وصل أهل خطيب. حكايات_ميراا

لمحة نيوز

وصل أهل خطيب بنتي من أوروبا بعد رحلة طويلة علشان يتعرفوا على عيلتنا. وفي نص العشا، بدأوا يتكلموا بالفرنساوي، وهم متأكدين تمامًا إني مش فاهمة ولا كلمة.
لكن ساعتها سمعت رأيهم الحقيقي في بنتي.
حطيت الشوكة بهدوء جنب الطبق.
ولأول مرة من سنين... قررت إني مش هختفي ولا هسكت.
اسمي منى عبد الرحمن.
عندي تلاتة وستين سنة، مطلقة، ولسه متقاعدة من شغلي، وعايشة لوحدي في بيت هادي قريب من المنصورة.
طول معظم سنين جوازي، اتعلمت أكون موجودة من غير ما حد يحس بوجودي.
عادة اتكونت واحدة واحدة خلال واحد وثلاثين سنة جواز.
طليقي عمره ما كان بيعلي صوته، ولا كان يقول لي اسكتي بشكل مباشر.
مكانش محتاج.
رفعة حاجب واحدة كانت كفاية.
أو زفرة ضيق.
أو سؤال هادي زي
هو لازم تقولي رأيك دلوقتي؟
وكان ده كفاية يخليني أبلع أي كلمة كنت ناوية أقولها.
لحد ما اتطلقت من أربع سنين، كنت تقريبًا نسيت يعني إيه الواحد ياخد مكانه من غير ما يحس بالذنب.
بنتي نور عندها تلاتين سنة، وبتشتغل مصممة جرافيك في القاهرة.
كانت ذكية، عملية، وصريحة بشكل جميل.
كنت معجبة بصدقها، رغم إن ناس كتير كانوا بيفسروا بساطتها على إنها قلة رقي.
من سنتين، اتعرفت على كريم، مهندس إنشائي كان عايش مع أسرته في فرنسا.
كان هادي، محترم، وواضح جدًا إنه بيحبها.
لما طلب إيدها، كلمتني قبل ما تقول لأي حد.
وبعد تلات شهور، جه والداه من فرنسا علشان يقابلوا عيلتنا.
نور وكريم استأجروا فيلا جميلة على البحر في الساحل الشمالي خلال إجازة الصيف.
كان فيها تراس واسع، ومدفأة حجر، وشبابيك كبيرة بتطل على البحر.
وأنا في الطريق، وقفت اشتريت ورد، وعيش طازة، وزجاجة عصير فخم.
ماكنتش أقدر أروح بإيدي فاضية.
دي كانت عادة قديمة فضلت معايا من الجواز.
ادخلي أي مكان ومعاكي حاجة.
ساعدي من أول دقيقة.
علشان محدش يسأل إنتِ تستحقي تكوني موجودة ولا لأ.
استقبلتني نور في المطبخ، والدقيق مغطي الإبريلة.
همست وقالت
يا ماما... نفسي الويك إند ده يعدي على خير. مدام سيلين لطيفة، بس دقيقة جدًا. وجوزها بيير كمان. فخورين جدًا بنفسهم وبأصلهم.
ابتسمت وقلت
هكون على أحسن تصرف.
بصت لي باستغراب وقالت
مش ده اللي كنت أقصده.
لكن ده اللي أنا فهمته.
كوني هادية.
متلفتيش النظر.
ومتكسفيش حد.
خرجت سيلين تستقبلني.
كانت طويلة وأنيقة، لابسة هدوم شيك كأنها رايحة معرض فني، مش قعدة عائلية على البحر.
سلمت عليا بابتسامة هادية.
وقالت
سمعنا عنك كلام كتير يا منى.
وكانت بتتكلم عربي مكسر، لكن بطلاقة.
أما بيير، فسلم عليا بثقة واضحة.
قبل العشا، كلنا قعدنا في التراس.
الشمس كانت بتغيب، والبحر لونه بقى دهبي.
نور وكريم بيتكلموا عن تجهيزات الفرح.
أما بيير، فكان عنده رأي في كل حاجة...
في الأكل.
وفي السفر.
وفي العمارة.
وفي مصر.
وفجأة، بص لمراته وبدأوا يتكلموا بالفرنساوي.
وأنا...
كنت فاهمة كل كلمة.
اللي محدش فيهم يعرفه، إني قبل ما أبقى زوجة وأم ومدرسة، كنت عايشة تمن سنين في فرنسا.
سافرت وأنا عندي اتنين وعشرين سنة، بشنطة واحدة، ومن غير أي خطة واضحة.
اتعلمت اللغة وأنا بشتغل، وبشتري من الأسواق، وبفاوض أصحاب البيوت، وببني حياتي لوحدي.
لكن عمري ما كنت بحكي عن الفترة دي.
نور كانت تعرف إني سافرت زمان.
لكن عمرها ما سمعتني بتكلم فرنساوي.
ومع السنين... حسيت إن البنت الشجاعة اللي كانت هناك بقت مجرد ذكرى.
فسكت.
واكتفيت إني أسمع.
في الأول، كلامهم كان مجرد تعليقات صغيرة.
سيلين قالت إن المكان جميل... لكنه بسيط شوية.
وبيير قال إن ناس كتير فاكرة إن قربها من البحر معناه إنها راقية.
كملت أشرب العصير.
لحد ما سيلين بصت لنور وقالت بالفرنساوي
بنت لطيفة... يمكن بسيطة شوية، لكنها طيبة.
وش كريم اتغير فورًا.
وقال لها بنفس اللغة
من فضلك... متوصفيش مراتي المستقبلية إنها بسيطة.
لكن سيلين لوحت بإيدها وقالت
قصدي إنها عفوية... ومش بتحاول تبان حاجة غير حقيقتها.
وكملوا كلامهم...
لأنهم كانوا متأكدين إن محدش فاهمهم.
وقت العشا، نور قدمت طبق كانت متعلمة تعمله مخصوص علشان يفتكروا بلدهم.
بيير شكرها بالعربي.
لكن بعدها لف على مراته وقال بالفرنساوي
دلوقتي فهمت ليه نور معندهاش ذوق راقي.
وقال إن أمها باين عليها ست طيبة...
لكن واضح إنها عمرها ما شافت الدنيا.
ردت سيلين
مفيش عيب إن الإنسان يعيش حياة بسيطة ومحدودة.
مش كل الناس عندها طموح أو فضول أو شجاعة إنها تشوف العالم.
مسكت الشوكة بقوة.
نور لاحظت.
وقالت
مالك يا ماما؟
ابتسمت وقلت
مفيش حاجة.
لكن بيير كمل كلامه.
وقال إنه بيتمنى كريم ما يقضيش عمره كله بيحاول يفتح دماغ واحدة معندهاش أي خلفية ثقافية.
وقال إنه عايز أحفاده يعرفوا أصلهم الحقيقي.
كان يقصد عيلته هو.
مش نور.
وبالتأكيد... مش أنا.
في اللحظة دي، حاجة جوايا رفضت تسكت أكتر من كده.
بصيت لبنتي.
كانت قضت اليوم كله واقفة في المطبخ علشان ترضي ناس بيحكموا عليها من غير حتى ما تعرف.
وبعدين بصيت لبيير وسيلين.
كانوا فاكرين إن سكوتي معناه جهلي.
وإن هدوئي معناه إن معنديش حاجة تستحق تتقال.
بهدوء...
حطيت الشوكة جنب الطبق.
كان بيير لسه بيتكلم.
رفعت عيني وبصيت له مباشرة.
وبفرنساوي سليم، قلت...
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا ابتسمت له بهدوء، وبفرنسية سليمة لا تشوبها لهجة، قلت
السيد بيير... قبل أن تقلق على الخلفية الثقافية لأحفادك، ربما يجدر بك أن تتذكر أن الثقافة الحقيقية تبدأ بالاحترام.
تجمدت الشوكة في يده.
اتسعت عينا سيلين، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
أما كريم، فالتفت نحوي ببطء، وقال بدهشة
حضرتك... بتتكلمي فرنساوي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مش بس بتكلمها... أنا عشت في فرنسا تمن سنين. اشتغلت هناك، واتعلمت هناك، ودفعت إيجاري بنفسي، وكونت حياتي قبل ما أرجع مصر.
ساد صمت ثقيل.
أكملت وأنا ما زلت أنظر إلى بيير
سمعت كل كلمة قلتها عني... وعن بنتي... من أول ما قعدنا.
احمر وجه بيير بشدة.
حاول يفتح فمه، لكن الكلمات خانته.
أما سيلين، فخفضت رأسها لأول مرة منذ وصولها.
قلت بهدوء
حضرتك وصفت بنتي إنها بسيطة، وكأن البساطة عيب. بينما أنا شايفة إن أعظم ميزة فيها إنها مش بتمثل، ومش بتحتقر حد علشان أصله أو بلده.
ثم نظرت إلى نور.
البنت دي اتربت على إن قيمة الإنسان في أخلاقه، مش في عدد الدول اللي زارها.
بدأ بيير يتمتم
أنا... لم أقصد...
فقاطعته بلطف
لا... قصدت. وأنا مقدرة إنك كنت فاكر إني مش هفهم.
سكت مرة أخرى.
ثم قلت
تعرف إيه أكتر حاجة اتعلمتها وأنا عايشة في فرنسا؟ إن الإنسان المحترم ما بيتكلمش عن حد بلغة يفتكر إنه مش فاهمها.
انخفضت عينا بيير إلى طبقه.
أما كريم، فالتفت إلى والده وقال بالفرنسية
أنا آسف جدًا يا ماما منى... بالنيابة عن عيلتي.
قلت
أنت مش محتاج تعتذر عن خطأ مش خطأك.
نور كانت دموعها محبوسة.
قامت من مكانها، وجت حضنتني قدام الكل.
وهمست
أنا أول مرة أعرف إنك كنتِ بتتكلمي فرنساوي.
ابتسمت وربتُّ على شعرها.
وفي حاجات كتير عن أمك لسه متعرفيهاش.
ضحكت بخفة، فخف التوتر قليلًا.
بعد دقائق، تنحنحت سيلين وقالت بالعربية المكسرة
أنا... أعتذر. ظلمتك.
نظرت إليها وقلت
الاعتذار الحقيقي مش بالكلام... الاعتذار الحقيقي إننا منكررّش الغلط.
هزت رأسها في صمت.
أما بيير، فوقف من مكانه، واتجه نحوي.
مد يده وقال بالفرنسية
أنا أخطأت في حقك... وفي حق ابنتك. أرجو أن تسامحيني.
صافحته.
لكنني قلت
المسامحة سهلة... أما استعادة الاحترام، فبتحتاج وقت.
مر باقي المساء مختلفًا تمامًا.
لم يتكلم أحد بالفرنسية إلا إذا شارك الجميع في الحديث.
ولم يعد أحد ينظر إلى نور أو إليّ بتعالٍ.
وقبل أن يغادروا في اليوم التالي، جاءت سيلين وأعطت نور صندوقًا صغيرًا.
وقالت
كنت ناوية أديهولك بعد الفرح... لكن دلوقتي حاسة إنك تستحقيه من النهارده.
فتحت نور الصندوق.
كان بداخله خاتم قديم من عيلة كريم، يتوارثونه

تم نسخ الرابط