزلت حماتي ومريم ودخلوا.
استنيت خمس دقايق وأنا بحاول أقرر أعمل إيه.
في الآخر قربت بهدوء من السور الجانبي.
كان فيه جزء مكسور يسمح إني أبص للداخل.
ولما بصيت...
اتجمدت مكاني.
كان فيه أكتر من عشرين طفل.
أعمارهم مختلفة.
كلهم لابسين نفس الملابس تقريبًا.
وفيه كاميرات كبيرة وإضاءات تصوير.
ورجالة وستات بيتحركوا بينهم بسرعة.
في البداية افتكرت إنه استوديو تصوير عادي.
لكن بعدها سمعت راجل بيزعق
الطفل ده مش بيبتسم! رجعوه تاني!
وشفت واحدة بتشد بنت صغيرة من دراعها بعنف.
البنت كانت بتعيط.
في اللحظة دي أخرجت تليفوني وبدأت أصور كل حاجة.
وفجأة...
سمعت صوت أعرفه كويس.
صوت حماتي.
كانت واقفة مع راجل أصلع بيسلمه ظرف مليان فلوس.
والراجل بيقول
الحفيدة دي مطلوبة جدًا في الإعلانات... وشها بريء والكاميرا بتحبها.
حماتي ردت وهي بتعد الفلوس
أهم حاجة محدش يعرف.
وقتها الدم غلى في عروقي.
حماتي كانت بتاخد بنتي من غير إذننا وتقبض فلوس مقابل إشراكها في التصوير.
لكن قبل ما أتحرك...
سمعت جملة خلت جسمي كله يتلج.
الراجل قرب منها وقال
الأسبوع الجاي المجموعة كلها هتسافر بره.
وأنا ضامن إن الأهالي مش هيعرفوا حاجة.
في اللحظة دي ما استنيتش ثانية.
اتصلت بالنجدة فورًا.
وشرحت المكان والعنوان وكل اللي شوفته.
خلال دقائق بدأت عربيات الشرطة توصل.
وفجأة المكان كله اتحول لفوضى.
ناس بتجري.
وأطفال بيعيطوا.
ورجالة بيحاولوا يهربوا من الباب الخلفي.
دخلت أجري أدور على مريم.
لقيتها قاعدة في ركن بعيد، ضامة رجليها لصدرها وخايفة.
أول ما شافتني صرخت
بابا!
وجريت عليا بكل قوتها.
وأنا حاسس إن روحي رجعتلي.
وفي الخلفية كانت حماتي واقفة مصدومة.
بصتلي وقالت
اسمعني... الموضوع مش زي ما أنت فاهم!
لكن بعد اللي شفته...
ماكانش عندي استعداد أسمع أي تبرير.
أما الحقيقة الكاملة اللي اكتشفتها الشرطة بعد تفتيش الفيلا، والسبب الحقيقي اللي خلى أمينة تدخل حفيدتها في الموضوع ده من الأساس...
فده كان أخطر بكتير مما تخيلت الضابط طلب مني أبعد شوية مع مريم لحد ما يخلصوا تفتيش المكان.
كنت قاعد في عربية الشرطة، وبنتي نايمة من التعب والخوف، وأنا كل دقيقة أبص عليها وأحمد ربنا إني سمعت كلامها قبل ما أسافر.
بعد حوالي ساعة، خرج الضابط المسؤول من الفيلا ووشه متجهم.
قال لي
عندنا أسئلة كتير لازم تتجاوب.
سألته بسرعة
بنتي كانت في خطر؟
سكت لحظة وقال
الظاهر إن الأطفال كانوا بيتصوروا في إعلانات ومحتوى بيتنشر على الإنترنت من غير موافقات قانونية سليمة من أولياء الأمور. وفيه تحويلات مالية كبيرة وأوراق محتاجين نراجعها.
حسيت بغضب شديد.
يعني كانوا بيستغلوا الأطفال ويكسبوا من وراهم.
لكن السؤال اللي كان محيرني أكتر من أي حاجة
ليه حماتي؟
ليه تعمل كده؟
بعد ساعات من التحقيقات، طلبوا مني أحضر.
دخلت غرفة صغيرة.
كانت أمينة قاعدة على كرسي وعينيها حمرا من البكاء.
أول ما شافتني قالت
أنا غلطت... بس والله ما كنت عايزة أؤذي مريم.
صرخت فيها
أمال كنتِ بتعملي إيه؟
نزلت رأسها وقالت
بعد وفاة أبوها اتراكمت عليا ديون كبيرة... ومكنتش عارفة أقول لحد.
سكتت لحظة ثم كملت
واحدة صاحبتي عرفتني على الناس دول. قالوا مجرد تصوير أطفال وإعلانات بسيطة وهيدفعوا كويس.
قلت بغضب
ومن غير إذن أهلها؟
بكت وقالت
كنت خايفة ترفضوا... وكل مرة كنت أقول لنفسي آخر مرة ومش هكررها.
لكن آخر مرة كانت بتتكرر كل شهر.
وفي كل مرة كانت مريم ترجع البيت شايلة خوف أكبر.
وفقدت ثقتها في الناس اللي المفروض يحموها.
مراتي لما عرفت الحقيقة انهارت تمامًا.
كانت مصدومة إن أمها تخبي عنها حاجة بالحجم ده.
والأصعب من كده إن مريم بقت تخاف تفضل لوحدها مع أي حد لفترة.
احتاجت جلسات دعم نفسي عشان تتكلم عن اللي جواها.
ومع الوقت بدأت تبتسم تاني.
أما أمينة...
فالقانون أخد مجراه، والعيلة كلها اتغيرت بعدها.
وفي ليلة هادئة بعد شهور من الحكاية دي، كنت بغطي مريم قبل النوم.
مسكت إيدي وقالت
بابا؟
نعم يا حبيبتي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
أنا كنت خايفة ما تصدقنيش.
حسيت بدموعي بتقرب.
فبست رأسها وقلت
طول ما أنا عايش، عمري ما هتجاهل خوفك ولا كلامك.
وساعتها بس حسيت إن أسوأ كابوس ممكن يمر على أب انتهى أخيرًا.
لكن الدرس اللي فضل معايا للأبد كان بسيط
أحيانًا جملة صغيرة يقولها طفل بخوف... بتكشف حقيقة كبيرة كان الكبار كلهم غافلين عنها بعد سنة تقريبًا من اللي حصل، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها بالتدريج.
مريم بقت أحسن بكتير، ورجعت تضحك وتلعب وتروح المدرسة من غير خوف. كنت باخد بالي من أي تغيير في تصرفاتها، وأخصص وقت أكبر أقعد معاها مهما كانت ضغوط الشغل.
وفي يوم وأنا راجع من الشغل، لقيتها مستنياني على الباب وهي مبسوطة.
قالت
بابا، عندي حاجة عايزة أوريهالك.
طلعت من شنطتها كراسة رسم.
فتحتها على صفحة فيها رسمة بيت كبير، وشجرة، وأنا وهي ومامتها واقفين قدام البيت.
لكن كان فيه شخص رابع مرسوم بعيد شوية.
سألتها
مين ده يا حبيبتي؟
بصت للرسمة شوية وقالت
دي تيتة.
سكتت لحظة وأضافت
رسمتها بعيد عشان أنا لسه زعلانة منها.
ماعرفتش أرد فورًا.
كانت أول مرة تنطق باسم جدتها من شهور.
بعد أيام قليلة، طلبت مراتي تقابل أمها في زيارة قصيرة وتحت إشراف العيلة.
كان قرار صعب.
الكل كان متردد.
لكن أمينة كانت كبيرة في السن، وباين عليها الندم الحقيقي.
لما دخلت الغرفة وشافت مريم، انفجرت في البكاء.
ماجرتش ناحية حفيدتها.
ماحاولتش .
فضلت قاعدة مكانها وقالت بصوت مكسور
أنا آسفة يا مريم.
مريم فضلت ساكتة.
ثم سألت سؤالًا بسيطًا لكنه كان أقوى من أي اتهام
ليه كدبتي عليا؟
أمينة ماعرفتش ترد بسرعة.
وبعد لحظات قالت
عشان كنت غبية... وفكرت في الفلوس أكتر مما فكرت في خوفك.
ساد الصمت في المكان.
ومريم ردت بهدوء أكبر من سنها
أنا كنت بحبك.
الجملة دي كسرت أمينة تمامًا.
فضلت تبكي لدقائق.
أما مريم، فمسكت إيدي ومامتها وخرجت من الغرفة.
في طريق الرجوع للبيت سألتها
إنتِ زعلانة؟
قالت
شوية.
وهتسامحيها؟
فكرت طويلًا ثم قالت
يمكن... بس مش دلوقتي.
وقتها فهمت إن التسامح الحقيقي مش قرار بيتاخد في لحظة.
ومش كل جرح بيخف بسرعة.
لكن المهم إن الحقيقة ظهرت، وإن الخوف اللي كانت شايله بنت صغيرة لوحدها بقى وراءها ناس يسمعوه ويصدقوه ويحموها.
ومن يومها، كل ما مريم تقول
بابا، عايز أقولك حاجة...
كنت أسيب أي حاجة في إيدي وأسمع.
لأن أحيانًا أهم كلمة في حياة أب... هي الكلمة اللي يقولها طفله وهو مطمئن إن حد هيصدقه مرت شهور تانية، والحياة بدأت تهدى بشكل غريب هدوء مش مريح قوي، كأن في حاجة لسه مستخبية تحت السطح.
في يوم، وأنا في الشغل، جالي اتصال من رقم
متابعة القراءة