في اليوم اللي ماتت فيه جدتي، أول حاجة عملتها مكنتش العياط
أنا الكبيرة.
أنا وأنا عندي 11 سنة.
وبصوت هادي جوا السرداب قلت لنفسي
أخيرًا افتكرتي.
وانتهى كل شيء في صمت وقفت وأنا مش فاهمة أنا فين بالضبط أنا اللي فوق ولا أنا اللي تحت؟
الطفلة اللي كانت في السرداب رفعت إيديها ناحيتي كأنها بتستنجد، لكن عينيها كانت ثابتة بشكل غريب مش خوف، بل معرفة.
همست وأنا صوتي بيتكسر
أنا إيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاهمة!
ستّي فاطمة اتقدمت خطوة، ووشها اتغيّر لأول مرة من بداية كل ده.
قالت بصوت منخفض جدًا
السرداب ماكانش مدفون تحت الأرض يا مريم
سكتت لحظة.
وبعدين كملت الجملة اللي كسرتني أكتر من أي حاجة قبلها
السرداب كان جواكي إنتِ.
تجمدت.
الطفلة اللي تحت ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
طول الوقت كنتِ بتدفني الذكرى وتطلعي جزء تعيشي بيه.
بصيت حواليا الشجرة، الأرض، البيت بدأوا يبهتوا زي صورة قديمة بتتمسح.
سألت بصوت مرتجف
يعني أبويا وأمي وكل اللي حصل
قاطعتني الطفلة
مش كذب لكن مش كامل.
فجأة، صور بدأت تظهر
صوت صريخ باب بيت بيتقفل بعنف ستّي بتعيط وأبويا واقف مش شبه أبويا اللي أعرفه.
ستّي فاطمة قربت مني وقالت بهدوء حزين
يوم ما حصل الحادث الحقيقي في بيتكم عقلك كان صغير ففصل الحقيقة عنك وخلاكي تعيشي في رواية أخف.
حسيت برجلي مش شايلاني.
حادث إيه؟ أنا طفلة عادية!
الطفلة رفعت إيديها وقالت
مش عادية كنتِ شاهدة على موت ستّك الحقيقي مش اللي اتقال لك.
الصمت وقع تاني.
وبعدين الأرض تحت رجلي بدأت تختفي.
والصوت اللي طالع من الطفلة قال بهدوء
دلوقتي لازم تختاري تكمّلي تعيشي في الرواية ولا تفكّيها كلها.
ستّي بصّتلي آخر نظرة وقالت
لو فكيتيها هتفتكري كل حاجة حتى اللي عقلك محاها عشان يحميكي.
وقفت بين عالمين
طفلة تحت وأنا فوق
وكلهم بيبصولي في نفس اللحظة.
وسؤال واحد بس كان بيرن في دماغي
أنا كنت عايشة الحقيقة ولا كنت عايشة نجاة منها؟الهواء حواليا بدأ يخفّ كأنه بيتسحب من العالم نفسه.
الطفلة اللي تحت السرداب
ونظرة عينيها كانت أبرد من أي خوف.
ستّي فاطمة مسكت إيدي، أول مرة ألمس منها تردد حقيقي.
وقالت بصوت واطي
مفيش قرار بيرجع وراه هنا يا مريم.
بلعت ريقي.
ولو اخترت أكمّل؟
الطفلة رفعت راسها وقالت بدل ستّي
هتفتكري كل حاجة زي ما هي.
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
ومش هتقدري ترجعي تاني تبصي للدنيا زي الأول.
حسّيت قلبي بيخبط في ضلوعي كأنه عايز يهرب مني.
بصيت للسرداب وبصيت لستّي وبصيت لنفسي اللي تحت.
وبعدين قلت بصوت مكسور بس ثابت
أنا عايزة أعرف.
سكتوا كلهم.
حتى الطفلة.
وفي اللحظة دي
الأرض تحت رجلي اتفتحت مش كسرداب لكن كذاكرة.
مش حفرة بل مشاهد بتتقلب قدامي زي فيلم بيتعاد بالعكس.
صوت صريخ عالي.
نور أبيض في أوضة ضيقة.
ستّي فاطمة واقعة على الأرض بس مش ميتة بهدوء زي ما اتقال لي.
كانت بتحاول تزحف.
وباب بيت بيتقفل من بره بقوة.
وصوت أبويا
بس مش صوته الهادئ اللي أعرفه.
كان بيصرخ
محدش يخرج منها
رجعت خطوة لورا وأنا بعيط
لأ لأ ده مش حقيقي!
ستّي اللي واقفة قدامي همست
ده اللي عقلك خبّاه عنك.
المشهد اتغير بسرعة.
أنا صغيرة واقفة عند الباب بعيط وبحاول أفتحه.
وأول مرة أسمع صوتي الحقيقي وأنا طفلة
ستّي جوه!
والباب بيتقفل بالمفتاح من بره.
سكت.
كل حاجة سكتت جوايا.
بصيت للطفلة اللي تحت لقيتها بتبصلي بعينيي أنا.
وقالت بهدوء
افتكرتي.
رجعت خطوة ويدي على دماغي
أنا أنا كنت هناك؟
ستّي فاطمة نزلت راسها وقالت بصوت مكسور
وإنتِ اللي فضلتِ عايشة بعدها بس بنص ذاكرة.
الصورة اتجمعت.
مشهد ستّي وهي بتنادي عليا وأنا مش قادرة أفتح الباب.
ومشهد أبويا وهو بيبعدني بالعافية.
ومشهد الصمت بعده.
وقفت وأنا بترعش
يعني هي ماتت جوه؟
الطفلة هزّت راسها
ومش لوحدها.
الصمت وقع تاني.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الأرض تختفي تحت رجلي
في حد كان معاها وإنتِ اللي شوفتيه آخر مرة.
بصيت لها ببطء
مين؟
والإجابة ماجتش بالكلام
جت بصورة بتتكوّن
وشخص واقف في الضلمة.
وبصوتي أنا وأنا طفلة همست
أبويا مش هو اللي قفل الباب الأول
أنا اللي قفلته.