لو سألتيني تاني أنا بعمل إيه جوة الحمام الساعة أربعة الصبح

لمحة نيوز

مرة في عمرها
ترتيب إيه؟! أنا طول عمري فاكرة إن عبد الحميد أخويا! دلوقتي بتقولوا إنه أبويا؟!
أختها مدت إيدها تمسك إيدها.
اقعدي وأنا أحكيلك من الأول.
جلست إجلال، لكن قلبها كان واقف.
أختها بدأت تحكي بصوت هادي
أمنا كانت صغيرة جدًا وقتها. أبوها كان راجل شديد، ورفض جوازها من عبد الحميد.
سكتت لحظة.
فاضطرت تهرب معاه، واتجوزوا بعيد عن العيلة.
رفعت عينيها لإجلال
وأنا كنت أول بنت لهم.
شهقت إجلال.
أختها كملت
وبعدها حصلت مشاكل كبيرة، وخوف من العيلة، فاضطر عبد الحميد يسيبني عند ناس قرايب ويبعد فترة.
بصّت ناحية الصورة.
وبعدها حصلت الحادثة اللي اتقال إنها وفاته وهو اختفى باسم جديد لفترة.
إجلال همست
يعني أنا؟
هنا أختها سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر جزء من تماسكها
إنتِ مش بنت أبوكي اللي اتكتب في شهادة ميلادك.
سقوط تاني.
إنتِ بنت عبد الحميد زيي.
سكتت الغرفة كلها.
حتى صوت البحر اللي بره كان باين كأنه اختفى.
رضوان خفض رأسه وقال بهدوء
علشان كده كان بيراقبك من بعيد طول السنين.
وكان رافض يقرب منك بشكل مباشر.
إجلال بصّت له بصدمة
وأنت كنت عارف؟
رضوان اتنهد.
من وقت ما شفت الملف لأول مرة وفهمت إن في خطأ كبير في الأوراق القديمة.
سكت.
وهو اللي طلب مني ما أقولكيش.
وقفت إجلال فجأة.
يعني كل حياتي كانت مبنية على كذب؟!
أختها قربت منها
مش كذب خوف.
لكن إجلال كانت بتنهار
أنا قضيت عمري كله فاكرة إن أخويا ميت وطلع أبويا عايش وأنا ماعرفش!
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بصوت مكسور
وهو فين دلوقتي؟
ساد صمت تاني.
هذه المرة مختلف.
ثقيل أكثر.
رضوان بص ناحية الأرض.
أختها بصّت للنافذة.
ثم قالت بهدوء شديد
قبل ما يبعث الرسالة الأخيرة كان في المستشفى.
وحالته كانت حرجة جدًا.
إجلال وقفت جامدة.
يعني إيه؟
رضوان قال بصوت منخفض
هو اللي كان مستنيك لكن الدكتور قال إن الزيارة لازم تتم في أسرع وقت.
أختها مدت لها ظرف جديد.
ده آخر تسجيل صوتي سابه ليكي.
إجلال مسكت الظرف بإيد بتترعش.
وفتحت الموبايل الصغير اللي جواه.
وضغطت تشغيل.
وصوت ضعيف، متعب، لكنه مألوف بطريقة مؤلمة، خرج
إجلال لو سمعتي الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أستناكِ لحد ما أشرحلك كل حاجة بنفسي
سكت صوت عبد الحميد لحظة، ثم أكمل
أنا عمري ما كنت قادر أقولك الحقيقة لأن الحقيقة كانت هتكسر طفلة عاشت عمرها كله على اسم غلط.
صوت نفسه كان بيتقطع.
أنا مش عايز منك غير حاجة واحدة
سكت تاني.
ثم قال
سامحيني إني كنت أبوكي من بعيد وخوفت أكون أبوكي من قريب.
انتهى التسجيل.
وسقط الهاتف من إيد إجلال.
لكن المرة دي ما وقعتش بس.
دي وقعت معاه كل السنين اللي فاتت.
رضوان اقترب منها بهدوء.
كان بيحميكي بطريقته الغلط.
أختها مسكت إيدها
وهو مستنيك دلوقتي في المكان اللي محدش يقدر يأخره عنه.
رفعت إجلال عينيها ببطء.
فين؟
رضوان قال
القبر لكنه كاتب اسمك عليه بإيده قبل ما يمشي.
في اللحظة دي
قررت إجلال إنها لازم تروح.
مش عشان النهاية.
لكن عشان أول مرة في حياتها
تواجه الحقيقة من غير ما حد يحكيها بدلها في الطريق للمقابر، كان الصمت هو اللي ماشي معاهم مش العربية.
إجلال كانت قاعدة جنب الشباك، عينيها مش بتتحرك، لكن عقلها شغال كأنه عاصفة.
كل كلمة سمعتها من ساعة ما دخلت البيت على البحر لحد دلوقتي كانت بتتكرر جواها بشكل مؤلم
أبوكي مش أبوكي أخوكي مش أخوكي الحقيقة خوف حماية موت
لحد ما رضوان قطع الصمت بهدوء
إحنا قربنا.
ما ردتش.
لكن إيدها كانت ماسكة طرف طرحتها بقوة كأنها بتتشبث بحاجة تمنعها تقع.
لما وصلوا، نزلت ببطء.
المقابر كانت هادية بشكل مخيف، والهواء تقيل.
أختها مشيت قدام، ورضوان وراهم.
وصلوا لقبر بسيط، عليه اسم محفور بخط واضح
عبد الحميد السيوفي
وتحت الاسم مباشرة جملة قصيرة
سامحيني يا بنتي
وقفت إجلال مكانها.
الكلمة دي بالذات ضربتها في قلبها.
بنتي
كأنها أول مرة تتقال لها من الشخص الصح.
اقتربت خطوة.
ركعت قدام القبر، وإيدها لمست التراب البارد.
أنا جيت
همست بصوت مكسور.
أنا جيت بس متأخرة ليه كده؟
الدموع نزلت لأول مرة من غير مقاومة.
مش بكاء صدمة لكن بكاء سنين كاملة اتكتمت جواها.
أختها وقفت جنبها وقالت بهدوء
هو كان دايمًا يقول اسمك كده بنتي.
رضوان وقف شوية بعيد، عينه مليانة وجع هادي، كأنه شايل كل اللي حصل.
إجلال فضلت ساكتة، وبعدين فجأة قالت
هو أنا أقدر أكره حد ميت؟
محدش رد.
سكتت لحظة، ثم كملت
ولا أسامحه؟
أختها ردت بصوت منخفض
إنتِ حرة بس هو ماطلبش حاجة غير السماح.
إجلال مسحت دموعها بإيدها.
وبعدين بصت للقبر وقالت بصوت أوضح شوية
أنا مش فاهمة كل حاجة ولا عمري هفهم.
سكتت.
ثم أضافت
بس اللي أنا فاهماه دلوقتي إنك كنت موجود حتى وإنت غايب.
الهواء اتحرك حواليهم كأن المكان نفسه اتنفس.
وفجأة رضوان قال
في حاجة لسه لازم تعرفيها.
رفعت عينيها له.
إيه تاني؟
أخرج ظرف صغير من جيبه.
ده كان مكتوب ليكي لو جيتي هنا.
أخذته بإيدين بيرتعشوا.
لكن قبل ما تفتحه، أختها مسكت إيدها
خليكي جاهزة دي آخر صفحة.
إجلال فتحت الظرف.
وبدأت تقرأ.
لكن السطر الأول خلى وشها يتغير تمامًا.
لأن المكتوب كان
لو وصلتي هنا يبقى في حد فيكم لسه ما يعرفش الحقيقة كلها
رفعت عينيها ببطء.
وبصت لرضوان.
ولأختها.
وقالت بصوت واطي جدًا
حقيقة إيه تاني؟
وساعتها
رضوان طأطأ رأسه لأول مرة من غير ما يقدر يجاوب السكوت اللي وقع بعد سؤال إجلال كان أثقل من أي اعتراف.
الريح في المقابر خفت فجأة، كأن المكان نفسه بيحاول يسمع الإجابة.
إجلال بصّت لرضوان
اتكلم متبقاش ساكت كده.
لكن رضوان ما رفعش عينه.
أختها كانت واقفة، وإيديها متشابكة قدام صدرها، ووشها شاحب بشكل واضح.
أخيرًا، رضوان قال بصوت هادي لكنه مكسور
أنا كنت فاكر إني عملت كل اللي عليّا عشان الحقيقة توصل في وقتها الصح.
إجلال ضحكت ضحكة قصيرة مش ضحك فرح، لكن ضحك وجع
وقت إيه؟! الحقيقة دي عمرها اتأخرت أربعين سنة!
خطت خطوة تجاهه
قولّي في إيه تاني؟
رفع رضوان عينه أخيرًا، وكانت فيها حاجة غريبة مش خوف، لكن استسلام.
قال
قبل ما عبد الحميد يموت بساعات كتب وصية جديدة.
شهقت إجلال
وصية جديدة؟! غير اللي قريته؟
هز رأسه.
آه ودي ماكنتش ليكي إنتِ بس.
سكت لحظة.
كانت لواحدة تانية كمان.
إجلال حست إن الأرض بتسحبها
واحدة تانية؟!
أختها فجأة قالت بصوت منخفض
إجلال اسمعي للنهاية.
لكن إجلال كانت خلاص وصلت لمرحلة ما بقاش فيها صبر.
إيه اللي ناقص؟! أخت طلعتي، وأب طلع مش أخ، ووصايا ورسائل إيه تاني؟!
رضوان تنهد، وقال الجملة اللي كسرت الشكل الأخير للصورة اللي كانت في دماغها
في بنت ثالثة.
سكون.
كأن العالم وقف.
إجلال همست
بنت ثالثة مين؟
أجاب
بنت عبد الحميد التالتة اللي اتولدت قبل الحادثة بسنة.
إجلال رجعت خطوة لورا
يعني إيه؟! عيلة كاملة أنا ماعرفهاش؟!
أختها اقتربت
إحنا كنا متفرقين من زمان كل واحدة في مكان.
رضوان أكمل
والوصية الأخيرة كانت بتقول إن كل واحدة فيكم ليها جزء من الحقيقة ومش هتكمل غير لما تتقابلوا التلاتة.
إجلال مسكت راسها بإيدها
تلاتة؟! يعني في واحدة تالتة عايشة؟
رضوان أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
كانت عنوان مكتوب بخط مهزوز.
دي مكانها.
إجلال بصّت للعنوان وعيونها ضاقت.
ده ده في نفس المدينة؟
هز رأسه.
وفي اللحظة دي، أختها قالت جملة هادية لكنها مخيفة
والأغرب إنها هي اللي طلبت تبدأ بالسكوت مش بالكلام.
إجلال رفعت رأسها بسرعة
يعني إيه؟
لكن رضوان قال بهدوء
يعني اللي مستنياكوا مش عايزة تحكي كل حاجة مرة واحدة.
سكت.
ثم أضاف
هي عايزة تشوف رد فعلكوا الأول.
إجلال بصّت للورقة في إيدها، وقلبها بدأ يدق بسرعة.
تشوف رد فعلنا؟ على إيه؟
رضوان أجاب أخيرًا
على الحقيقة الأخيرة اللي لو اتقالت ممكن تخلّي كل اللي فات يبان بسيط جدًا.
وساعتها بس
إجلال حسّت لأول مرة إن القصة لسه ما بدأتش أصلًا.

تم نسخ الرابط