لو سألتيني تاني أنا بعمل إيه جوة الحمام الساعة أربعة الصبح
المحتويات
للاسم المكتوب تحت الجملة.
وبمجرد ما قرأته، حسّت إن الأرض بتميد تحت رجليها.
الاسم كان
عبد الحميد السيوفي.
أخوها الكبير.
أخوها اللي اتقال إنه مات في حادث سفر سنة 1981.
أخوها اللي بكته سنين طويلة.
أخوها اللي أبوها عمله عزاء واستلم شهادة وفاته بنفسه.
رفعت الصورة وهي بتبص لرضوان بذهول.
عبد الحميد؟! أخويا؟!
أطرق رضوان رأسه.
أيوه.
إزاي؟! إزاي كان عايش؟!
جلس على الكرسي وكأنه يحمل جبلًا فوق كتفيه.
ثم قال
لأن عبد الحميد ما ماتش.
شعرت إجلال أن قلبها سيتوقف.
يعني إيه ما ماتش؟!
تنهد رضوان طويلًا.
بعد حادث المصنع بسنوات، أخوكي دخل في مشكلة كبيرة جدًا بسبب ناس كان عليهم ديون وأموال وأوراق تزوير. كان شاهد على حاجات خطيرة.
وبعدين؟
الناس دي كانت ناوية تقتله.
أخذ نفسًا عميقًا.
فاضطر يختفي.
يختفي؟!
أيوه... والشرطة وقتها ساعدته يخرج من البلد باسم جديد لحد ما القضية تخلص.
إجلال كانت تسمع وكأنها في حلم.
وأبويا؟ كان عارف؟
هنا سكت رضوان.
ثم هز رأسه.
أيوه.
شهقت.
أبويا كان عارف إن ابنه عايش؟!
أيوه.
انهارت دموعها.
كل سنوات الحزن.
كل الليالي التي بكت فيها أخاها.
كل الذكريات.
وفجأة تكتشف أن أباها كان يعرف.
قال رضوان
أبوكي أقسم عليّ ما أقولكش.
ليه؟!
عشان كل ما ناس أكتر تعرف، الخطر يزيد.
جلست إجلال صامتة.
لكنها انتبهت فجأة لشيء آخر.
طب إذا كانت القضية انتهت من زمان... ليه ما رجعش؟
هنا تغيّر وجه رضوان.
وكأن السؤال أصاب موضعًا مؤلمًا.
ثم قال
رجع.
رفعت رأسها بسرعة.
إيه؟!
رجع مصر من خمسة عشر سنة.
فين؟!
أجاب بصوت خافت
كان بيزورني.
تسارعت أنفاسها.
يعني أخويا كان بييجي هنا؟!
أيوه.
وأنت مخبي عليا؟!
كان بيطلب كده.
وقفت إجلال غاضبة لأول مرة منذ بداية الحديث.
لا... في حاجة تانية.
صمت رضوان.
في حاجة أكبر من كده.
لم يرد.
بص في عيني وقولي الحقيقة.
رفع عينيه إليها.
وكان فيهما حزن لم تره من قبل.
ثم قال
لأن عبد الحميد رجع مريض.
مريض إيه؟
كان عنده ورم خبيث.
سقطت إجلال على الكرسي.
وأكمل
رجع قبل وفاته بسنتين.
وكان بيقابلني كل أسبوع تقريبًا.
وكان كل مرة يسألني عنك وعن أولادك.
الدموع كانت تنزل بلا توقف.
ليه ما شفتوش؟
ابتسم رضوان بحزن.
لأنه كان رافض.
ليه؟!
كان عايزك تفضلي فاكرة صورة أخوكي الشاب اللي ساب البيت.
سكت قليلًا.
ثم أضاف
كان شايف إن المرض غيره جدًا.
مد يده نحو الدرج الصغير أسفل الحوض.
وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون.
ناولها إياه.
إيه ده؟
آخر حاجة سابها لي قبل ما يموت.
فتحت الظرف بأصابع مرتعشة.
كان بداخله خطاب.
مكتوب بخط تعرفه جيدًا.
خط أخيها.
وفي أول سطر قرأت
إلى أختي إجلال...
لو وصل لك الجواب ده، يبقى أنا مشيت فعلًا، لكن فيه حقيقة واحدة لازم تعرفيها قبل ما أموت...
وتوقفت إجلال عن القراءة.
لأن السطر التالي كان كافيًا ليقلب حياتها كلها رأسًا على عقب
أنا مش أخوكي الحقيقي.
يتبع...ارتجفت يد إجلال حتى كادت الورقة تسقط منها.
حدّقت في السطر مرة واثنين وثلاثة.
أنا مش أخوكي الحقيقي.
رفعت رأسها نحو رضوان.
إيه الكلام ده؟!
هزّ رضوان رأسه ببطء.
كمّلي.
بلعت ريقها بصعوبة وأكملت القراءة
عارف إن الكلام ده هيصدمك، لكن الحقيقة لازم تظهر قبل ما أموت.
يوم ولادتك، أمك الله يرحمها أنجبت بنتين توأم.
واحدة عاشت... وواحدة اتخطفت من المستشفى.
شعرت إجلال بدوار شديد.
تابعت
أبوكِ ما استحملش الفضيحة وقتها.
المستشفى خافت من القضية.
واتدفن الموضوع كله.
لكن أمك عمرها ما نسيت.
كانت دموعها تسقط على الورقة.
بعد سنين طويلة، وأنا بدوّر في أوراق قديمة تخص أبوكي، اكتشفت الحقيقة بالصدفة.
اكتشفت إن ليكي أخت عايشة في مكان ما.
رفعت إجلال عينيها مذهولة.
أخت؟!
قال رضوان
كمّلي.
أكملت بصوت مرتعش
فضلت أدور عليها سنين.
ولما لقيتها أخيرًا، كانت متجوزة وعندها أولاد وأحفاد.
وكانت عايشة من غير ما تعرف أي حاجة عن أصلها الحقيقي.
توقفت إجلال عن التنفس للحظة.
كنت ناوي أقولك بنفسي.
لكن المرض سبقني.
لذلك سلمت كل الأوراق لرضوان.
رفعت رأسها فجأة.
الأوراق؟
نهض رضوان بصمت.
واتجه إلى خزانة صغيرة مخفية خلف المرآة.
فتحها.
وأخرج ملفًا سميكًا مغبرًا.
وضعه أمامها.
فتحت الملف.
شهادات قديمة.
صور.
خطابات.
تقارير مستشفى.
وملف تحقيق يعود لعشرات السنين.
وفي الصفحة الأخيرة...
صورة امرأة مسنة.
ملامحها كانت صادمة.
كأنها تنظر إلى مرآة.
نفس العينين.
نفس الأنف.
نفس الابتسامة.
شهقت إجلال.
دي... دي شبهى!
قال رضوان بهدوء
لأنها أختك.
ظلت تحدق في الصورة طويلًا.
ثم سألت بصوت خافت
هي فين دلوقتي؟
ساد الصمت.
صمت طويل جدًا.
ثم جلس رضوان أمامها.
وأمسك يدها.
وقال
عشان كده كنت بصحى كل يوم الساعة أربعة الفجر.
نظرت إليه في حيرة.
فأكمل
الأدوية والحروق كانوا جزء من الحقيقة بس.
أمال الباقي؟
امتلأت عيناه بالدموع.
الباقي إني كنت بكلمها.
تجمدت إجلال.
مين؟
أختك.
شعرت أن قلبها توقف.
كانت عايشة؟!
أيوه.
وبتكلمها من ورايا؟!
كل يوم تقريبًا.
اختلطت الصدمة بالغضب والحزن.
وليه؟!
أجاب بصوت مكسور
لأنها كانت مريضة هي كمان.
وكان نفسها تشوفك.
لكنها كانت خايفة تدخلك حياتها فجأة بعد العمر ده كله.
أغمض عينيه.
وكنا بنجهز للقاء بينكم.
إمتى؟
انخفض صوته أكثر.
الأسبوع الجاي.
سقطت دمعة من عين إجلال.
ثم سألت السؤال الذي كانت تخشاه
هي لسه عايشة؟
نظر رضوان إليها طويلًا.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا من جيبه.
فتح رسالة وصلت قبل ساعات فقط.
ودفع الشاشة نحوها.
كانت رسالة قصيرة جدًا.
الحاج رضوان...
بلغ إجلال إني مستنياها.
الدكتور بيقول الوقت بقى قليل.
انهارت إجلال بالبكاء.
خمسة وثلاثون سنة كانت تظن أن السر داخل الحمام.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكثير.
لم يكن رضوان يخونها.
ولم يكن يخفي جريمة.
كان يحمل فوق كتفيه أسرار عائلة كاملة، ووعودًا قطعها لأشخاص رحلوا، ويحاول أن يجمع شمل أختين فرّق بينهما الزمن قبل أن ينتهي الوقت.
وفي صباح اليوم التالي...
لأول مرة منذ خمسة وثلاثين عامًا...
لم يدخل رضوان الحمام وحده الساعة الرابعة فجرًا.
بل جلست إجلال بجواره.
وأمامهما صورة المرأة التي تشبهها.
ينتظران شروق الشمس...
ليبدآ رحلة البحث عن ما تبقى من العمر.
تمت رغم إن القصة انتهت بشكل مناسب في الجزء السابق، أقدر أكملها كفصل جديد
لم تنم إجلال تلك الليلة.
كانت الصورة أمامها على الطاولة طوال الوقت.
كل دقيقة كانت تنظر فيها إلى وجه المرأة، كانت تشعر أنها تنظر إلى نسخة أخرى من نفسها عاشت حياة مختلفة تمامًا.
مع أول خيط للفجر، كان رضوان قد جهز كل الأوراق والعنوان.
ركبا السيارة مع ابنهما مصطفى، وانطلقوا إلى مدينة صغيرة على أطراف الإسكندرية.
طوال الطريق، لم تتوقف يد إجلال عن الارتعاش.
كانت تردد
معقول يكون عندي أخت طول العمر ده؟
ولم يكن أحد يملك جوابًا.
بعد ساعات وصلوا إلى منزل قديم يطل على البحر.
باب خشبي أزرق.
وشرفة صغيرة مليئة بأصص الريحان.
دق رضوان الجرس.
ثوانٍ مرت وكأنها سنوات.
ثم فُتح الباب.
ظهرت امرأة مسنة.
شعرها الأبيض مربوط للخلف.
وعيناها مليئتان بالدموع.
تجمدت إجلال مكانها.
المرأة أيضًا تجمدت.
لم يتكلم أحد.
فالكلمات لم تعد ضرورية.
كان الشبه بينهما مذهلًا.
وكأن الزمن قسم وجهًا واحدًا إلى نصفين.
خطت المرأة خطوة للأمام.
وقالت بصوت مرتعش
إجلال؟
وانهارت الاثنتان في البكاء.
احتضنت كل منهما الأخرى بقوة.
بكاء عمر كامل.
بكاء سنوات ضائعة.
وبكاء أسئلة لم تجد إجابة إلا بعد عقود.
جلسوا داخل البيت ساعات طويلة.
يحكون الذكريات.
ويقارنون الصور.
ويضحكون أحيانًا ويبكون أحيانًا أخرى.
لكن مع غروب الشمس، لاحظت إجلال شيئًا غريبًا.
كلما ذُكر اسم عبد الحميد...
كانت أختها تصمت فجأة.
وتغير الموضوع.
وفي النهاية سألتها مباشرة
إنتِ تعرفي عبد الحميد؟
ساد الصمت.
ثم نظرت المرأة إلى رضوان.
ونظرت إلى الملف القديم الموجود على الطاولة.
وقالت بهدوء
يبقى ماقالكيش كل الحقيقة.
شعرت إجلال أن قلبها انقبض.
حقيقة إيه؟
أخذت أختها نفسًا طويلًا.
ثم قالت
عبد الحميد ماكانش بيدور عليّ بس...
أمال؟
نظرت إلى صورة قديمة معلقة على الحائط.
وفيها شاب يبتسم بجوارها.
ثم قالت
عبد الحميد كان أبويا الحقيقي.
ساد الصمت في الغرفة.
أما رضوان...
فأغمض عينيه ببطء.
وكأنه كان يعرف أن هذا السر، مهما تأخر، سيخرج إلى النور يومًا ما.
يتبع...ساد الصمت في الغرفة لثواني طويلة، صمت تقيل كأنه حجر نزل على صدر إجلال.
بصّت لأختها وبعدين لرضوان وبعدين للملف اللي على الترابيزة.
إيه الكلام ده؟ أبوكي؟ إزاي يعني؟
أختها أخذت نفس عميق، وعينيها دمعت أكتر.
أنا كنت فاكرة إنك عارفة أو على الأقل اتقال لك بطريقة مختلفة.
رضوان رفع رأسه فجأة، كأنه لأول مرة يسمع الصيغة دي كاملة.
إجلال خلينا نمشي بالترتيب.
لكن إجلال قاطعته بعصبية لأول
متابعة القراءة