في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق والسيارات والحسابات

لمحة نيوز

عامًا، في أربيل كنتِ أنتِ وحسن تبدأان حياة لم تكتمل.
ثم حدث ما غيّر كل شيء أبو علي لم يخطف حياتكِ بل أعاد كتابتها.
صمت.
حتى الهواء داخل الغرفة بدا وكأنه توقف.
نظرت إلى قيس بصوت مكسور
إذًا أولادي؟
تردد لحظة ثم قال الجملة التي كسرت ما تبقى
أولادكِ ليسوا أبناء أبو علي بالكامل.
سقطت على ركبتي.
المفتاح النحاسي في الصندوق لمع تحت الضوء.
وكأن الحقيقة كلها كانت تقول شيئًا واحدًا الآن
ما زال هناك باب واحد لم يُفتح بعد الظلام في الغرفة لم يعد مخيفًا فقط بل صار خانقًا، كأن الجدران نفسها ضاقت فجأة عليّ.
قيس تحرّك بسرعة، أمسك بذراعي قبل أن أسقط بالكامل.
أمينة خدي نفسِك ركزي.
لكن الصوت في رأسي كان أعلى من أي كلمة.
أولادكِ ليسوا أبناء أبو علي بالكامل
الجملة كانت تعيد نفسها كأنها لا تريد أن تنتهي.
دفعت يده بعيدًا بصعوبة، ووقفت وأنا أرتجف.
نظرت إلى المفتاح النحاسي داخل الصندوق.
وبدون وعي، همست
إذًا من هو أبوهم؟
قيس لم يرد فورًا.
لأول مرة منذ بدأنا الحديث، رأيته يتردد.
ثم قال بصوت منخفض
هذا هو الجزء الذي لم يكن يُفترض أن يُقال بهذه الطريقة.
اقترب من الصندوق، وأخرج ظرفًا صغيرًا آخر كان مخفيًا تحت القماش الداخلي.
مدّه لي.
أبو علي ترك هذا خصيصًا لهذا السؤال.
أخذته ببطء.
كان مكتوبًا عليه
إذا وصلتي إلى هنا، فأنتِ مستعدة للحقيقة الأخيرة.
يدي كانت باردة بشكل مؤلم.
فتحت الظرف.
ورقة واحدة فقط.
لكنها كانت كفيلة أن تُسقط العالم كله من تحتي.
قرأت بصوت مرتجف
أمينة لم أخنكِ يومًا كما سيظنون.
توقفت.
ابتلعت ريقي.
وأكملت
لكنني لم أكن الرجل الوحيد في حياتكِ كما كنتِ تعتقدين.
رفعت عيني بسرعة نحو قيس
ماذا يعني هذا؟!
لكن قبل أن يجيب
اشتغل
الشريط مرة أخرى وحده.
وصوت أبو علي هذه المرة كان أقرب للبكاء
حسن لم يختفِ بل اختار أن يبتعد عنكِ بعد أن اكتشف الحقيقة.
الحقيقة أن الطفل الذي كان من المفترض أن يكون ابنه لم يكن كذلك.
تجمدت.
كل شيء بدا كأنه انهار دفعة واحدة.
الصوت أكمل
ثم تدخلتُ أنا ليس لأخدكِ منه بل لأحميكِ من شيء كان أكبر منا جميعًا.
سقطت الورقة من يدي مرة أخرى.
نظرت إلى المفتاح النحاسي.
ثم إلى قيس.
بصوت مكسور قلت
الحقيقة التي تحميني منها كانت ماذا؟
سكت قيس طويلًا.
ثم قال أخيرًا
المرض والوراثة والسبب الحقيقي لابتعاد حسن.
اقترب خطوة.
وأضاف
أبو علي لم يكن يخفي خيانة بل كان يخفي نسبًا لو عرفته العائلة وقتها، لكانت حياتكِ انتهت قبل أن تبدأ.
صمت.
ثم أشار إلى الباب المضيء في آخر الغرفة.
وهذا الباب ليس لفتح الماضي فقط.
بل لمعرفة من ما زال على قيد الحياة من الحقيقة القديمة.
نظرت إليه.
ثم إلى الضوء.
ومع كل نبضة في قلبي
كان سؤال واحد يعلو أكثر من غيره
هل ما زال حسن حيًا أم أنني كنت أهرب من شبح طوال حياتي؟قيس لم يجب على سؤالي.
لكن صمته كان أقسى من أي إجابة.
اقتربت من الباب المضيء في نهاية الغرفة، وكل خطوة كانت كأنها تسحب من عمري سنوات دفعة واحدة.
المفتاح النحاسي في يدي صار ساخنًا بشكل غريب، وكأنه يستجيب لشيء خلف الباب.
همست لنفسي
كفاية كفاية مفاجآت.
لكن يدي كانت تتحرك وحدها.
أدخلت المفتاح في القفل.
طَقّة واحدة.
ثم انفتح الباب.
لكن ما وراءه لم يكن غرفة أخرى بل ممر قصير ينتهي بباب زجاجي شفاف، وخلفه غرفة صغيرة مضاءة بإضاءة بيضاء هادئة.
وفي الداخل
كان هناك كرسي طبي.
وأجهزة مراقبة قديمة.
وشخص يجلس عليه.
تجمدت.
لم أستطع التنفس.
الرجل كان كبيرًا في
السن، شعره أبيض بالكامل، لكن ملامحه
رغم العمر كانت مألوفة بشكل مؤلم.
اقتربت خطوة واحدة فقط.
وهمست بصوت مكسور
حسن؟
الرجل لم يتحرك فورًا.
لكن عينيه التفتت نحوي ببطء شديد.
وفي تلك اللحظة فقط
عرفت أن كل ما سمعتُه قبل ذلك لم يكن سوى مقدمة.
فتح فمه بصعوبة، وكأنه لم يستخدم صوته منذ زمن طويل، وقال
أمينة تأخرتِ كثيرًا.
تراجعت خطوة، ويدي على فمي.
أنت أنت حي؟
لم يجب مباشرة.
بل نظر إلى الأرض، ثم ابتسم ابتسامة حزينة جدًا.
أو على الأقل ما تبقّى مني.
وقبل أن أتكلم، ظهر قيس خلفي مرة أخرى، وقال بهدوء
أبو علي لم يكن يكذب لكنه أيضًا لم يقل الحقيقة كاملة.
نظرت إليه بصدمة
أي حقيقة أخرى بعد كل هذا؟!
اقترب قيس، وقال الجملة الأخيرة التي كسرت كل ما بقي من تماسك داخلي
الحقيقة أن أبو علي لم يأخذكِ من حسن
بل أخفاكِ عنه بعد أن فقدتِ ذاكرتكِ في حادث أربيل.
صمت تام.
كأن العالم توقف.
نظرت إلى حسن خلف الزجاج، ثم إلى قيس.
وهمست
أنا فقدت ذاكرتي؟
وفي تلك اللحظة
رفع حسن يده المرتجفة نحو الزجاج، وكأنه يحاول لمس الماضي كله من خلاله، وقال بصوت مكسور
كنتِ تنادينني باسم آخر يا أمينة قبل أن يُمحى كل شيء.
ثم أضاف
وكان اسمكِ حينها ليس أمينة فقط وقفت مكاني كأن الأرض اختفت من تحتي.
ليس أمينة فقط
الجملة كانت كفيلة أن تعيد ترتيب كل شيء داخل رأسي بشكل مؤلم.
اقتربت من الزجاج دون وعي، ويدي ترتجف على سطحه البارد.
اسمي كان إيه؟
صوتي خرج أضعف مما توقعت.
حسن رفع عينيه نحوي، وفيهما خليط غريب من الحزن والحنين.
كنتِ تُنادين باسم ليلى.
تجمدت.
اسم لم أسمعه من قبل ومع ذلك، عندما نطقه، شعرت بوخزة غريبة في صدري، كأن شيء قديم جدًا حاول أن يستيقظ ولم يستطع.
قيس
تكلم خلفي بسرعة
حادث أربيل لم يكن بسيطًا كان فقدان ذاكرة كامل بعد صدمة قوية. أبو علي هو من تولّى نقلكِ وحمايتكِ، وغير اسمكِ، وبدأ حياة جديدة معكِ بعيدًا عن حسن.
نظرت إليه بعصبية ممزوجة بالارتباك
ولماذا لم يرجعني؟ لماذا كذّب عليّ طوال حياتي؟
لم يرد فورًا.
بل أخرج ملفًا صغيرًا آخر من جيبه، وفتحه.
لأن حسن لم يكن فقط زوجك السابق كان طرفًا في قضية كبيرة في أربيل، وكان مطلوبًا وقتها، وكان وجودكِ معه خطر مباشر عليكِ.
سكت لحظة.
ثم أكمل
وأبو علي لم ينقذكِ من الماضي فقط. بل من حقيقة لو عرفها من كان يلاحق حسن وقتها، لكانوا وصلوا إليكِ بسهولة.
نظرت إلى حسن خلف الزجاج.
كان يراقبني بصمت، وكأنه يحاول أن يتأكد إن كنت أتذكر أو أعود.
إذًا أنتما الاثنين أخفيتوا عني حياتي؟
قال حسن بصوت مبحوح
أنا فقدتكِ يوم الحادث وأبو علي أخذكِ لإنقاذكِ.
ثم ابتسم ابتسامة موجوعة
لكنني لم أصدق يومًا أنكِ اختفيتِ بالصدفة.
اقتربت خطوة من الزجاج
يعني إيه؟
رد قيس بدلًا منه هذه المرة، بصوت أخف
يعني أن الحادث لم يكن مجرد حادث كان محاولة إسكاتكِ أنتِ أيضًا.
تجمد الدم في عروقي.
إسكاتي أنا؟ أنا كنت أعرف إيه أصلًا؟
ساد صمت ثقيل.
ثم قال حسن ببطء شديد
كنتِ الشاهد الوحيد على ما حدث في مشروع أربيل قبل انهياره.
شعرت بدوار.
الصوت في الغرفة بدا بعيدًا.
أنا شاهد؟
قيس أومأ.
وأبو علي أخفاكِ وغير اسمكِ وبدأ حياة جديدة معكِ لأن شهادتكِ كانت كفيلة بإسقاط أشخاص كبار جدًا.
اقترب حسن من الزجاج أكثر، وكأنه لأول مرة منذ سنوات يحاول الاقتراب من الحقيقة لا من الذاكرة.
وقال بصوت منخفض
أمينة أو ليلى هناك شيء واحد فقط لازم تعرفيه الآن قبل أي شيء.
توقفت أنفاسي.
إيه هو؟

نظر إليّ مباشرة، وقال الجملة التي جعلت كل شيء يتوقف مرة أخرى
الشخص الذي كان وراء كل ما حدث في أربيل ما زال حيًّا.
وهو من أرسل تذكرة السفر إلى أربيل من البداية.
 

تم نسخ الرابط