جوزي وبناتنا

لمحة نيوز


حادثة وفاة سارة نفسها.
حسيت إن قلبي وقع.
إزاي توقيع سارة موجود على مستند في نفس اليوم اللي اتقال إنها ماتت فيه؟
هل كانت عايشة بعد الحادثة؟ وهل فيه حد استخدم توقيعها بعد وفاتها؟
وقبل ما حد يقدر يرد، رن تليفون خالي محمود.
رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة وبص لي.
هالة اتواصلت معايا. قالت إنها مستعدة تقابلنا، لكن مش في مصر.
سألته بذهول
يعني إيه مش في مصر؟
هي موجودة في بلد تانية، ومعاها مستندات أصلية. وبتقول إنها مش هتسلم أي ورقة إلا لما تشوف ريبيكا وإيميلي بنفسها.
دانيال اعترض
مش هنسافر ورا شخص مجهول من غير ما نتأكد من هويته. لازم نتواصل مع محامٍ ونتأكد إن المستندات أصلية.
وافقت على كلامه المرة دي.
لكن قبل ما نقرر أي حاجة، وصلت رسالة على تليفوني من رقم دولي.
كانت صورة لجواب قديم، وفي أسفل الصورة توقيع سارة.
والرسالة مكتوب فيها
ريبيكا، لو عايزة تعرفي الحقيقة عن اللي حصل ليلة ميلاد إيميلي، اسألي أمك عن الطفل اللي اتسجل باسم مختلف، واسألي دانيال ليه احتفظ بالنسخة التانية من شهادة الميلاد.
رفعت عيني ببطء ناحية جوزي.
وشه اتغير أول ما شاف الرسالة.
دانيال إيه النسخة التانية من شهادة الميلاد؟
فضل ساكت.
قربت منه، وقلت بصوت مخنوق
أرجوك، مش هقدر أستحمل سر جديد. قولي الحقيقة.
بعد لحظات طويلة، فتح شنطته وطلع مظروفًا أبيض قديمًا.
مدهولي وقال
دي الورقة اللي كنت بدور على فرصة أوريهالك من أول ما رجعنا من السفر.
فتحت المظروف.
كان جواه مستند رسمي عليه اسم إيميلي، وتاريخ ميلادها، وختم مستشفى.
لكن في خانة بيانات الأم، كان فيه اسم مختلف عن اسمي.
هالة محمود عبدالسلام.
بصيت للورقة، وبعدها بصيت لبنتي.
إيميلي كانت واقفة جنبي، وعينيها مليانة دموع.
همست
ماما أنا مش فاهمة. يعني إيه اسم واحدة تانية مكتوب مكان اسمك؟
حضنتها وقلت
مش هنصدق أي استنتاج قبل ما نراجع المستندات ونتأكد من صحتها. إنتِ بنتي، وده مش هيتغير.
لكن جوايا، كان فيه سؤال واحد مش راضي يسكت
هل كانت شهادة الميلاد دي مجرد خطأ قديم، ولا إن فيه سر أكبر متعلق بهوية إيميلي نفسها؟
والأخطر من كده، ليه سارة كانت بتحاول توصل لهالة قبل وفاتها، وليه دانيال احتفظ بالمستند ده كل السنين دي من غير ما يقول لي؟
في اللحظة دي، المحامي عادل قرب مننا، وبص للمستند بعناية، وبعدها قال
فيه حاجة مش طبيعية في الورقة دي. الختم أصلي، لكن رقم التسجيل مش مطابق لأي سجل ولادة رسمي عندنا.
وبعدين أشار إلى ظهر الشهادة.
كان فيه سطر مكتوب بخط اليد، ومحدش فينا لاحظه قبل كده
لا يتم تسليم النسخة الأصلية إلا بحضور صاحبة الملف.
لكن مين صاحبة الملف الحقيقية؟
أنا؟ إيميلي؟ ولا هالة اللي اختفت بنتها من المستشفى من سبعتاشر سنة؟
يتبع
النهاية الحقيقة اللي خبّوها سبعتاشر سنة!
فضلت باصة لشهادة الميلاد، وإيديا بتترعش، وكل اللي حواليا ساكتين.
اسم هالة كان مكتوب مكان اسمي، لكن دانيال أكد لي إنه عمره ما شك إن إيميلي بنتي، وإنه احتفظ بالورقة لأنه كان بيحاول يفهم سبب اختلاف البيانات.
قررت إننا مش هنفضل نعيش في دوامة الشك دي أكتر من كده.
اتفقنا مع المحامي إننا نتواصل مع هالة عن طريق الجهات القانونية، ونتأكد من هويتها ومن صحة المستندات قبل ما نصدق أي رواية.
وبعد أيام من الانتظار، وصلنا رد منها. وافقت تقابلنا في مكتب محامٍ مستقل، وبعتت مستندات أصلية كانت محتفظة بيها من سنين.
يوم المقابلة، دخلت هالة المكتب وهي ست في أواخر الخمسينات، وشعرها بدأ يشيب، لكن عينيها كان فيهم حزن سنين طويلة.
أول ما شافت إيميلي، وقفت مكانها، وحطت إيدها على بقها.
وبصوت مرتعش قالت
إنتِ كبرتي يا بنتي
إيميلي بصت لها باستغراب، وبعدين سألتها
حضرتك تعرفيني منين؟
هالة قعدت، وبدأت تحكي.
من سبعتاشر سنة، كانت هالة ولدت بنتها في نفس المستشفى اللي اتولدت فيه إيميلي. حصلت وقتها فوضى في تسجيل بيانات المواليد بسبب نقل الأطفال بين الأقسام، وبعدها اكتشفوا إن فيه ملفات اتعدلت من غير استكمال الإجراءات القانونية.
هالة كانت مقتنعة إن بنتها اتسجلت ببيانات غلط، لكنها مقدرتش تثبت ده، خصوصًا بعد ما اختفت بعض الأوراق من الأرشيف.
أما سارة، فكانت بتساعدها في البحث عن الحقيقة، لأنها اكتشفت إن والدنا كان محتفظ بنسخ من المستندات الأصلية.
لكن قبل ما سارة تقدر تكشف كل حاجة، حصلت حادثة وفاتها، وضاع جزء كبير من الأدلة.
سألت هالة بصوت متقطع
طب إيه علاقة إيميلي بالموضوع؟
هالة بصت لها، وبعدها بصت لي.
أنا مش جاية أقول إن إيميلي بنتي، ولا إن ريبيكا مش أمها. أنا جاية عشان أوضح إن فيه ملف اتنسب لطفلة تانية، واتستخدم بعد كده في مراجعة أوراق عيلتكم. وده اللي خلى الأسماء تتداخل في السجلات.
المحامي فتح المستندات اللي جابتها هالة، وراجعها مع الملفات الرسمية، وبعد مراجعة طويلة، اتضح إن شهادة الميلاد اللي كان فيها اسم هالة مكان اسمي نسخة غير معتمدة، ومش دليل على نسب إيميلي.
أما السجل الأصلي، فكان محفوظًا في أرشيف مختلف، وبياناته متطابقة مع بيانات ولادتي وولادة إيميلي.
حسيت براحة كبيرة، لكن كان لسه فيه سؤال مهم
مين اللي غيّر الأوراق؟
هالة بصت لدانيال، وبعدها قالت
والد ريبيكا اكتشف التلاعب، لكنه بدل ما يبلغ عنه فورًا، أخفى بعض النسخ لحماية الأدلة. وبعد وفاته، وصلت نسخ من الملف لدانيال عن طريق محامٍ كان بيتابع القضية. دانيال حاول يراجعها، لكنه غلط لما قرر يخبي عن ريبيكا اللي بيحصل.
دانيال نزل عينه للأرض، وقال
أنا كنت فاكر إني بحميها من صدمة جديدة، لكني كنت غلطان. كان لازم أحكيلها من البداية.
بصيت له وقلت
إنت حرمتني من حقي في إني أعرف الحقيقة بنفسي. حتى لو كانت نيتك كويسة، السكوت خلاني أشك في كل حاجة.
اعتذر لي، لكني قلت له إن الثقة مش بترجع بكلمتين، وإنه لازم يثبت بأفعاله إنه اتعلم من اللي حصل.
وبكده، بدأ اللغز يتفك.
لكن كان فيه سؤال أخير متعلق بسارة.
المحامي استخرج من الصندوق جوابًا قديمًا بخط إيدها، كانت كاتباه قبل وفاتها بفترة قصيرة.
فتحت الجواب وقرأت
ريبيكا حبيبتي، لو وصل لك كلامي يومًا، عايزاكي تعرفي إني عمري ما كنت ضدك، ولا كنت عايزة أخبي عنك حاجة تؤذيكي. كنت بحاول أساعد هالة توصل لأوراق بنتها، وفي نفس الوقت أحافظ على الأدلة اللي تثبت التلاعب اللي حصل.
لو معرفتش أكمل الطريق، أتمنى إنتِ تكمليه، لكن من غير ما تظلمي حد قبل ما تعرفي الحقيقة.
فضلت ماسكة الجواب وعيوني مليانة دموع.
لأول مرة، فهمت إن سارة ماكنتش بتحاول تخبي عني سرًا يخصني، لكنها كانت بتحاول تكشف ظلم حصل لست تانية، وإن الملفات اللي اتداخلت خلت عيلتنا كلها تعيش في دوامة من الشك والخوف.
أما خالي محمود، فاعترف إنه غلط لما طلب من إيميلي تقابله من غير ما يرجع لي، ووعد إنه مش هيتصرف تاني بالطريقة دي.
وإيميلي بدأت تخرج من حالة الخوف اللي عاشت فيها من يوم الرحلة، خصوصًا بعد ما اتطمنت إن فيه ناس هتساعدها من غير ضغط أو تهديد.
وبالنسبة لحملها، أخدناها لطبيبة متخصصة، واتفقنا على متابعة حالتها الصحية وتوفير الدعم النفسي ليها. فضلت تفاصيل الأبوة خارج أي استنتاجات مبنية على الشائعات أو الملفات القديمة، واتعاملنا معاها باعتبارها مسألة منفصلة لازم تتفهم بطريقة آمنة ومسؤولة.
مرت شهور، وقدرنا نوصل للجهات المختصة بكل المستندات، وبدأ التحقيق في التلاعب بالسجلات القديمة.
أما أنا، فاحتفظت بجواب سارة في صندوق صغير، جنب صورة لينا وإحنا أطفال.
وفي يوم، كنت قاعدة مع إيميلي في البلكونة، فقالت لي
ماما، إنتِ لسه زعلانة من بابا؟
بصيت لها وابتسمت بحزن.
أنا زعلانة من اللي حصل، لكن مش عايزة أفضل عايشة في الخوف والشك. اللي يهمني دلوقتي إننا نعرف الحقيقة، ونحمي نفسنا، ونتعلم إن مفيش سر يستاهل إننا نكسر بعض عشانه.
إيميلي مسكت إيدي وقالت
أنا كنت خايفة تخسري ثقتك فيا.
حضنتها وقلت
إنتِ بنتي، وهفضل جنبك. لكن لو حصلت مشكلة، لازم نواجهها سوا، ومحدش فينا يشيل الخوف لوحده.
وفي اللحظة دي، حسيت إن حياتنا بدأت ترجع لطبيعتها، حتى لو بعض الجروح لسه محتاجة وقت عشان تخف.
اتعلمت من اللي حصل إن الحقيقة ممكن تكون مؤلمة، لكن إخفاءها بيحوّل الخوف لسنين من الشك، وإن الحب الحقيقي مش معناه إننا نقرر بدل بعض، لكنه معناه إننا نواجه الصعب مع بعض.
أما السر اللي بدأ برحلة صيفية، وانتهى بملفات قديمة واعترافات متأخرة، ففضل درسًا عمرنا ما هننساه
مش كل شخص بيخبي الحقيقة بيكون شرير، لكن حتى النوايا الكويسة مش مبرر إننا نسلب غيرنا حقه في المعرفة والاختيار.
تمت النهاية.

 

تم نسخ الرابط