تركتنا أمي نحن السبعة وذهبت مع رجل آخر، وتركت أختي الكبيرة وعمرها
ما زالت ماسكة أحمد بقوة، وكأنها خايفة لو سيبته يختفي هو كمان.
أم أحمد كانت تنظر للأرض حيث الصورة، ثم رفعتها ببطء
مفيش حاجة بتختفي كده إلا لو كان ليها طريق تاني.
الضابط كان يتفقد المكان بعينيه
كل اللي حصل جوه مفيش منه أثر على الأرض. لا باب، لا مبنى، لا حتى حفرة.
سارة همست
يعني إحنا كنا بنحلم؟
لكن زينب هزت رأسها بسرعة
لأ أحمد كان معايا طول الوقت.
أحمد كان بالفعل هادي بشكل غير معتاد، ماسك طرف ملابسها وينظر للفراغ كأنه فاهم أكثر مما يقول.
فجأة
سقطت الصورة من يد أم أحمد مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم تكن صورة الأم فقط.
كانت تتغير أمام أعينهم.
الحواف بدأت تتشقق كأنها ورق قديم يُعاد كتابته.
والكتابة الخلفية ظهرت بوضوح أكبر
فيه جزء لسه ما اتفتحش.
الضابط انحنى بسرعة
إيه ده؟ مين بيكتب الكلام ده؟
لكن قبل ما يلمسها
الصورة اشتغلت كأنها شاشة صغيرة.
وظهر مشهد جديد.
مش الأم.
بل وجه الطفل.
لكن أكبر قليلًا.
ينظر مباشرة للكاميرا ويقول بصوت هادئ
لسه في ملف واحد ما اتقفلش.
زينب رجعت خطوة للخلف
إنت إنت مش اختفيت!
الصورة أكملت كأنها تسجيل حي
أنا ما اختفيتش أنا اتنقلت.
أم أحمد شدّت نفسًا
اتنقلت لمين؟
الصوت في الصورة قال
للمكان اللي بيبدأ منه كل شيء قبل ما يبقى قصة.
الضابط عبس
كلام غير منطقي ده تأثير صدمة.
لكن الأرض تحتهم اهتزت اهتزاز خفيف.
مشهد بسيط لكنه كافي يخليهم يسكتوا.
ثم
من بعيد جدًا على الطريق الترابي
ظهر شخص واقف.
لا يمكن تمييزه بوضوح.
لكن واقف بثبات.
زينب ضيّقت عينيها
ده مين هناك؟
أم أحمد همست
مش مهم مين المهم هو عايز إيه.
الشخص بدأ يتحرك نحوهم ببطء.
كل خطوة تقربه كانت تكشف ملامح أكثر
ومع كل خطوة
الصورة في يد أم أحمد بدأت تهتز.
وكأنها مرتبطة به.
الضابط رفع صوته
لو حد مش معروف قرب، هنعتبره تهديد!
لكن زينب لم تتحرك.
كانت تنظر فقط.
وعندما اقترب الشخص بما يكفي
اتضح شيء واحد صادم.
كان يحمل ملفًا.
نفس الملف الأصفر.
لكن هذه المرة
لم يكن مغلقًا.
كان مفتوحًا بالكامل.
والصفحات تتقلب وحدها مع الهواء.
توقف أمامهم.
وقال بصوت هادئ جدًا
أنتم خرجتم من أول باب لكن لسه ما دخلتوش الباب الحقيقي.
زينب بصوت مكسور
أنت مين؟
نظر إليهم جميعًا.
ثم قال
أنا بداية القصة اللي لسه ما اتكتبتش صح.
وسكت.
ثم مدّ الملف ناحية زينب.
في اللحظة دي
الريح وقفت فجأة.
وكأن العالم كله بيستنى قرارها.
تأخذ الملف
أو تسيبه يقفل نفسه للأبد زينب مدت إيدها ببطء ناحية الملف الأصفر.
كل خطوة كانت تقيلة، كأنها مش بس بتلمس ورق لكن بتلمس كل اللي مرّوا بيه من أول القصة.
الضابط شدّها من ذراعها
استني! إحنا ما نعرفش ده مين ولا إيه اللي جاي منه!
أم أحمد كانت واقفة ساكتة، عينيها على الشخص الغريب
أحيانًا الحقيقة ما بتيجيش من اللي نعرفهم.
الشخص ما اتحركش، بس قال بهدوء
أنا مش جاي أأذيكم. أنا جاي أكمّل الناقص.
زينب بصّت له
ناقص إيه تاني؟ أمي؟ الأطفال؟ حياتنا كلها اتكسرت!
رفع الملف شوية أقرب ليها
الناقص هو الاختيار اللي ما اتعملش صح من البداية.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأمك لسه ليها كلمة أخيرة.
زينب تجمدت عند الجملة دي.
أمي لسه عايشة؟
الشخص ما أكدش ولا نفى.
بس قال
الإجابة مش في الكلام الإجابة هنا.
وفتح الملف.
الهواء اتغيّر فجأة.
الورق اللي جواه ما كانش أوراق عادية كان فيه تسجيلات، وصور، وخطوط مكتوبة بإيد مختلفة عن كل اللي شفوه قبل كده.
الضابط خطف منه الملف
ده تجاوز رسمي! لازم نسلمه للجهات المختصة!
لكن أول ما فتح أول صفحة
اتسمر مكانه.
عيونه اتسعت
مستحيل
زينب صرخت
إيه فيه؟!
الضابط بصّ لها بصعوبة
اسمك مكتوب هنا قبل ما تتولدي.
صمت ثقيل.
سارة رجعت خطوة
يعني إيه الكلام ده؟!
الشخص الغريب قال بهدوء
يعني القصة دي ما بدأتش من يوم اختفاء أمكم دي بدأت قبلها بسنين.
أم أحمد همست
يا رب استر
وفجأة
الملف وقع على الأرض لوحده.
والصفحات بدأت تتقلب بسرعة كأن حد بيقراها من غير ما يلمسها.
وفي النص ظهر تسجيل مكتوب بخط واضح
المشروع إعادة بناء العائلات بعد الانهيار.
زينب شهقت
إعادة بناء إيه؟!
الشخص رفع عينيه لها مباشرة
أنتم مش بس عيلة اتفرقت أنتم جزء من تجربة كانت بتحاول تعيد ترتيب معنى العائلة نفسها.
الضابط صرخ
ده كلام غير قانوني! مستحيل يحصل كده!
لكن فجأة
أحمد الرضيع رفع رأسه لأول مرة من بدري.
وبصّ للشخص الغريب.
وقال كلمة واحدة واضحة جدًا رغم صغر سنه
رجعت.
سكون تام.
زينب همست
هو يعرفه؟
الشخص الغريب ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا
طبيعي لأنه كان أول نسخة نجت من النظام.
الريح رجعت تاني أقوى.
والملف بدأ يلمع.
والأرض تحتهم بدأت تبقى مش ثابتة.
كأنها بتتحول لشيء تاني.
الشخص مد إيده ناحية زينب للمرة الأخيرة
دلوقتي القرار الحقيقي
تقفّلوا الملف وترجعوا لنقطة البداية بدون ذاكرة
أو تفتحوه للنهاية وتعرفوا كل حاجة حتى لو هتخسروها للأبد
زينب بصّت لأخواتها
وبصّت للملف
وبصّت للشخص اللي قال إنه بداية القصة.
ثم همست
لو رجعنا لنقطة البداية هنرجع نفس الجرح.
سكتت لحظة
ثم مدت إيدها على الملف.
والهواء كله اتجمد كأنه بيستنى نفس واحد يحدد مصير كل شيء.