حـطّت راسـها عـلى كـتف راجـل غـريب فـي الـمترو وهـي غـرقانة فـي الـنوم
المحتويات
الصور بسرعة.
وفجأة وقعت عيناها على صورة مألوفة.
شهقت.
الصورة كانت لريم.
لكن الصورة اتصورت من حوالي شهر.
رغم إن ريم كانت وقتها عايشة معاهم بشكل طبيعي.
إزاي؟!
لأن حد كان بيراقبها.
شعرت نادين بأن الأرض بتميد تحتها.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
فتح طارق صفحة جديدة من الملف.
كانت تحتوي على صورة لرجل خمسيني أنيق.
أول ما شافته نادين، وشها شحب.
لا...
تعرفيه؟
ده... ده خالي سامح.
طارق هز رأسه ببطء.
واسمه الحقيقي مش سامح.
إيه؟!
الراجل ده واحد من أخطر الأشخاص اللي بندور عليهم بقالنا سنين.
شعرت نادين بدوار شديد.
خالها اللي كان بيزورهم كل عيد...
اللي كان بيجيب لها هدايا وهي صغيرة...
اللي كانت أمها بتثق فيه أكتر من أي حد...
مطلوب؟
وقبل ما تستوعب الصدمة، رن هاتف طارق.
رد بسرعة.
واستمع لثوانٍ فقط.
ثم وقف فجأة.
ملامحه اتغيرت تمامًا.
لقينا ريم.
قفزت نادين من مكانها.
فين؟!
نظر إليها مباشرة وقال
في المستشفى...
توقفت أنفاسها.
هي كويسة؟
سكت لحظة.
ثم قال
عندها إصابة خطيرة... لكن المشكلة مش هنا.
أمال فين؟
نظر إليها بجدية شديدة وقال
ريم فاقت من الغيبوبة من عشر دقائق...
وأول كلمة قالتها كانت قولوا لطارق السيوفي يهرب... لأن اللي هيقتله موجود جوه رجاله.
يتبع...ساد صمت ثقيل في المكتب.
الحارس اللي كان واقف جنب الباب اتجمد مكانه.
أما طارق فبص في الفراغ لثواني طويلة، وكأن جملة ريم أكدت شكوك قديمة عنده.
نادين قالت بقلق
يعني إيه؟
رد بهدوء
يعني الخاين قريب جدًا.
في اللحظة دي رن هاتفه مرة تانية.
المتصل كان مدير الأمن.
طارق رد، لكن ملامحه اتبدلت فجأة.
إزاي خرج؟!
سكت يسمع ثواني.
ثم قفل المكالمة بعنف.
نادين سألت
في إيه؟
قال
واحد من أخطر رجال الشبكة هرب من مكان احتجازه قبل ساعة.
وده علاقته بإيه؟
رفع عينيه إليها وقال
اسمه سامح.
شعرت نادين أن قلبها توقف.
نفس الاسم.
نفس الرجل.
خالها.
قبل أن تنطق بكلمة، انطفأت أنوار المبنى بالكامل.
غرق المكان في الظلام.
وفي نفس اللحظة دوى صوت إطلاق نار في الطابق السفلي.
الحراس سحبوا أسلحتهم بسرعة.
وأحدهم صرخ
اقفلوا كل المخارج!
لكن طارق أمسك ذراع نادين.
تعالي معايا.
قادها عبر ممر جانبي ضيق لم تكن تعرف بوجوده.
نزلوا عدة درجات حتى وصلوا لغرفة صغيرة مخفية خلف باب معدني.
هناك فتح خزانة إلكترونية وأخرج صندوقًا أسود.
نادين لاحظت أن يديه لأول مرة كانت ترتجف قليلًا.
سألته
إيه اللي في الصندوق؟
نظر إليها للحظة طويلة.
ثم قال
الحقيقة.
فتح الصندوق.
كان بداخله عشرات الملفات وصور قديمة.
وفوق الجميع صورة واحدة.
صورة لطفلة صغيرة عمرها حوالي خمس سنوات.
نادين أخذت الصورة.
وفجأة شعرت بالبرودة تسري في جسدها.
لأن الطفلة كانت هي.
حدقت في الصورة بذهول.
إزاي الصورة دي عندك؟
ابتلع طارق ريقه وقال بصوت منخفض
لأني كنت أعرف والدك.
تراجعت خطوة للخلف.
مستحيل.
أبوكي ما ماتش في الحادث زي ما الكل فاكر.
اتسعت عيناها.
إنت بتقول إيه؟
أخرج ورقة قديمة ووضعها أمامها.
كانت وثيقة رسمية.
وفي خانة الحالة مكتوب
مفقود.
وليس متوفى.
شعرت نادين أن الأرض اختفت تحت قدميها.
كل حياتها كانت مبنية على حقيقة واحدة
أن والدها مات وهي صغيرة.
لكن إذا كان حيًا...
فأين كان كل هذه السنين؟
وقبل أن تسأله، انفتح الباب المعدني فجأة.
ودخل رجل يحمل سلاحًا.
الحراس وجهوا أسلحتهم نحوه فورًا.
لكن طارق لم يتحرك.
لأنه عرفه من أول نظرة.
أما نادين فشهقت بقوة.
الرجل كان أكبر عمرًا، ووجهه مليء بالندوب...
لكن ملامحه كانت مطابقة تمامًا للصورة القديمة المعلقة في بيتهم.
همس الرجل بصوت متعب
نادين...
وسقط السلاح من يده.
أنا أبوكي.
يتبع...وقفت نادين مكانها وكأن الزمن اتجمد.
الصورة القديمة في بيتهم...
الملامح...
نبرة الصوت...
كل حاجة كانت شبه الراجل اللي واقف قدامها.
لكن عقلها كان رافض يصدق.
همست
أبويا مات...
الرجل ابتسم بحزن.
ده اللي خلوكم تصدقوه.
دموع نادين بدأت تنزل من غير ما تحس.
سنين كاملة كانت بتزور قبر فاضي.
سنين كاملة وهي فاكرة إن أبوها تحت التراب.
أما طارق فكان واقف صامت، وكأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.
الرجل جلس بصعوبة على الكرسي.
واضح إنه مصاب.
الدم كان ظاهر على كتفه.
قال بصوت متقطع
معندناش وقت.
ثم أخرج فلاشة صغيرة من جيبه.
ووضعها على الطاولة.
كل حاجة هنا.
نادين سألت
كل حاجة عن إيه؟
رد
عن الشبكة كلها.
في اللحظة نفسها سمعوا أصوات أقدام تقترب من الممر.
وأصوات إطلاق نار بعيدة.
الخطر كان بيقرب.
فتح طارق جهاز الكمبيوتر بسرعة.
وشغل الفلاشة.
ظهرت ملفات وصور وأسماء بالعشرات.
رجال أعمال.
سياسيون.
وسطاء.
وشركات وهمية.
لكن اسمًا واحدًا جعل طارق يتجمد فجأة.
اسم شخص يعرفه جيدًا.
شخص بيشتغل معاه من أكتر من عشر سنين.
شخص كان يعتبره أقرب الناس ليه.
رفع رأسه ببطء.
ملامحه اتحولت لصدمة حقيقية.
همس
لا...
نادين سألت
في إيه؟
لكن قبل ما يجاوب، دوى انفجار جديد هز المكان كله.
سقطت بعض قطع الخرسانة من السقف.
والأنوار انطفأت مرة أخرى.
ثم سمعوا صوتًا خارج الغرفة عبر مكبر صغير
انتهت اللعبة يا طارق.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
طارق أغلق عينيه للحظة.
ثم قال
كنت أتمنى أكون غلط.
نادين نظرت إليه بقلق.
مين؟
رد بصوت ثقيل
الخاين.
وببطء شديد فتح باب الغرفة.
والشخص الذي ظهر أمامهم لم يكن أحد الحراس...
ولا أحد رجال العصابة.
بل كان مدير أمن طارق نفسه.
الرجل الذي ظل يحميه لسنوات.
وكان واقفًا الآن مبتسمًا، وخلفه عشرات المسلحين.
ثم قال بهدوء مخيف
سلّم الفلاشة يا باشا... وإلا أول واحدة هتموت هي نادين.
تجمد الجميع.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من والد نادين.
لأنه نظر إلى مدير الأمن وقال
لسه زي ما أنت... خنت صاحبك زمان، وجاي تخونه تاني.
عندها اختفت الابتسامة من وجه مدير الأمن.
ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
يتبع...مدير الأمن شد سلاحه فورًا ووجهه ناحية والد نادين.
اسكت!
لكن الراجل ضحك ضحكة قصيرة متعبة.
واضح إنك لسه بتخاف من الحقيقة.
نادين كانت بتبص بينهم في ذهول.
كل دقيقة كانت بتكتشف إن حياتها كلها مليانة أسرار ما
متابعة القراءة