في اليوم اللي ماتت فيه جدتي، أول حاجة عملتها مكنتش العياط
في اليوم اللي ماتت فيه جدتي، أول حاجة عملتها مكنتش العياط ولا الصريخ.. أنا مديت إيدي وبكل ثبات قلعت السلسلة الدهب الرفيعة من رقبتها.
وبعدها، شدّيت البلاطة الواسعة اللي ورا الفرن الطين القديم، وطلعت الفلوس اللي كانت ملفوفة في تلات أكياس بلاستيك، وشلتها.. وبعد كل ده، مسكت التليفون وطلعت برة وكلمت أبويا.
لما وصلوا البيت مع أمي، أول حاجة عملوها مكنتش إنهم يبصوا على جثة جدتي الغلبانة.. لأ.. دول جريوا أول حاجة على الدولاب يفتحوه ويقلبوا فيه!
ستّي ماتت في وقت العصرية، في بيتنا الصغير الضيق في قرية من قرى الشرقية.
كان فيه كام حتة بطاطا لسه بتطلع دخان فوق الفرن. كنت قاعدة جمب سريرها، ماسكة طبق صغير فيه لقمة عيش بشوية ملح. كانت بقالها كام يوم هدمها حيلها ومريضة، بس كانت بتعافر وتقولي بصوت ضعيف شدي حيلك يا بنتي.. كلي أنتِ الأول بس وسيبك مني.
وفجأة.. سمعت نفس عميق طالع من صدرها. واحد.. اتنين..
وبعدها، البيت كله سكت صمت رهيب يخوف.
مقومتش من مكاني فوراً. حطيت طبق العيش على الدكة الخشب، وقربت منها وبصيت في وشها النحيف، بوقها كان مفتوح حاجة بسيطة، وعينيها مكنتش مقفولة للآخر.
ستّي.. همست بالصوت ده.
مفيش رد.
رفعت إيدي وبكل حنية قفلت لها عينيها.. زي ما بشوفهم بيعملوا في المآتم بتاعة الجيران.
وبعدين، نزلت إيدي على رقبتها..
السلسلة كانت هناك.
سلسلة رفيعة، بس دهب حر وأصيل. دي كانت الحاجة الوحيدة الغالية اللي فضلت لستّي في الدنيا دي كلها. ياما سمعت أمي زمان وهي بتقول بغل أول ما العجوزة دي تقطع النفس، السلسلة دي بتاعتي.. أنا مرات ابنها الكبيرة وليا حق فيها.
بس أنا كنت عارفة إن السلسلة دي مش ليها.. ومستحيل تسيبها لها.
قفل السلسلة كان جامد ومتعاصي.. أول ما فكيته وأخدتها، حسيت كأن كف إيدي تقل مرة واحدة. شيلتها جوة الفانلة الداخلية
بعدها، جريت ورا الفرن.
فيه بلاطة هناك كانت بتلق بقالها سنين. ستي كانت فاكراني نايمة ومش واخدة بالي، بس كنت دايماً بالليل ألمحها بتوطي هناك وتدك حاجة تحت الأرض بالخباثة.
شلت البلاطة..
ولقيت كيس بلاستيك ملفوف جوة كيسين تانيين. جواه فلوس ورق، فئات مختلفة ومجعدة. عدّيتهم بصوابعي اللي كانت بترتعش من الخوف والبرد
أربعة آلاف وستمية وتلاتين جنيه!
قسمت الفلوس..
أخدت تلات آلاف جنيه ودكّيتهم جوة الفانلة مع السلسلة الدهب، وال 1630 جنيه اللي فضلوا، رجعتهم جوة الأكياس ولفتهم كويس وحطيتهم تحت البلاطة تاني ورجعت كل حاجة زي ما كانت.
ساعتها بس.. مسكت التليفون القديم اللي جمب الفرن.
واتصلت بأبويا.
الخط رن تمن مرات لحد ما رد عليا بنبرة ناشفة
عايزة إيه تاني على المدافع؟
يابا.. ستي ماتت وسابتنا.
سكت ثواني..
إمتى؟
لسه حالاً.
أنتِ متأكدة؟
مبقتش تتنفس وخلاص جسمها سقع.
سمعت صوت أمي في الخلفية بتبرطم وتزعق بضيق.
أبويا قال بجفاء هنركب ونيجي على بالليل.
وقفل السكة في وشي.
قعدت جمب الفرن وأكلت حتة البطاطا.. بالراحة، ومن غير ولا دمعة.
مش عشان مش موجوعة...
لأ..
عشان كنت عارفة إني لو بدأت أعيط ونزلت دموعي، مكنتش هعرف أقف على رجلي تاني أبداً والكلاب دي هتاكلني.
على الساعة تسعة بالليل، نور كشاف ضرب في شق الباب الخشب.
دخل أبويا.. ووراه أمي.
بصوا على جثة ستي ثانية واحدة بس ومن بعيد لبعيد!
وبعدها، أمي جريت زي السعرانة على السحارة القديمة
فين حاجتها وورثها؟
وقعدت تكرش في الهدوم وترميها.
رمت جلاليب ستي القديمة، واللحاف المتفصل، وكيس صغير فيه كام شلن وقرش فضة.
أبويا قرب مني وضرب الكشاف في وشي
ستك كانت مخبية فلوس هنا؟
معرفش يا با.
إزاي معرفيش؟!
عمرها ما قالت
ومن عند السحارة صرخت أمي
يا فتاح يا عليم.. فيه فلوس أهي! بس دول يدوب ألف وشوية فكة!
وبعدين لفت ناحيتي
وفين السلسلة؟
قلبي خبط جامد في صدري، لكني قلت
سلسلة إيه يا أماه؟
متمثليش يا مريم!
رجعت خطوة لورا وقلت
يمكن أدتها لعمتي كريمة لما زارتها الشهر اللي فات.
وش أمي احمر من الغيظ.
وبدأت تشتم عمتي وتدعي عليها.
أما أبويا فمسك دراعي وسألني
مش أنتِ اللي أخدتيها؟
بصيت له ببراءة وقلت
أنا عيلة صغيرة عندي 11 سنة.. هعمل إيه بسلسلة دهب؟
فضل يبص لي شوية..
وبعدين سابني.
لأنه كان شايفني مجرد طفلة ملهاش حيلة.
ومكنش يعرف إن ستي علمتني إمتى أتكلم.. وإمتى أخبي سري جوايا وأسكت.
تاني يوم، أخدوا جثة ستي ودفنوها بأقل التكاليف.
ولما رجعوا، قال أبويا
تكلفنا ألفين جنيه مصاريف دفن.
كأنه بيمنّ عليا.
وبعدين قالت أمي
أنتِ كبرتي وخلاص.. اقعدي هنا في البيت.
ومدرستي؟
سنة وتخلصيها.. وبعدها اقعدي في بيتك.
ورمى على الترابيزة 100 جنيه وشوية فكة.
ومشي.
هو وأمي.
وسابوني لوحدي.
أول ما اختفوا من آخر الطريق، قفلت الباب.
طلعت الفلوس والسلسلة.
كل ثروتي في الدنيا 4730 جنيه... وسلسلة دهب... و جنيه رماهم أبويا.
وحطيتهم قدامي.
وساعتها بدأت دموعي تنزل لأول مرة.
وفجأة...
سمعت خبط!
تلات خبطات هادية على الشباك المكسور.
قربت وبصيت.
لقيت أسماء بنت الجيران واقفة في الضلمة، وفي إيدها ظرف قديم مقفول بشمع أحمر.
همست
الحاجة فاطمة سابت لك الأمانة دي قبل ما تموت بساعتين.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة...
وأول ما قريت أول سطر...
جسمي كله اتجمد.
يا بنتي الغالية.. لما تقري الجواب ده، هيكونوا خلاص أخدوا جثتي ودفنوني.. بس هما ميعرفوش إنهم أخدوا الخيال.. وموصلوش للورث الحقيقي اللي أنا دافناه وشايلاه ليكي أنتِ وبس عشان ينجيكي من أبوكي ومراته.. انزلي السرداب القديم وافتحي..
انتهى الجزء الأول.
يا ترى ستي فاطمة كانت مخبية إيه في السرداب القديم؟
وإيه السر اللي هيقلب حياة مريم كلها؟
وهل أسماء فعلاً في ضهرها.. ولا وراها سر أكبر؟
الهواري
لو مستنيين الجزء الثاني اكتبوا تم ومتنسوش الشير واللايك والصلاة على النبي ﷺ وقفت وأنا ماسكة الظرف، إيدي بتترعش لأول مرة من ساعة ما ستّي ماتت.
كلمة السرداب القديم كانت كفيلة تقفل دماغي وتفتحها في نفس اللحظة.
بصيت لأسماء.
كانت واقفة زي ما هي ساكتة، عينيها مش واضحة، كأنها مش جاية من الشارع جاية من مكان أبعد بكتير.
سألتها بصوت واطي
فين السرداب ده؟
ما ردّتش بسرعة.
وبعد ثواني قالت
ورا البيت تحت الشجرة الكبيرة اللي جدتك كانت بتمنعك تقربي منها.
قلبي دق.
لأن فعلاً في شجرة توت ضخمة ورا البيت، عمري ما قربت منها، وستّي كانت دايمًا تقول
التراب هناك مش مريح وسيبي المكان زي ما هو.
سألتها وأنا مش مرتاحة
وإنتي عرفتي منين بالظرف ده؟
سكتت.
وبعدين قالت جملة غريبة
أنا ماخدتوش من إيديها أنا كنت واقفة وهي بتدّيه لحد تاني.
اتجمدت.
لحد مين؟
هزّت كتفها
مش عارفة كان ضلّ.
قبل ما أرد، لقيت باب البيت بيتفتح لوحده من الهوا.
وباب ورا الباب كأن المكان بيفتحلي طريق غصب عنه.
قلبت الظرف في إيدي تاني.
انزلي السرداب
بصيت ناحية الباب اللي بيؤدي للضهر.
وبصيت لأسماء ملقتهاش.
اختفت.
مرة واحدة.
من غير صوت.
وقتها بس حسّيت إن الموضوع مش ورث ولا فلوس
ده فيه حاجة أقدم من كده بكتير.
خرجت بخطوات بطيئة.
الليل كان تقيل، والهواء غريب، كأنه مش نفس هواء قريتنا.
وصلت للشجرة الكبيرة.
واقفِة زي عمود أسود في الضلمة.
حطيت إيدي على جذعها.
بارد.
بس في مكان معين كان فيه علامة محفورة.
حرفين
ف ف
ستّي فاطمة.
رجلي بدأت تهز.
لقيت الأرض تحت الشجرة أطرى من باقي التراب.
زي ما تكون متحركة من جوه.
طلعت حجر صغير كنت
وبدأت أحفر.
ثواني دقائق مش حاسة بالوقت.
لحد ما الحجر خبط في معدن.
تِن
قلبي وقع.
كملت بإيدي.
ظهر غطا حديد