لو سألتيني تاني أنا بعمل إيه جوة الحمام الساعة أربعة الصبح
لو سألتيني تاني أنا بعمل إيه جوة الحمام الساعة أربعة الصبح، أقسم بالله العظيم هسيب لك البيت ده ومش هتشوفي وشي تاني!
ده الكلام اللي قاله لي جوزي بعد خمسة وتلاتين سنة جواز.
اسمي إجلال، عمري دلوقتي تمانية وسبعين سنة، ولأكتر من نصف عمري، نمت جنب راجل كنت فاكرة إني عارفاه وعاجناه وخبزاه وعارفة عنه كل دبة نملة.
عشنا في بيت متواضع مبني بالطوب الأحمر في حواري شبرا، من البيوت اللي اتبنت بالصبر والشقاء على مدار سنين طويلة.. بورديات الشغل الإضافي، وبجمعيات لمتناها، وباللقمة اللي كنا بنقاصص منها من بوقنا عشان نسدد القروض وندفع مصاريف المدارس.
جوزي، الحاج رضوان، كان من نوعية الرجالة اللي الناس بتقول عليهم يسد في غيبتك.. راجل هادي، شقيان، عمره ما شرب سيجارة، ولا علا صوته في الحارة، ولا عمل مشكلة مع حد.
كل جاراتي كانوا بيحسدوني ويقولوا لي يا بختك يا إجلال.. رضوان ده مفيش منه اثنين في الزمن ده.
قابلته سنة 1969 في فرح في المنطقة. كان عنده خمسة وعشرين سنة وشغال في مصانع الحديد والصلب في حلوان. وأنا كان عندي اثنين وعشرين سنة وعايشة تحت حكم أبويا الصارم الله يرحمه. اتجوزنا في الربيع اللي بعده، وربّينا مع بعض ولدين وبنت، مصطفى وأميرة، وكبرناهم لحد ما اتجوزوا وشافوا طريقهم.
عمرنا ما عشنا في رفاهية، بس كنا بنعدي أي موجة ترميها الحياة علينا بالرضا والستر.
لكن رضوان كان عنده عادة واحدة، عادة كانت بتاكل في قلبي بهدوء من غير ما حد يحس.
كل يوم الصبح، من غير ولا يوم إجازة، كان بيصحى الساعة أربعة الفجر بالتمام.
يقوم من السرير بخفة من غير ما يعمل صوت، ويمشي في الممر لحد الحمام السفلي، يقفل الباب وراه بالمفتاح، ويفضل جوة لمدة ساعة كاملة.
في الأول قولت يمكن تعبان.. بعد كده قولت يمكن بيصلي قيام الليل.. أو مخبي عليا مرض.. أو بيكلم حد في السر.
بس ولا حاجة من دي كانت راكبة على العقل.
عمره ما رجع البيت ريحته وحشة، ولا شرب، ولا سهر بره. كان عايش كأنه راجل مرعوب من الغلط.
والأغرب مكنش في الروتين نفسه.. الأغرب كان في السكوت اللي جوه الحمام.
أوقات كنت أقف ورا الباب أسمع صوت الميه شغال، وصوت قزاز دوا بيخبط في الحوض، وأكياس بلاستيك بتتفرد. ومن وقت للتاني تنهيدة مكتومة أو آهة طالعة بالعافية.. حاجة بين الوجع والصمت.
أول مرة سألته وش في وش، وشه اتغير فجأة وقال
دي معدتي يا إجلال.. أبوس إيدك بلاش أسئلة مالهاش لازمة.
فسكت.
اتربينا إحنا جيلنا إننا منفتحش أبواب مقفولة، ونعدّي ونستر.
لكن كان فيه حاجات تانية أغرب.
رضوان عمره ما لبس نص كم في حياته، حتى في عز الصيف. عمره ما غير هدومه قدامي. وحتى في لحظاتنا الخاصة، كان لازم كل النور يتطفي ويبقى ظلام كامل.
ولو حضنته فجأة، جسمه كله يتخشب كأنه حجر.
وفي ليلة، بعد ما العيال كبروا والبيت فضي علينا، انفجرت فيه وأنا على السفرة
أنت مخبي عليا إيه يا رضوان؟ متجوز عليا؟ ورايا ست تانية؟
المعلقة وقعت من إيده.. وبص لي بخوف عمري ما شفته في عينيه قبل كده، وقال
أوعي تقولي الكلمة دي تاني يا إجلال.. أوعي!
أمال قولي إيه اللي بتخبيه في الحمام الفجر بقالك 35 سنة؟
وفجأة قام من مكانه وجسمه كله بيرتعش.. وبكى.
أول مرة أشوفه بيبكي في كل السنين دي.
وطى راسه وقال بصوت مكسور
أنا مخبيه ومستحمله طول السنين دي.. عشان أحميكي إنتِ والعيال!
الجملة دي هزتني من جوا وخليت النار تزيد جوايا بدل ما تهدى.
انتهى الجزء الأول
يا ترى إجلال لما تقرر تبص من خرم الباب الساعة 4 الفجر، هتشوف إيه جوه الحمام؟
وإيه السر اللي رضوان مخبيه 35 سنة؟
الهواري
متنسوش الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم
القصه مذهله للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعارإجلال ماقدرتش تنام الليلة دي.
فضلت تتقلب على السرير، وكلمات رضوان ترن في ودانها
مخبيه ومستحمله طول السنين دي... عشان أحميكي إنتِ والعيال.
تحميهم من إيه؟
ومن مين؟
وليه كل الخوف ده؟
الساعة قربت من أربعة الفجر، وهي فاتحة عينيها في الضلمة.
أول ما حسّت بحركة رضوان وهو بيقوم من السرير كعادته، أغمضت عينيها وتظاهرت بالنوم.
خرج بهدوء.
سمعت خطواته في الممر.
وبعدين صوت المفتاح وهو بيقفل باب الحمام.
قلبها كان بيدق بعنف.
قامت من السرير على أطراف صوابعها.
وصلت عند الباب.
ولأول مرة في حياتها... قررت تكسر الوعد اللي بينها وبين نفسها طول خمسة وتلاتين سنة.
انحنت على خرم المفتاح.
وفي اللحظة اللي بصّت فيها...
شهقت.
وكادت تقع على الأرض.
جوه الحمام ماكانش فيه أي حاجة من اللي تخيلتها.
لا ست.
ولا تليفون.
ولا أسرار إجرامية.
رضوان كان واقف قدام المراية... وقميصه مخلوع.
ولأول مرة شافت جسمه كامل.
صرخة مكتومة خرجت منها وهي بتغطي بقها.
ظهره وصدره كانوا مليانين آثار حروق قديمة.
جلده في أماكن كتير كان مشوه بشكل مرعب.
كأن نار ضخمة أكلت نص جسمه في يوم من الأيام.
ورضوان واقف قدام المراية ببطء... بيفك الضمادات الملفوفة حول كتفه وجنبه.
بعدها فتح كيس بلاستيك كبير.
وأخرج منه مراهم وأدوية.
وبدأ يدهن جسمه بصعوبة.
كل حركة كانت بتطلّع منه آهة وجع مكتومة.
وفجأة...
طلع من درج صغير تحت الحوض صورة قديمة.
قربها من وشه.
وبكى.
بكى بنفس الطريقة اللي بكى بيها قدامها على السفرة.
إجلال ماقدرتش تستحمل أكتر.
خبطت على الباب بعنف.
افتح يا رضوان!
اتجمد مكانه.
إجلال؟!
افتح!
بعد ثوانٍ طويلة...
فتح الباب.
ولما شاف إنها شايفة كل حاجة...
عرف إن السر انتهى.
جلس على الأرض.
وكأنه استسلم أخيرًا.
قال بصوت مبحوح
سامحيني...
صرخت فيه
إيه ده؟! إيه اللي حصل في جسمك؟!
سكت شوية.
ثم قال
فاكرة سنة 1977 لما قولتلك إني كنت مسافر مأمورية شغل أسبوعين؟
هزت رأسها.
قال
أنا ماكنتش مأمورية.
وسكت.
ثم أكمل
كان فيه انفجار ضخم في المصنع... النار مسكت في المكان كله.
بدأت دموعه تنزل.
كان معايا يومها خمسة عمال شباب... لو كنت جريت كنت هعيش من غير إصابة.
لكنهم كانوا محبوسين جوه.
إجلال جلست أمامه وهي ترتعش.
أكمل
دخلت أطلعهم... وفعلاً خرجوا كلهم أحياء.
بس أنا اتحبست جوه بعدهم.
وسكت للحظة.
والدكاترة قالوا إني مش هعيش.
ولما عشت... قالوا إن التشوهات دي هتفضل معايا طول العمر.
رفعت إجلال عينيها إليه والدموع تغرق وجهها.
لكن السؤال الأهم مازال موجودًا.
طيب... ليه خبيت عليا؟
هنا انهار رضوان تمامًا.
وقال
لأن الدكتور قال إن منظري ممكن يخوفك.
وإنتِ وقتها كنتِ حامل في أميرة.
وأبوكِ كان بيقول طول الوقت إن الراجل المشوه عبء على مراته.
خفت تسيبيني.
هزت رأسها بقوة وهي تبكي.
لكنه أكمل
ومن يومها وأنا بدهن الجروح كل فجر قبل ما تصحي.
عشان عمرك ما تشوفي الندوب.
وعشان تفضلي شايفاني الراجل اللي اتجوزتيه.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
خمسة وثلاثون سنة من الخوف والوجع اختصروا في دقائق.
ثم مدت إجلال يدها ببطء.
ولأول مرة منذ زواجهم...
وضعت كفها على آثار الحروق.
وقالت وهي تبكي
يا رضوان... أنا ماكنتش هخاف منك.
أنا كنت هخاف عليك.
وأجهش الاثنان بالبكاء.
لكن رضوان مسح دموعه فجأة.
ونظر نحو الصورة القديمة الموجودة فوق الحوض.
الصورة التي كانت إجلال قد لمحتها من خرم الباب.
ناولها الصورة بيد مرتعشة.
وعندما نظرت إليها...
شحب وجهها.
لأن الرجال الخمسة الذين أنقذهم رضوان من الحريق...
كان بينهم شخص تعرفه جيدًا جدًا.
شخص أعلنت الحكومة وفاته رسميًا منذ أكثر من ثلاثين سنة.
شخص كان من المفترض أنه ميت...
لكنه كان واقفًا في الصورة، مبتسمًا، بجوار رضوان.
وعلى ظهر الصورة بخط قديم باهت كانت مكتوبة جملة واحدة
لو حصل لي حاجة... أوعى تقول لإجلال الحقيقة.
يتبع...تجمدت إجلال وهي ماسكة الصورة.
بصّت مرة تانية