في 3 شهور

لمحة نيوز


شاف الوجه اللي ظاهر في الخلفية، اتغيّرت ملامحه تمامًا.
مستحيل... الشخص ده المفروض إنه ما يعرفش أي حاجة عن عيلتنا!
ماري سألته بقلق
مين الشخص ده يا أستاذ دانيال؟!
دانيال فضّل ساكتًا لثوانٍ، وبعدين قال
الشخص ده هو الوحيد اللي كان يقدر يساعد سارة في ترتيب الموضوع اللي في الملف... وأنا كنت فاكر إن علاقتنا بيه انتهت من سنين!
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن اسم الشخص ده مكتوب على ظهر الصورة، وتحته تاريخ اليوم اللي اتاخدت فيه... وهو نفس اليوم اللي سارة كتبت فيه رسالتها الأخيرة! 
يتبع...
ماري فضلت واقفة مكانها، وعينيها اتنقلت بين دانيال والورقة اللي في إيده.
اسمي؟! إزاي يعني اسمي موجود في ملف حضرتك؟ أنا أول مرة أشوفك فيها كانت النهارده!
دانيال مدّ لها الورقة، وأشار للسطر اللي تحت التوقيع.
كان مكتوب بوضوح
في حالة احتياج أطفالي الثلاثة إلى مساعدة متخصصة، أرجو التواصل مع ماري حسن، التي أثق في قدرتها على التعامل معهم بحنان وحزم.
وتحت الاسم كان فيه رقم تليفون قديم وتاريخ يرجع لأكتر من سنة!
ماري حطّت إيدها على بُقها من الصدمة.
ماري حسن؟! ده اسمي فعلًا... بس أنا عمري ما قابلت مدام سارة!
دانيال بصّ لها بتركيز.
متأكدة إنك ما تعرفيهاش؟
متأكدة يا أستاذ دانيال! أنا كنت بشتغل في حضانة صغيرة، وبعدها اشتغلت مع عائلات بسيطة. عمري ما اشتغلت في قصر، ولا أعرف أي حد من معارف حضرتك!
في اللحظة دي، دخلت فيكتوريا الصالون، ولما شافت الورقة في إيد ماري، وشها اتغيّر.
إنتوا لقيتوا الصفحة دي؟!
دانيال لفّ ناحيتها بسرعة.
أيوه، وعايز أفهم كل حاجة. مين ماري؟ وليه سارة كتبت اسمها هنا؟
فيكتوريا قعدت، وأخذت نفسًا طويلًا، وبعدين قالت
أنا أعرف ماري... أو بالأصح، أعرف أمها.
ماري اتسمرت مكانها.
أمي؟! إنتِ تعرفي أمي منين؟!
فيكتوريا بصّت لها بحزن.
أمك كانت بتشتغل مع سارة في جمعية خيرية صغيرة من سنين. الجمعية دي كانت بتساعد الأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، وسارة كانت بتروح هناك كل أسبوع تقريبًا.
ماري حاولت تفتكر، لكن ذاكرتها ما جابتش أي حاجة واضحة.
أمها كانت فعلًا بتشارك في أنشطة خيرية، لكنها ما كانتش بتحكي تفاصيل كتير عن الناس اللي بتقابلهم.
فيكتوريا كملت
قبل وفاة سارة بفترة، كانت بتتكلم كتير عن الأطفال اللي محتاجين حد يسمعهم ويفهمهم بدل ما يعاقبهم على كل تصرف. وفي إحدى الزيارات، قابلت أمك، وحكت لها عن صعوبة التعامل مع التلاتة بعد ما بدأت صحتها تتدهور.
ماري سألت بلهفة
وأمي قالت لها إيه؟
فيكتوريا ابتسمت ابتسامة حزينة.
قالت لها إن الأطفال مش محتاجين حد يخافوا منه، لكن محتاجين حد يقدر يحط حدود واضحة من غير ما يكسر ثقتهم في نفسهم. سارة أعجبت جدًا بالطريقة دي، وفضلت تسأل عن الناس اللي عندهم نفس الأسلوب.
دانيال بصّ لماري، وبعدين للورقة.
لكن ليه اختارتك إنتِ تحديدًا؟
فيكتوريا هزّت راسها.
دي حاجة أنا ما أعرفهاش بالتفصيل. سارة هي اللي كتبت اسمك، وطلبت من يوسف يحتفظ بالورقة.
ماري كانت لسه مصدومة، لكن فجأة افتكرت حاجة.
قبل أسبوعين من وصولها للقصر، اتصلت بيها وكالة توظيف، وقالوا لها إن فيه أسرة محتاجة مربية، وإن اسمها وصل لهم عن طريق ترشيح قديم.
وقتها، سألتهم عن تفاصيل الأسرة، لكنهم ما قالوش غير إن الأب عنده تلاتة أطفال صغيرين، وإنه محتاج حد صبور ويقدر يتعامل مع سلوكهم الصعب.
ماري بصّت لدانيال وقالت
أنا افتكرت إن الوكالة رشحتني عشان خبرتي مع الأطفال، لكن محدش قال لي إن فيه حد طلبني بالاسم!
دانيال مسك تليفونه واتصل بوكالة التوظيف، وطلب يعرف مين صاحب الترشيح الأصلي.
بعد دقائق من الانتظار، الموظفة رجعت له بإجابة غريبة.
الترشيح كان موجودًا في سجلات الوكالة من أكتر من سنة، لكن من غير اسم الشخص اللي قدّمه. وكل اللي مسجل إن الطلب يتراجع لو الأسرة احتاجت مربية للأطفال الثلاثة.
دانيال أنهى المكالمة، وفضل ساكتًا.
كل حاجة بدأت تتجمع قدامه، لكن لسه فيه أسئلة أكتر من الإجابات.
ماري قالت بهدوء
يا أستاذ دانيال، أنا مش عارفة ليه مدام سارة كتبت اسمي، لكن أنا مش هسيب الأطفال لمجرد إن الموضوع بقى معقد. أنا جيت أشتغل، وهعمل اللي أقدر عليه عشان أساعدهم.
دانيال بصّ لها بامتنان.
أنا مش عايزك تفضلي عشان الورقة، ولا عشان سارة كانت كاتبة اسمك. أنا عايزك تفضلي لو إنتِ شايفة إنك تقدري تساعدينا فعلًا.
ماري هزّت راسها.
أنا مستعدة أحاول، بس لازم حضرتك تكون جزء من الحل. الأطفال محتاجين وجودك، مش وجودي أنا بس.
دانيال وافق، ولأول مرة من شهور، بدأ يحس إنه مش مضطر يواجه كل حاجة لوحده.
لكن فيكتوريا كانت لسه مخبية حاجة.
بعد ما ماري طلعت مع الأطفال عشان تساعدهم يرتبوا ألعابهم، فيكتوريا قربت من دانيال وهمست
فيه سبب تاني خلّى سارة تكتب اسم ماري في الملف.
دانيال بصّ لها.
إيه هو؟
فيكتوريا ترددت، وبعدين قالت
سارة كانت شايفة إن ماري ممكن تساعد الأطفال يتجاوزوا تجربة صعبة حصلت لهم قبل وفاتها... تجربة إنت ماكنتش موجود وقتها، لأنها حصلت في يوم كنت مسافر فيه لشغلك.
دانيال حسّ بقلق شديد.
تجربة إيه؟!
فيكتوريا بصّت ناحية السلم، واتأكدت إن الأطفال مش سامعينهم.
في اليوم ده، حصل موقف في الحديقة خلّى التلاتة يخافوا جدًا، وسارة اضطرت تطلب مساعدة من حد عشان تهديهم. وبعدها، قررت إنها لازم تلاقي طريقة تساعدهم يتكلموا عن خوفهم بدل ما يخبّوه.
دانيال سألها بسرعة
وإنتِ كنتِ موجودة؟!
فيكتوريا هزّت راسها.
لأ، لكن سارة حكت لي اللي حصل بالتفصيل، وطلبت مني ما أستخدمش الحكاية دي ضد الأطفال أبدًا.
دانيال بدأ يفقد صبره.
طيب، إيه اللي حصل في الحديقة؟!
فيكتوريا فتحت بُقها عشان تجاوب، لكن في اللحظة نفسها، سمعوا صوت تكسير جاي من فوق!
جروا ناحية السلم، ولقوا باب أوضة سارة مفتوح، وماري واقفة جوه، وشها شاحب.
الأطفال التلاتة كانوا واقفين في ركن الأوضة، والولد الأكبر ماسك صورة قديمة بإيد مرتعشة.
ماري بصّت لدانيال وقالت
أنا كنت بساعدهم يرتبوا ألعابهم، والولد ده طلب يشوف أوضة أمه. أول ما دخلنا، لقينا الصورة دي واقعة ورا الدولاب... ولما شافها، بدأ يعيط ويقول إنه افتكر اللي حصل!
دانيال قرب من ابنه واحتضنه.
إيه اللي افتكرته يا حبيبي؟ حصل إيه؟
الولد أشار للصورة، وقال بصوت متقطع
بابا... دي الصورة اللي ماما كانت مخبياها، واللي بسببها إحنا بطلنا نحب نلعب في الحديقة!
دانيال أخذ الصورة من إيده.
كانت صورة لسارة وهي واقفة جنب شجرة كبيرة في الحديقة، والأطفال التلاتة بيلعبوا حواليها.
لكن في الخلفية، كان فيه شيء غريب لم يلاحظه دانيال من قبل.
باب صغير في سور الحديقة، كان دانيال متأكدًا إنه اتقفل واتردم من سنين!
بصّ لفيكتوريا، فوجدها بتتراجع خطوة لورا.
وسألها بصوت حاسم
إيه حكاية الباب ده؟!
فيكتوريا ما ردّتش.
لكن الولد الأصغر شدّ إيد أبوه وهمس
يا بابا... إحنا شفنا حد بيخرج من الباب ده يوم ما ماما عيطت، وبعدها طلبت مننا ما نحكيش لحد!
دانيال رفع عينيه للصورة مرة تانية، وفهم إن الحكاية اللي سارة حاولت تحمي أطفالها منها يمكن تكون مرتبطة بالسر اللي لسه بيكتشفه.
وقبل ما يسألهم عن أي تفاصيل، رنّ جرس الباب الرئيسي للقصر.
أحد العاملين راح يفتح، وبعد لحظات رجع وهو شايل ظرفًا كبيرًا، وقال
أستاذ دانيال، فيه شخص سلّم الظرف ده، وقال إنه لازم يوصلك بنفسك النهارده.
دانيال فتح الظرف، ولقى جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن اللي حصل في الحديقة، اسأل فيكتوريا عن المفتاح اللي احتفظت بيه من يوم وفاة سارة.
دانيال رفع راسه ببطء.
وبصّ لأخته.
فيكتوريا... إنتِ معاكي مفتاح إيه؟!
المرة دي، فيكتوريا ما حاولتش تنكر.
مدّت إيدها داخل حقيبتها، وطلعت مفتاحًا صغيرًا قديمًا، وقالت بصوت مرتعش
المفتاح ده بيفتح مكان سارة طلبت مني ما أدخلوش أبدًا بعد وفاتها... لكن قبل ما نروح هناك، لازم تعرف إن اللي هتلاقيه مش زي ما إنت متخيل.
يتبع...
دانيال أخد المفتاح من إيد فيكتوريا، وبصّ لها بحدة.
أنا تعبت من الأسرار! مراتي ماتت، وولادي عايشين في خوف أنا مش فاهم سببه، وكل شوية أكتشف إن فيه حاجة كانت مستخبية عني! أنا عايز الحقيقة كلها، دلوقتي!
فيكتوريا نزلت عينيها وقالت
حقك تعرف يا دانيال... بس أوعدني إنك هتسمع للآخر قبل ما تحكم على أي حد.
دانيال ما ردّش. أخد ماري والأطفال معاه، وخرجوا كلهم للحديقة.
وصلوا للشجرة الكبيرة اللي ظهرت في الصورة، وفيكتوريا زاحت بعض الأغصان المتشابكة، فكشفت عن باب حديدي صغير في السور. الباب كان قديمًا، وعليه قفل صدئ.
حطّت المفتاح، ولفّته بصعوبة.
الباب اتفتح على ممر ضيق، وفي نهايته أوضة صغيرة كانت مستخدمة زمان كمخزن لأدوات الحديقة.
دخل دانيال الأول، وشغّل النور.
كان المكان مليان صناديق قديمة، ورفوف عليها ملفات وصور، وفي الركن مكتب صغير فوقه صندوق خشبي.
ماري قربت من الصندوق، ولاحظت إن عليه ورقة مكتوب فيها بخط سارة
إلى دانيال... لما تكون مستعد تسمع أولادك بقلبك قبل ما تسمع خوفك.
دانيال فتح الصندوق، ولقى جواه مجموعة رسومات للأطفال، ودفتر صغير، ورسالة مختومة.
فتح الدفتر، وبدأ يقرأ.
قبل وفاة سارة بشهور، كانت لاحظت إن الأطفال بقوا يخافوا من أي خلاف أو صوت عالي، وإنهم لما يحسوا إن حد ممكن يبعد عنهم، بيحاولوا يلفتوا الانتباه بأي طريقة، حتى لو كسروا حاجة أو عاندوا.
وفي يوم كان دانيال مسافر فيه، حصلت عاصفة قوية، ووقعت شجرة صغيرة في الحديقة بالقرب من مكان لعب الأطفال.
سارة كانت معاهم، وقدرت تبعدهم عن المكان قبل ما تتأذى أي واحدة منهم. لكن من شدة خوفهم، فضلوا يصرخوا ويعيطوا، وبعدها بقوا يربطوا الحديقة بالخطر، ويرفضوا اللعب فيها.
لما رجع دانيال من السفر، كان مشغولًا بمشكلة كبيرة في شركته، وسارة ما حبتش تزود عليه القلق. قالت له إن الأطفال بخير، وإن الموضوع انتهى.
لكنها فهمت إنهم محتاجين مساعدة حقيقية عشان يتجاوزوا الخوف اللي عاشوه.
وهنا ظهر اسم ماري.
كانت أم ماري قد ساعدت سارة في جمعية خيرية، وعرفتها على ابنتها، اللي كانت وقتها بتتدرب على أساليب التعامل الهادئ مع الأطفال. سارة شافت ماري في لقاء بالجمعية، ولاحظت قدرتها على احتواء طفل صغير كان بيصرخ ويرفض يسيب أمه.
سارة ما كانتش بتخطط إن ماري تيجي القصر بعد وفاتها، لكنها احتفظت باسمها في الملف، لأنها كانت شايفة إنها ممكن تكون مناسبة لمساعدة أولادها لو احتاجوا يومًا حد متخصص وصبور.
أما الباب الصغير، فكان مدخلًا لمكان كانت سارة بتستخدمه في أنشطة بسيطة مع الأطفال بعيدًا عن ضوضاء البيت. احتفظت فيكتوريا بالمفتاح لأنها وعدت سارة إنها ما تفتحش المكان إلا لما دانيال يكون مستعد يسمع أولاده ويفهم خوفهم.
دانيال قفل الدفتر، ودموعه بدأت تنزل.
يعني أنا كنت فاكر إنهم بيعملوا كل ده عشان يغيظوني... وهما في الحقيقة كانوا
خايفين؟
ماري ردّت بهدوء
مش كل تصرف صعب معناه إن الطفل عايز يضايقنا. ساعات بيكون مش عارف يقول إنه خايف، أو وحيد، أو محتاج يحس إن فيه حد جنبه. بس ده مش معناه إننا نسيبهم يعملوا أي حاجة؛ إحنا محتاجين نفهم السبب ونحط حدود واضحة، وفي نفس الوقت نطمنهم إننا موجودين.
دانيال بصّ لأولاده التلاتة، وقعد على ركبته قدامهم.
أنا آسف يا حبايبي... آسف إني كنت بجيب لكم ألعاب وهدايا بدل ما أقعد أسمعكم. كنت فاكر إني كده بعوضكم عن ماما، لكن ما فهمتش إنكم محتاجيني أنا.
الولد الأكبر حضنه، وبعده أخواته الاتنين.
واحد منهم سأله وسط دموعه
يعني مش هتسافر وتسيبنا تاني يا بابا؟
دانيال ضمّهم بقوة وقال
شغلي مهم، بس إنتوا أهم. ومش هقدر أوعدكم إني مش هسافر أبدًا، لكن أوعدكم إني مش هخليكم تحسوا إنكم لوحدكم تاني.
في اللحظة دي، ماري فتحت الرسالة المختومة اللي كانت جوه الصندوق، وناولتها لدانيال.
كانت آخر رسالة كتبتها سارة له.
قرأها بصوت مرتعش
يا دانيال، لو الرسالة دي وصلت لك، فده معناه إنك أخيرًا بدأت تدور على الإجابات بدل ما تهرب من الأسئلة.
أنا مش عايزاك تحبس نفسك في الحزن، ولا عايزاك تحس بالذنب كل يوم. أنا عايزاك تعيش مع أولادنا، مش بس تعيش عشان توفر لهم كل حاجة.
هتغلط، وهتتعب، وممكن في أيام تحس إنك مش عارف تعمل إيه. وقتها افتكر إن الأبوة مش إنك تكون عندك كل الإجابات، لكنها إنك تفضل موجود وإنت بتدور عليها.
ولو قابلت ماري يومًا، فافتكر إنها مجرد إنسانة ممكن تساعدك، مش بديل عنك ولا عني. البيت اللي بنيته مع أولادنا مش محتاج حد ياخد مكاني، محتاجك إنت ترجع تكون جزءًا منه.
بحبك، وبثق إنك هتقدر.
دانيال ضمّ الرسالة إلى صدره، وبكى لأول مرة من يوم وفاة سارة، من غير ما يحاول يخفي دموعه عن أولاده.
في الأيام اللي بعدها، اتغيرت حياة القصر بالتدريج.
دانيال خصص وقتًا ثابتًا يقضيه مع الأطفال كل يوم، وبدأ يسمع حكاياتهم ومخاوفهم بدل ما يكتفي بمعاقبتهم على تصرفاتهم. وماري ساعدته على وضع قواعد واضحة للبيت، وتنظيم أنشطة تخلي الأطفال يعبروا عن مشاعرهم، مع الاستعانة بمختص عند الحاجة.
أما فيكتوريا، فاعتذرت لدانيال عن سكوتها الطويل، واعترفت إنها كانت خايفة تفتح جراح الماضي، لكنها فهمت إن إخفاء الحقيقة ما كانش هو الحل.
وبعد أسابيع، رجع الأطفال يلعبوا في الحديقة لأول مرة من شهور. دانيال كان قاعد على العشب معاهم، بيشاركهم بناء بيت صغير من المكعبات، وماري واقفة بعيد شوية، بتبتسم وهي شايفاهم بيضحكوا من قلبهم.
وفجأة، الولد الأوسط جري ناحية أبوه، ومدّ له رسمة جديدة.
كانت الرسمة فيها سارة واقفة في السما، وتحتها دانيال وأولاده التلاتة ماسكين إيد بعض، وماري واقفة جنبهم.
دانيال بصّ للرسمة وسأله
إيه رأيك في الصورة دي يا حبيبي؟
الطفل ابتسم وقال
دي عيلتنا يا بابا... ماما مش معانا بجسمها، بس إحنا لسه بنحبها. وإنت دلوقتي بقيت بتضحك معانا تاني.
دانيال ضمّه، وبصّ للسما وهمس
سمعتيني يا سارة؟ أنا بحاول أكون الأب اللي كنتِ بتتمنيه لأولادنا.
وفي المساء، وقبل ما ماري تمشي، دانيال وقف عند باب القصر وقال لها
لما جيتي هنا، كنت فاكر إنك مجرد مربية جديدة، وإنك هتمشي زي اللي قبلك. لكنك ساعدتيني أشوف حاجات كنت رافض أبص لها.
ماري ابتسمت وقالت
أنا ما عملتش كل ده لوحدي يا أستاذ دانيال. حضرتك اللي قررت تسمع أولادك وتواجه خوفك. هما كانوا محتاجينك من البداية.
هزّ دانيال راسه، وشكرها، ثم رجع لأولاده اللي كانوا مستنيينه عشان يحكيلهم حكاية قبل النوم.
ولأول مرة من شهور طويلة، اتقفل باب القصر في آخر اليوم على بيت مليان ضحك، مش صراخ.
ومن يومها، ما بقاش قصر دانيال مشهور بالمربيات اللي بتمشي منه، لكن بالأب اللي اتعلم إن أغلى حاجة ممكن يقدمها لأولاده مش المال ولا الألعاب... إنما وقته، واهتمامه، وإحساسهم بالأمان وهما جنبه.

 

تم نسخ الرابط