مرات ابني حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

مرات ابني قالتلي إنهم مش قادرين يشتروا لي هدية عيد الميلاد بسبب ضيق الظروف المادية، لكن بعد يومين شفت أمها وهي بتفتح هدايا إلكترونية تمنها آلاف الدولارات! وقتها قررت أغيّر بهدوء ترتيبات إجازة العيلة اللي كانوا فاكرين إني هادفع تكلفتها كلها.
الرسالة وصلتني صباح يوم الأربعاء، وأنا قاعدة على ترابيزة المطبخ، بتفرج على طبقة الجليد وهي بتتكوّن على طول نهر سانت لورانس.
كانت الرسالة من مرات ابني، ياسمين، وبتقول
يا روزاليند، أنا وكريم مش هنقدر نجيب لك هدية عيد الميلاد السنة دي. الظروف المادية ضيقة جدًا الفترة دي.
وبس كده.
لا قالتلي عيد ميلاد مجيد.
ولا اعتذرت.
ولا حتى نادتني يا ماما.
كتبت اسمي بس، كأنها بتلغي معاد عند الدكتور!
بصيت للرسالة شوية، وبعدها رديت عليها
متشغليش بالك خالص، وأتمنى ليكي إنتِ وكريم عيد ميلاد سعيد.
وكنت فعلًا أقصد كلامي.
كل الناس بتمر بظروف مادية صعبة في وقت من الأوقات.
وكل حاجة بقت أغلى من زمان.
ومكنتش هقبل إني أخلّي ابني ومراته يحسوا بالخجل لمجرد إنهم مش قادرين يشتروا لي هدية.
لكن التسامح ده استمر يومين بس!
ليلة الجمعة، وأنا بتصفح إنستجرام، ظهر قدامي فيديو منزلاه أم ياسمين.
كانت قاعدة على جزيرة المطبخ في بيتها، حواليها أكياس تسوق وعلب هدايا كتير.
وكانت كاتبة في التعليق
اتدلعت السنة دي بطريقة فوق الوصف!
وبدأت تفتح الهدايا واحدة ورا التانية.
أول هدية كانت جهاز مايكروسوفت سيرفس برو جديد تمامًا.
بعده سماعة سوني عازلة للضوضاء.
وبعدين جهاز آيباد ومعاه جراب فيه لوحة مفاتيح.
وكانت بتقول بفخر وهي بتفتح الهدايا
كريم هو اللي اختار لي كل حاجة بنفسه! عندي أحسن زوج بنت في الدنيا!
حطيت كوباية النبيذ على الترابيزة بهدوء.
الهدايا دي تمنها آلاف الدولارات!
يعني الفلوس مكنتش ضيقة فعلًا.
هي بس كانت ضيقة لما الموضوع يتعلق بيا أنا!
وفجأة، بدأت مواقف كتير من الأربع سنين اللي فاتوا تظهر قدام عيني بشكل مختلف تمامًا.
ياسمين عمرها ما نادتني ماما ولو مرة واحدة.
كانت دايمًا تنسى عيد ميلادي، لكن لما ييجي عيد ميلاد أمها، كانت بتنظم لها عشا في مطاعم غالية.
وفي صيف من الصيفات، كريم وياسمين طلبوا مني أخلي بالي من أحفادي لمدة أسبوعين، علشان ياخدوا أم ياسمين معاهم في رحلة للبرتغال.
وافقت بكل حب.
أنا بعشق أحفادي، وكنت مبسوطة إني هقضي وقت معاهم.
لكن بعد ما شفت الفيديو، فهمت حقيقة كانت غايبة عني من زمان.
فهمت أخيرًا أنا ترتيبي إيه في العيلة دي!
قمت ودخلت أوضتي، وطلعت ملف أكورديون من الرف العلوي في الدولاب.
كان جواه كل تأكيدات الحجوزات الخاصة بمفاجأة عيد الميلاد اللي محدش يعرف عنها أي حاجة لحد دلوقتي.
من يوم ما جوزي اتوفى من تلات سنين، وأنا كل سنة كنت بخصص جزء من فلوس التأمين على حياته علشان أقدم لعيلتنا تجربة جميلة تجمعنا كلنا في عيد الميلاد.
لكن السنة دي كنت مخططة لحاجة أكبر من أي سنة فاتت.
كنت حاجزة شاليه فخم فيه ست أوض نوم في منطقة جبال لورانتيان، لمدة خمس ليالي خلال إجازة عيد الميلاد.
مدفأة حجرية ضخمة.
وساونا خشبية من خشب الأرز.
وإطلالة ساحرة على الجبال.
وتذاكر تزلج لكل أفراد العيلة.
وكمان عشا خاص ليلة عيد الميلاد في مطعم مشهور، والحجز فيه بيحتاج إنك ترتبي من شهور قبلها.
تكلفة الشاليه لوحده كانت سبعة آلاف دولار!
كريم وياسمين مكنوش يعرفوا أي حاجة عن المفاجأة دي.
ولا حتى بنتي التانية، كوردليا.
قعدت على طرف السرير وبصيت للحجز فترة طويلة.
وبعدين فتحت اللابتوب.
غيّرت حجز الشاليه الكبير، وحجزت بدل منه شاليه أصغر فيه تلات أوض نوم.
شلت شخصين بالغين من تذاكر التزلج.
وألغيت مقعدين من حجز عشا ليلة عيد الميلاد.
المبلغ اللي هيرجع لحسابي كان حوالي 2400 دولار.
ونظام الحجز كان بيبعت تلقائيًا تحديث لكل شخص بالغ اسمه موجود في الحجز.
وياسمين كان اسمها مسجل كجهة اتصال إضافية.
يعني أكيد هتعرف!
قفلت اللابتوب.
عملت لنفسي كوباية شاي.
ودخلت أنام.
الساعة 843 الصبح، تليفوني رن.
كان كريم.
ماما، قال بصوت واضح إنه متوتر، إيه اللي حصل في حجز الشاليه؟
رديت بهدوء
قصدك إيه يا حبيبي؟
قال بسرعة
ياسمين وصل لها إيميل، مكتوب فيه إننا اتشِلنا من الحجز، وإن تذاكر التزلج بتاعتنا اتلغت!
قلت له
أيوه، ده صحيح.
سكت شوية، وبعدين سألني
هو كان فيه مشكلة في الحجز؟
رديت
لأ، مفيش أي مشكلة. أنا بس غيّرت الحجز.
سكت تاني.
المرة دي سكوته كان أطول.
وبعدين سألني
ليه يا ماما؟
كنت بدهن قطعة توست بالمربى، ورديت بكل هدوء
الظروف المادية بقت صعبة الفترة دي، واضطريت أقلل المصاريف.
سكت تمامًا.
وبعدين قلت له إني شفت الفيديو.
جهاز السيرفس برو.
وسماعة سوني.
والآيباد.
وقلت له
أنا مبسوطة إنك قدرت تفرّح أم ياسمين وتجيبلها هدايا غالية بالشكل ده. لكن بعد ما مراتك قالتلي إنكم مش قادرين تشتروا لي أي حاجة، قررت إني أطبّق نفس المنطق على فلوسي أنا كمان.
اتغيرت طريقة تنفسه، وكأنه مش عارف يرد.
قال بصوت منخفض
ماما...
قاطعته بهدوء
أنا وكوردليا لسه هنسافر، والشاليه الأصغر مناسب جدًا لينا.
وفجأة سمعت صوت ياسمين في الخلفية، كانت بتتكلم بعصبية وبسرعة.
واضح إنها كانت بتصرخ وبتطلب منه يديها التليفون.
كريم سكت لحظة، وبعدها قال
هي عايزة تتكلم معاكي.
رديت باختصار
مش النهارده.
وقفلت المكالمة.
كمّلت فطاري.
وغسلت طبقي.
وبعدها بكام ساعة، سمعت صوت عربيتهم وهي بتدخل الجراج قدام بيتي.
كريم نزل من العربية وملامحه باين عليها القلق.
أما ياسمين، فقفلت باب العربية بعنف، ومشيت ناحية البيت بخطوات سريعة وغاضبة.
فتحت الباب قبل ما تخبط.
بصت لي بغضب وقالت
اللي إنتِ عملتيه ده غير مقبول تمامًا!
وبدأت تتكلم عن الأطفال.
وعن عيد الميلاد.
وعن إن مينفعش أغيّر الحجز وأحرمهم من الشاليه بالطريقة دي.
وإن الأطفال كانوا مستنيين الرحلة، وإن مش من حقي آخد منهم الفرحة دي.
فضلت ساكتة وسمعتها للآخر، لحد ما خلصت كل الكلام اللي عندها.
ولما سكتت أخيرًا، دخلت إيدي في جيب الكارديجان اللي كنت لابساه.
كان فيه مستند تاني.
مستند واحد بس، لكنه كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة.
وأول ما ياسمين شافت المكتوب فيه، ملامح وشها اتبدلت تمامًا، والغرور اللي كان مالي عينيها اختفى في لحظة!
لكن يا ترى إيه اللي كان مكتوب في المستند ده؟ وإزاي ورقة واحدة قدرت تقلب الموقف كله ضدها؟
يتبع...
ياسمين فضلت باصة للمستند اللي في إيدي، ووشها بدأ يشحب بالتدريج.
مدت إيدها بسرعة وقالت بتوتر
إيه الورقة دي؟!
سحبت الورقة بعيد عنها وقلت بهدوء
استني، خلينا نتكلم الأول.
كريم قرب مننا، وبص للمستند باستغراب.
ماما، إيه الموضوع؟ إنتِ مخبية عننا إيه؟
بصيت لابني، وقلبي وجعني. عمري ما تخيلت إن هييجي يوم وأقف فيه قدامه بالشكل ده، وأضطر أشرح له ليه بقيت مش عايزة أدفع تمن كل حاجة تخصه.
قلت له
من أربع سنين، وأنا بحاول أجمع العيلة كلها على قلب واحد. من يوم وفاة أبوك، وأنا شايفة إن الفلوس اللي سابها لي مش مجرد فلوس أصرف منها على نفسي، لكن كمان فرصة أعمل ذكريات حلوة معاكم ومع أحفادي.
ياسمين اتدخلت بعصبية
وده إيه علاقته بالورقة اللي معاكي؟
بصيت لها وقلت
علاقته إنك إنتِ اللي خليتيني أراجع كل حاجة.
فتحت المستند، وكان عبارة عن كشف بالمبالغ اللي دفعتها خلال السنين اللي فاتت لمساعدة كريم وياسمين.
فلوس مقدم الشقة.
مصاريف إصلاح عربيتهم.
مبلغ كبير دفعته لما كريم خسر شغله لمدة شهور.
وتكاليف حضانة الأطفال في الفترة اللي كانوا فيها بيواجهوا صعوبات مادية.
وفي آخر صفحة، كان فيه جدول بالمصاريف اللي كنت ناوية أتحملها في رحلة عيد الميلاد.
ياسمين قلبت الصفحات بسرعة، وبعدين قالت باستهزاء
يعني إنتِ عايزة تفهمينا إنك صرفتي علينا فلوس؟ إحنا طلبنا منك تعملي كده؟
السؤال وجعني، مش بسبب قسوته، لكن بسبب الطريقة اللي اتقال بيها.
بصيت لها وقلت
لأ، إنتوا ما طلبتوش مني في كل مرة. وأنا عمري ما عايرتكم باللي قدمته لكم. كنت بساعدكم لأني بحبكم، ولأني كنت فاكرة إننا عيلة واحدة.
كريم نزل عينيه للأرض.
لكن ياسمين فضلت واقفة قدامي، رافعة دقنها بتحدٍّ.
طيب، وإيه المطلوب دلوقتي؟ إننا نعتذر علشان اشترينا لمامتي هدايا؟ دي أمّي، ومن حقي أفرحها!
هزيت راسي وقلت
طبعًا من حقك تفرّحي أمك، وأنا ما اعترضتش على ده. اللي اعترضت عليه إنك قلتي إنكم مش قادرين تشتروا لي هدية بسبب ضيق الفلوس، وبعدها بيومين شفتكوا بتصرفوا آلاف الدولارات على هدايا لحد تاني.
صرخت
دي فلوس كريم، وهو حر فيها!
رديت فورًا
بالضبط. ودي فلوسي أنا، وأنا كمان حرة فيها.
ساد الصمت في المكان.
كانت أول مرة تشوفني فيها ياسمين برفض طلب ليها من غير ما أبرر نفسي أو أحاول أرضيها.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما حصلتش.
حطيت المستند على الترابيزة، وطلعت ظرف تاني من درج المدخل.
بص كريم للظرف وقال
إيه ده يا ماما؟
قلت له
ده الجزء اللي كنت مخططة أعلنه لكم ليلة عيد الميلاد.
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطبوعة.
كانت تفاصيل خطة جديدة كنت مجهزاها للرحلة.
أنا كنت حاجزة الشاليه الكبير، لكن في نفس الوقت كنت مجهزة مفاجأة إضافية كنت ناوية أعلن قدام العيلة إني هخصص مبلغًا من مدخراتي علشان أساعد أحفادي في



مصاريف تعليمهم مستقبلًا.
المبلغ كان كبيرًا، وكنت مخططة أحطه في حسابات مخصصة ليهم، بحيث ما حدش يقدر يستخدمه في مصاريفه الشخصية.
لكن بعد اللي حصل، قررت أوقف الإجراءات مؤقتًا، وأراجع كل حاجة مع مستشار مالي ومحامي.
ياسمين أول ما سمعت الكلام، اتغيرت ملامحها.
يعني إنتِ هتحرمي ولادك من مستقبلهم بسبب خلاف بينك وبينايا؟
بصيت لها باستغراب.
أولادي؟ دول أحفادي أنا كمان، وأنا عمري ما قلت إني هحرمهم من حاجة.
قلت لها إن الفلوس دي مش هدية لكريم أو ليها، وإنها مش من حق أي حد يتصرف فيها نيابة عني لمجرد إنه من العيلة.
وإن هدفي من البداية كان إني أضمن مستقبل الأطفال، مش إني أدي أي شخص سلطة على مدخراتي.
كريم رفع راسه أخيرًا وقال
ماما، أنا آسف.
ياسمين بصت له بصدمة.
كمل كلامه
أنا عارف إنك ساعدتينا كتير، وكان المفروض لما إنتِ بعتّي الرسالة دي، كنت أسأل نفسي إحنا ليه بنقول إن الفلوس ضيقة وإحنا قادرين نصرف المبالغ دي على هدايا تانية.
ياسمين حاولت تقاطعه، لكنه المرة دي ما سكتش.
أنا اللي اخترت الهدايا، وكنت عارف تمنها. ولما إنتِ قلتي إننا مش هنجيب لماما هدية، ما اعترضتش. وده غلط مني.
لأول مرة من ساعة ما دخلوا البيت، حسيت إن ابني بدأ يفهم.
لكن الاعتذار لوحده ما كانش كفاية علشان كل حاجة ترجع زي الأول.
قلت له
يا كريم، أنا مش محتاجة منك هدية غالية. حتى لو جبت لي وردة من الشارع، هفرح بيها لو حسيت إنك جايبها من قلبك. أنا اللي وجعني إنكوا قدرتوا تفرّحوا ناس تانية، لكن لما جه دوري، حسستوني إني عبء عليكم.
كريم قرب مني، وعينيه كانت مليانة ندم.
أنا آسف يا ماما. ومش هطلب منك تدفعي تمن الرحلة، ولا أي حاجة تانية. لو إنتِ عايزة نصلح اللي حصل، أنا مستعد أبدأ من جديد.
أما ياسمين، ففضلت ساكتة.
وبعد دقائق، أخدت شنطتها وقالت إنها محتاجة تمشي.
قبل ما تخرج، وقفت عند الباب وبصت لي.
يعني الرحلة خلاص اتلغت؟
قلت لها
الرحلة اتغيرت. أنا وكوردليا هنروح الشاليه الأصغر، وهقضي عيد الميلاد مع الناس اللي وجودهم معايا نابع من رغبتهم، مش من الفلوس اللي ممكن أدفعها.
خرجت من غير ما ترد.
وكريم فضل واقف شوية، وبعدين من غير ما يقول حاجة.
بعد ما مشي، قعدت لوحدي في الصالة، وبصيت لصورة جوزي اللي كانت على الرف.
همست لنفسي
يا ريتك كنت هنا وشفت ابنك وهو بيتعلم الدرس اللي حاولت أعلمهوله من غير ما أجرحه.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن ياسمين ما كانتش قالت كلمتها الأخيرة.
بعد يومين، وصلني منها إيميل طويل.
وفي آخره كانت كاتبة جملة واحدة خلتني أرجع أفتح المستندات القديمة من جديد
في حاجة إنتِ ما تعرفيهاش عن الفلوس اللي دفعتيها لنا، وكريم مخبيها عنك من سنين.
ولما قرأت السطر اللي بعده، حسيت إن موضوع هدية عيد الميلاد والشاليه ما كانش غير بداية حكاية أكبر بكتير...
فتحت الإيميل بإيد بتترعش، وبدأت أقرأ كلام ياسمين.
يا روزاليند، أنا عارفة إنك شايفاني إنسانة أنانية، ويمكن عندك حق في حاجات كتير. لكن فيه سر كريم مخبيه عنك من سنين، وأنا تعبت من إني أفضّل ساكتة عنه.
الفلوس اللي دفعتيها علشان تساعدينا وقت ما كريم خسر شغله، ما كانتش كلها لمصاريف البيت زي ما قالك.
وقفت عند الجملة دي.
رجعت قريتها مرة واتنين.
وبعدين كملت.
جزء من الفلوس اتستخدم في شراء محل صغير، وكريم سجله باسمه. هو كان ناوي يقولك لما المشروع يقف على رجله، لكنه خاف إنك تعرفي وتطلبي فلوسك تاني.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
أنا عمري ما طلبت من ابني يرجع لي جنيه واحد ساعدته بيه!
ليه كان خايف مني؟
وليه كذب عليّا؟
مسكت التليفون واتصلت بكريم فورًا.
رد بعد رنتين.
أيوه يا ماما؟
سألته من غير مقدمات
إنت اشتريت محل بالفلوس اللي أنا بعتهالك علشان تساعدك في مصاريف البيت؟
سكت.
والسكون اللي جه من الناحية التانية كان كفاية علشان أفهم إن الكلام حقيقي.
قلت بصوت مبحوح
رد عليّا يا كريم.
قال أخيرًا
أيوه يا ماما، بس اسمعيني للآخر.
قعدت على الكرسي، وطلبت منه يشرح.
قال إنه وقتها كان بيفكر يبدأ مشروع صغير، وإنه خاف يضيع الفرصة لو صرف كل الفلوس على مصاريف البيت. فقرر يستخدم جزءًا منها في شراء المحل، وكان ناوي يرجع لي المبلغ لما المشروع ينجح.
سألته
والمحل نجح؟
قال بصوت واطي
أيوه يا ماما. الحمد لله، بقى بيدخل لنا دخل كويس.
غمضت عيني.
أنا كنت بحسب كل جنيه علشان أقدر أجمع العيلة في رحلة واحدة، وفي الوقت نفسه ابني كان عنده مشروع بيكبر، وأنا ما أعرفش عنه حاجة.
لكن اللي وجعني أكتر ما كانش إنه اشترى المحل.
اللي وجعني إنه خلاني أفتكر إنه محتاج مساعدتي، بينما كان بيخبي عني حقيقة وضعه.
قلت له
أنا مش زعلانة إنك عملت مشروع يا كريم. أنا زعلانة إنك ما وثقتش فيا كفاية علشان تقول لي الحقيقة.
قال بسرعة
أنا غلطت، وعارف إني غلطت. بس والله ما كان قصدي أستغلك.
رديت
أنا مش هحكم على نيتك. أنا هحكم على اللي حصل، وعلى اللي هتعمله من هنا ورايح.
وبعدين قفلت المكالمة.
في اليوم التالي، قررت أزور المحل بنفسي.
ما قلتش لكريم إني جاية.
ركبت عربيتي، وفضلت طول الطريق أفكر في ابني اللي ربيته، وفي كل مرة كنت بقدمله فيها المساعدة وأنا مقتنعة إننا بنواجه الظروف سوا.
لما وصلت، لقيت محلًا مرتبًا وواسعًا، وفيه عاملين بيجهزوا الطلبات.
وفوق الباب كانت لافتة جديدة باسم كريم.
دخلت، ولما شافني، اتجمد مكانه.
ماما؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟
بصيت حواليّا وقلت
جاية أشوف الحاجة اللي كنت بتخاف تحكي لي عنها.
نزل عينيه، وطلب من العاملين يسيبونا لوحدنا شوية.
قعدنا في المكتب الصغير اللي ورا المحل.
وبعد صمت طويل، فتح درج مكتبه وطلع ملفًا.
قال
أنا كنت محوش جزءًا من الأرباح، وكنت ناوي أرجع لك المبلغ اللي ساعدتيني بيه. بس كل مرة كنت بأجل الكلام، لحد ما الموضوع كبر وبقيت مكسوف أواجهك.
فتحت الملف.
لقيت حسابات للمحل، وفواتير، وكشوف أرباح.
لكن كان فيه مستند آخر لفت نظري.
ورقة عليها توقيع كريم، ومبلغ مكتوب بخط واضح.
سألته
إيه الورقة دي؟
اتنهد وقال
ده مبلغ كنت مخصصه ليكي من أرباح المحل، وكنت ناوي أديهولك هدية في عيد الميلاد.
بصيت له طويلًا.
هدية؟
هز راسه.
أيوه يا ماما. كنت عايز أعوضك عن كل اللي عملتيه عشانا.
سألته
طيب ليه ما قلتش لي الكلام ده من الأول؟ وليه وافقت إن ياسمين تقول إنكم مش قادرين تجيبوا لي هدية؟
ما عرفش يرد.
وفي اللحظة دي، فهمت إن المشكلة ما كانتش في قيمة الهدية، ولا في تمن الشاليه، ولا حتى في الفلوس اللي ساعدته بيها.
المشكلة كانت في الصراحة والاحترام.
مديت له الملف وقلت
أنا مش عايزة هدية علشان تعوضني عن اللي فات. أنا عايزة ابني يرجع يكلمني من غير ما يخاف يقول الحقيقة.
عينيه دمعت، وقال
هحاول أصلح كل حاجة يا ماما.
قمت علشان أمشي، لكنه وقفني قبل ما أوصل للباب.
استني، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيت له.
قال بتردد
ياسمين مش عارفة إني كنت مجهز لك المبلغ ده. وهي لما بعتت لك الإيميل، كانت عايزة تقولك الحقيقة علشان....
وسكت فجأة.
سألته
علشان إيه؟
بص لي بقلق، وبعدها قال
علشان هي عايزة تبيع المحل، وأنا رفضت. ومن يومها وهي بتحاول تقنعني إننا لازم ناخد فلوسك ومدخراتك ونستثمرها في مشروع أكبر باسمنا إحنا الاتنين.
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
لكن قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، رن تليفونه.
كانت ياسمين.
رد عليها، وسمعتها بتقول بصوت غاضب
كريم، إنت لازم تيجي البيت حالًا! أمك عرفت كل حاجة، صح؟
كريم بص لي، وأنا أشرت له إنه يرد بصراحة.
قال لها
أيوه، ماما عرفت الحقيقة كلها.
ساد الصمت للحظات.
وبعدين قالت جملة ما كنتش متوقعاها أبدًا
خلاص، يبقى لازم نتصرف قبل ما تروح للمحامي وتعرف مين صاحب الحق الحقيقي في المحل!
بصيت لكريم بصدمة.
هو كمان وشه اتغير.
لأننا في اللحظة دي أدركنا إن فيه سرًا تاني، أكبر من مجرد فلوس اتصرفت في شراء محل.
ولأول مرة، ابني نفسه بدأ يشك إن مراته كانت مخبية عنه حقيقة ما كانش يتخيلها أبدًا...
كريم فضل ماسك التليفون، مش قادر ينطق بكلمة.
أما أنا، فكنت واقفة قدامه، بحاول أفهم معنى الجملة اللي سمعتها من ياسمين.
مين صاحب الحق الحقيقي في المحل؟
وإيه اللي كانت مخبياه عن ابني؟
كريم رجع اتصل بيها، لكن المرة دي شغّل مكبر الصوت.
قال بصوت متوتر
ياسمين، إنتِ قصدك إيه بكلامك عن صاحب الحق الحقيقي في المحل؟
ردت بسرعة
مش وقت الكلام ده يا كريم. تعالى البيت، وإحنا هنتفاهم.
قال بحزم
لأ، أنا عايز أفهم دلوقتي. إنتِ تعرفي إيه عن المحل وأنا ما أعرفوش؟
سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا كنت بحاول أحمي مستقبلنا ومستقبل ولادنا. إنت اللي فضلت تأجل كل حاجة.
كريم رفع صوته لأول مرة
تأجل إيه؟ أنا اشتريت المحل بفلوسي، وبشتغل فيه كل يوم!
ردت بعصبية
بفلوسك؟ إنت ناسي إننا


كنا متفقين إن المشروع يبقى لينا إحنا الاتنين؟
كريم بص لي، وبعدها قال
اتفقنا إنك تساعديني في الإدارة لما المشروع يكبر، لكن ما اتفقناش إنك تبيعي المحل من ورايا!
وفجأة، ياسمين قالت جملة خلتني أحس إن فيه حاجة أخطر بتحصل.
أنا ما بعتش المحل يا كريم... أنا بس مضيت على ورق مبدئي.
كريم وقف من مكانه.
ورق إيه؟!
لكنها قفلت المكالمة.
فضل ابني واقف للحظات، وبعدها بدأ يفتح الأدراج ويفتش في الملفات الموجودة بالمكتب.
كان بيدور على عقد المحل الأصلي.
ولما لقاه، اكتشف إن فيه ورقة ناقصة من الملف.
قال بقلق
ماما، أنا متأكد إن الورقة دي كانت هنا.
قلت له
ما تتهمش حد قبل ما نتأكد. اجمع كل المستندات، وروح لمحامي تثق فيه.
هز راسه، وقرر ياخد الملف معاه.
قبل ما أمشي، حطيت إيدي على كتفه وقلت
يا كريم، أنا أمك، ومهما حصل مش هتمنى لك الضرر. لكن المساعدة مش معناها إني أتنازل عن حقي في إني أعرف الحقيقة.
هز راسه، وقال
أنا فاهم يا ماما.
بعد يومين، اتصل بيا كريم وطلب مني أقابله في مكتب المحامي.
لما وصلت، لقيته قاعد قدام المكتب، ووشه مرهق كأنه ما نامش من يومين.
المحامي طلب منه يشرح كل اللي حصل بالتفصيل.
طلع كريم عقد شراء المحل، وكشوف الحسابات، والمستندات اللي قدر يجمعها.
وبعد مراجعة الأوراق، المحامي وضّح لنا إن تحديد ملكية المحل وأي حقوق مالية مرتبطة بيه لازم يعتمد على العقود والتوقيعات الفعلية، مش على الكلام أو الوعود اللي اتقالت بين أفراد العيلة.
وبعدين سأل كريم سؤالًا مباشرًا
هل زوجتك وقّعت أي عقد بيع أو تنازل باسمك، أو استخدمت توكيلًا صادر منك؟
كريم رد
على حد علمي، لأ.
المحامي قال
يبقى لازم نراجع الورقة اللي قالت إنها مضت عليها قبل ما نستنتج أي حاجة.
في اللحظة دي، موبايل كريم رن.
كانت رسالة من ياسمين.
فتحت الرسالة، ولقيتها باعتاله صورة مستند، وتحتها كتبت
أنا ما كنتش عايزة الأمور توصل لكده، لكن بما إنك اخترت تدخل أمك والمحامي في الموضوع، يبقى لازم تشوف الورقة بنفسك.
كريم فتح الصورة.
وبمجرد ما شاف أول سطر، وشه شحب.
سألته بقلق
إيه المكتوب يا ابني؟
رفع عينيه ليا وقال
ياسمين كانت مقدمة طلب للحصول على قرض بضمان المحل.
المحامي أخد الصورة، وبدأ يراجع البيانات.
وبعد دقائق، قال إن الصورة وحدها مش كفاية للحكم على صحة أي إجراء، وإننا محتاجين نسخة رسمية من المستندات ونعرف إذا كان فيه توقيع أو تفويض صحيح.
كريم فضل ساكت.
وبعدين قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندي إني كذبت على أمي بخصوص الفلوس. ما كنتش متخيل إني ممكن أوصل لمرحلة أشك فيها في كل حاجة.
بصيت له وقلت
يا كريم، الشك مش دليل. ما تظلمش حد، لكن كمان ما تتجاهلش الحقيقة. خلّي كل حاجة تتراجع بالقانون.
وافق، وقرر إنه مش هيمضي أي أوراق جديدة قبل ما يفهم وضع المحل بالكامل.
في نفس الليلة، ياسمين جت لبيتي لوحدها.
المرة دي ما دخلتش وهي بتصرخ، ولا بدأت تلومني على تغيير حجز الشاليه.
وقفت قدام الباب وقالت
ممكن أتكلم معاكي شوية؟
سمحت لها تدخل.
قعدت قدامي، وفضلت تلف خاتمها في صباعها بتوتر.
وبعد صمت طويل، قالت
أنا عارفة إنك مش بتحبيني.
رديت بهدوء
أنا ما قلتش إني مش بحبك. أنا قلت إن تصرفاتك وجعتني.
نزلت عينيها، وبعدها اعترفت إن المقارنة بين الهدايا اللي اشترتها لأمها وبين الهدية اللي قالت إنها مش قادرة تجيبهالي كانت تصرفًا أنانيًا، وإنها ما فكرتش في إحساسي وقتها.
لكنها أضافت إنها كانت تحت ضغط بسبب خلافات مالية بينها وبين كريم، وإنها كانت بتحاول تضمن لنفسها ولأولادها مستقبلًا ماديًا أفضل.
سمعتها للآخر، من غير ما أقاطعها.
وبعدين سألتها
طيب، ليه ما طلبتيش المساعدة بصراحة؟ وليه خليتيني أصدق إنكم مش قادرين، وإنتوا بتشتروا هدايا غالية؟
دموعها نزلت، لكنها ما جاوبتش فورًا.
وبعد لحظات قالت
لأني كنت متعودة إنك دايمًا بتسامحي، وبتساعدي، ومش بتطلبي أي حاجة في المقابل. افتكرت إنك هتفضلي تعملي كده مهما حصل.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت بتعترف بحاجة أنا نفسي ما كنتش واخدة بالي منها.
إن عطائي المستمر خلّى بعض الناس يتعاملوا معاه كأنه واجب عليّا، مش اختيار مني.
قلت لها
أنا هفضل أحب أحفادي، وهفضل أساعدهم على قد ما أقدر. لكن من النهارده، أي مساعدة هتكون واضحة، ومن غير أسرار أو ضغوط. وفلوسي ومستقبلي مش موضوع مفتوح للنقاش أو المطالبة.
ياسمين هزت راسها، وبعدها قالت
أنا مش جاية أطلب منك فلوس.
سألتها
أمال جاية ليه؟
بصت لي بعينين مليانين خوف، وقالت
علشان فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها عن ليلة عيد الميلاد، حاجة لو حصلت زي ما كانت مخططة، كانت هتغيّر مستقبل العيلة كلها.
وبعدين حطت قدامي ظرفًا بنيًا صغيرًا.
ولما شفت الاسم المكتوب عليه، عرفت إن المفاجأة اللي جواه مش تخص ياسمين وكريم لوحدهم...
كان مكتوب على الظرف اسم زوجي الراحل، ومعاه تاريخ يرجع لآخر شهر في حياته!
فتحت الظرف بإيد مرتعشة، وقلبي بيدق بسرعة.
اسم جوزي الراحل، محمود، كان مكتوب على الظرف بخط إيده فعلًا.
فضلت أبص للاسم وأنا مش مصدقة.
ياسمين، إنتِ جبتي الظرف ده منين؟
ردت بصوت واطي
لقيته في صندوق قديم عند ماما، وسط أوراق كانت تخص باباها. ولما شفت اسم محمود، افتكرت إن ممكن يكون مهم بالنسبة لك.
فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه خطاب من ثلاث صفحات، وصورة قديمة لزوجي وهو واقف قدام مبنى صغير ما عرفتهوش.
بدأت أقرأ الخطاب.
إلى زوجتي الحبيبة،
لو وصل لك الخطاب ده في يوم من الأيام، فده معناه إن الظروف ما سمحتليش أحكيلك كل حاجة بنفسي.
فيه قرار أخدته من سنين، وكنت مستني الوقت المناسب علشان أتكلم معاكي عنه.
إنتِ عارفة إني طول عمري كنت بحاول أضمن مستقبل كريم، لكن فيه حاجة ما قلتهاش لأي حد في العيلة.
وقفت عن القراءة.
محمود كان مخبي عني سرًا طوال سنين جوازنا؟
كملت الخطاب وأنا حاسة إن كل كلمة بتفتح بابًا جديدًا من الأسئلة.
قبل وفاة والدي، ساب لي مستندات تخص قطعة أرض ومبنى صغير في منطقة قريبة من المدينة. وقتها كانت قيمتهم بسيطة، وقررت أحتفظ بيهم لحد ما أعرف أتصرف فيهم بطريقة تضمن مستقبل الأسرة.
لكن مع مرور السنين، قيمة المكان زادت، وبقى له أهمية أكبر مما كنت أتخيل.
رفعت عيني لياسمين.
إنتِ كنتِ تعرفي عن الأرض دي؟
هزت راسها.
لأ. أنا ما كنتش أعرف أي حاجة عنها قبل ما ألاقي الخطاب.
رجعت أبص للخطاب.
في آخر صفحة، كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، ومعاه رقم ملف وتاريخ.
المستندات الأصلية محفوظة لدى مكتب المحامي الذي تولى شؤون الميراث. لا تتخذي أي قرار قبل التأكد من الوضع القانوني الكامل للملكية.
وتحت السطر، كان اسم المحامي.
نفس المحامي اللي كريم راح له علشان يراجع أوراق المحل!
حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي.
تاني يوم، رحت أنا وكريم للمحامي، ومعانا الخطاب والصورة.
راجع بيانات الخطاب، وبعدها طلب الاطلاع على ملف الميراث الأصلي.
بعد مراجعة المستندات، قال لنا إن فيه ملفًا قديمًا بالفعل، لكنه محتاج مراجعة قانونية دقيقة علشان نعرف إذا كانت الأرض ما زالت مملوكة للأسرة، ومين أصحاب الحقوق فيها، وهل فيه أي التزامات أو إجراءات سابقة تخصها.
سألته بقلق
يعني ممكن تكون الأرض دي لسه موجودة؟
رد
ممكن، لكن ما ينفعش نحكم قبل ما نراجع السجلات الرسمية.
كريم كان ساكت طول الوقت.
وفجأة قال
ماما، أنا افتكرت حاجة.
بصيت له.
قال
قبل وفاة بابا بشهور، سمعته بيتكلم في التليفون عن مبنى قديم، وقال إنه لو اتطور في المستقبل، ممكن يبقى مصدر دخل كويس لينا.
المحامي طلب منه يحاول يفتكر أي تفاصيل إضافية، وبعدها بدأ يتواصل مع الجهات المختصة للحصول على المعلومات اللازمة.
وبعد عدة أيام، وصلتنا نتيجة أولية.
الأرض موجودة بالفعل، لكن وضع ملكيتها محتاج استكمال إجراءات ومراجعة مستندات إضافية قبل تحديد قيمتها أو إمكانية التصرف فيها.
ما كانش فيه أي دليل يثبت إن حد سرقها أو استولى عليها، لكن كان واضح إن زوجي ترك وراءه ملفًا ما اتقفلش بالشكل الصحيح.
في المساء، اتصلت بي ياسمين.
قالت
عرفتوا حاجة عن الأرض؟
قلت لها
لسه بنراجع الأوراق.
سكتت لحظة، وبعدها سألت
لو الأرض دي طلعت قيمتها كبيرة، هتعملي إيه؟
السؤال خلاني أركز في كلامها.
قلت
هتصرف بناءً على الحقيقة والقانون، وبعد ما أعرف كل أصحاب الحقوق.
قالت بسرعة
يعني ممكن تدي كريم نصيبًا منها؟
رديت
كريم ابني، وطبيعي إني أهتم بمستقبله، لكن مش هقرر أي حاجة قبل ما أعرف الوضع القانوني.
فجأة، صوتها اتغير.
أنا مش بسأل علشان الفلوس يا روزاليند. أنا بس خايفة إن كل حاجة تحصل زي ما حصل مع المحل.
قلت لها
يبقى لازم نتعلم من اللي حصل. مفيش أسرار تاني.
قفلت المكالمة، وأنا بفكر في كلامها.
هل كانت فعلًا ندمانة على تصرفاتها؟ ولا كانت خايفة تخسر فرصة مالية جديدة؟
ما كانش عندي إجابة مؤكدة.
لكن كان عندي قرار واضح مش هسمح لأي حد يضغط عليّا علشان


أتخذ قرار يخص فلوسي أو مستقبلي.
قبل عيد الميلاد بثلاثة أيام، المحامي طلب مننا نروح مكتبه.
لما وصلنا، كان حاطط قدامه ملفًا كبيرًا، وقال إن المراجعة كشفت عن مستند مهم جدًا.
المبنى القديم كان جزءًا من ملكية عائلية أوسع، وفيه مستندات تشير إلى احتمال وجود حقوق لورثة آخرين، وده معناه إن أي تصرف في الأرض لازم يستنى لحد ما الملكية تتحدد بشكل رسمي.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
المحامي طلع صورة قديمة من الملف، وحطها قدامي.
كانت صورة لزوجي محمود، واقف جنب رجل ما شفتوش قبل كده.
وعلى ظهر الصورة، كان فيه إهداء مكتوب
إلى محمود، شريكي وصديقي، أتمنى إن أولادنا يقدروا يحافظوا على اللي بنيناه.
سألت المحامي
مين الرجل ده؟
رد
ده اسم الشخص اللي كان شريكًا لزوجك في المشروع القديم، وملفه ممكن يساعدنا نفهم تاريخ الملكية.
كريم قرب من الصورة، وفضل يبص فيها.
وبعدين قال فجأة
استنى يا ماما... أنا أعرف الشخص ده!
بصيت له بدهشة.
تعرفه منين؟
رد وهو مش قادر يصدق نفسه
ده والد ياسمين... وأنا متأكد إن ماما ياسمين عندها مستندات تانية تخص المشروع ده!
في اللحظة دي، فهمت إن الخطاب القديم ما كانش مجرد رسالة من زوجي الراحل.
كان مفتاحًا لقصة بدأت قبل جواز كريم وياسمين بسنين طويلة.
والحقيقة اللي كنا بندور عليها، يمكن تكون موجودة في نفس البيت اللي بدأت منه حكاية هدايا عيد الميلاد كلها...
اتصل كريم بياسمين فورًا، وطلب منها تيجي مكتب المحامي مع والدتها.
في البداية، رفضت وقالت إنها مش فاهمة إيه علاقة أمها بالموضوع، لكن لما كريم بعت لها صورة زوجي محمود مع والدها، سكتت تمامًا.
وبعد حوالي ساعة، دخلت ياسمين المكتب ومعاها أمها، نادية.
أول ما نادية شافت الصورة، وقفت مكانها، ووشها اتغير.
بصت للصورة، وبعدها بصت لي وقالت بصوت مهزوز
إنتِ لسه محتفظة بالصورة دي؟
رديت عليها
دي صورة جوزي، وكنت لسه عارفة من يومين إن فيه مشروع قديم كان شريك فيه والدك. إنتِ تعرفي حاجة عن الموضوع ده؟
نادية قعدت ببطء، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها فتحت شنطتها وطلعت ملفًا صغيرًا.
قالت
أيوه، أعرف. وأعتقد إن الوقت جه علشان تعرفوا الحقيقة.
كريم قرب منها وسألها
حقيقة إيه يا طنط نادية؟
فتحت الملف وطلعت عقدًا قديمًا، وبعض الإيصالات، وخطابًا عليه توقيع والدها.
قالت إن والدها ومحمود كانوا شركاء في مشروع صغير من سنين طويلة. المشروع ما كملش بالشكل اللي كانوا مخططين له، وبعد وفاة والدها، احتفظت نادية ببعض الأوراق من غير ما تعرف إذا كانت لسه مهمة أم لا.
لكن وسط المستندات، كان فيه اتفاق مكتوب بخصوص المبنى القديم والأرض المحيطة بيه.
المحامي بدأ يراجع الأوراق، وبعدها قال
المستندات دي مهمة، لكن لازم نطابقها مع السجلات الرسمية ونتأكد من صحة التوقيعات قبل ما نحدد حقوق أي طرف.
ياسمين كانت باصة لأمها بصدمة.
ماما، إنتِ عمرك ما قلتي لي إن بابا كان شريكًا لجوز روزاليند!
نادية ردت بحزن
لأن الموضوع انتهى من سنين، وأنا كنت فاكرة إن مفيش أي حقوق متبقية.
لكن المحامي لاحظ تفصيلة في إحدى الصفحات.
كان فيه بند بيوضح إن المشروع القديم كان مرتبطًا بالتزامات مالية، وإن أي أرباح أو حقوق متبقية لازم تتحدد بعد مراجعة الحسابات والمستندات.
يعني ما كانش ممكن حد فينا يفترض إن الأرض ملكه بالكامل، ولا إن قيمتها هتتحول لمكسب مضمون.
كريم تنهد وقال
يعني كل ده، وفي الآخر لسه مش عارفين الحقيقة كاملة؟
رد المحامي
إحنا قربنا نفهم الصورة، لكن لازم نمشي خطوة خطوة.
بعد الاجتماع، خرجت أنا ونادية نقعد في مكان هادي بعيدًا عن كريم وياسمين.
لأول مرة من بداية المشكلة، اتكلمنا من غير خلاف أو دفاع عن أولادنا.
قالت لي
أنا عايزة أعتذر لك عن اللي حصل في موضوع الهدايا. كنت عارفة إن ياسمين اشترت لي أجهزة غالية، لكن ما كنتش أعرف إنها قالت لك إنهم مش قادرين يجيبوا لك هدية.
قلت لها
أنا مش بلومك على الهدايا يا نادية. كل أم بتفرح لما بنتها تفتكرها. اللي وجعني إن ابني ومراته ما قدروش يواجهوني بالحقيقة.
هزت راسها وقالت
يمكن إحنا الاتنين اتعودنا نساعد أولادنا لدرجة إنهم افتكروا إن المساعدة حق مكتسب.
الكلام ده خلاني أفكر.
يمكن المشكلة ما كانتش في ياسمين وحدها، ولا في كريم وحده.
يمكن إحنا كمان، من كتر خوفنا عليهم، كنا بنحاول نحل كل مشكلة بالفلوس، بدل ما نعلمهم يتحملوا مسؤولية قراراتهم.
قبل ليلة عيد الميلاد بيوم، وصل اتصال من المحامي.
بعد مراجعة أولية للسجلات، اكتشف وجود مستندات إضافية مرتبطة بالمبنى القديم، وكان لازم يتم فحصها قبل أي قرار نهائي.
لكن كان فيه خبر مهم المشروع القديم ما كانش مجرد أرض مهجورة زي ما كنا فاكرين، بل كان مرتبطًا بعقد تجاري سابق محتاج مراجعة دقيقة لمعرفة إذا كانت فيه حقوق مالية مستحقة لأي طرف.
طلب المحامي مننا نأجل أي اتفاقات أو تصرفات لحد ما الصورة تكتمل.
وافقت فورًا.
أما كريم، فكان عنده قرار تاني لازم ياخده.
راح لياسمين وقال لها إنه مش هيوافق على أي قرض أو بيع أو استثمار جديد قبل ما يراجع كل التفاصيل بنفسه.
ياسمين غضبت في البداية، لكنها بعد نقاش طويل وافقت إن أي خطوة مالية تخص المحل تكون واضحة ومكتوبة.
وبعدين كريم اتصل بيا.
ماما، أنا عايز أقول لك حاجة قبل عيد الميلاد.
قلت له
اتفضل يا حبيبي.
قال
أنا مش عايزك تدفعي تمن الرحلة، ولا عايزك تحسي إنك مسؤولة عن سعادتنا. أنا عايز أتعلم إزاي أبقى مسؤول عن بيتي، من غير ما أخبي عنك الحقيقة.
سكت شوية، وبعدها كمل
ولو سمحتي لي، عايز أبدأ بحاجة بسيطة. أنا وولادي هنزورك ليلة عيد الميلاد، حتى لو مفيش هدايا، وحتى لو هنقعد نشرب شاي بس.
ابتسمت لأول مرة من أيام.
قلت له
الباب مفتوح يا كريم. لكن المرة دي، أنا عايزاكم تيجوا علشان نفسكم تشوفوني، مش علشان فيه شاليه أو فلوس أو مفاجآت.
وجت ليلة عيد الميلاد.
أنا وكوردليا وصلنا الشاليه الصغير، وكان الجو بارد والثلج مغطي الجبال.
جهزنا العشا سوا، وحطينا شموع بسيطة على الترابيزة، وفضلنا نتكلم ونضحك.
وفي الساعة السابعة، سمعت خبط على الباب.
فتحت، ولقيت كريم واقف ومعاه أولاده، وفي إيده علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا عادي.
قال بابتسامة خجولة
عيد ميلاد سعيد يا ماما.
فتحت العلبة، ولقيت جواها إطارًا خشبيًا بسيطًا، فيه صورة قديمة ليا مع محمود وكريم وهو طفل صغير.
وتحت الصورة، كان مكتوب
لأمي، اللي علمتني إن العيلة مش بتتقاس بالفلوس، لكن بالصدق والوجود وقت الحاجة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
، وقلت له
دي أغلى هدية وصلت لي من سنين.
وبعد شوية، ياسمين وصلت هي كمان.
كانت شايلة طبق حلوى عملته بنفسها، ووقفت قدامي وقالت
أنا عارفة إن الاعتذار مش هيمسح اللي حصل، لكن أنا آسفة يا روزاليند. أنا غلطت لما اعتبرت إنك هتفضلي تساعدينا مهما كانت تصرفاتنا.
بصيت لها وقلت
الاعتذار بداية كويسة، لكن الثقة بترجع بالأفعال، واحدة واحدة.
هزت راسها، وما حاولتش تبرر أو تطلب مني أي حاجة.
قضينا الليلة سوا، من غير هدايا غالية، ومن غير وعود مالية، ومن غير ما حد يحاول يثبت إنه أهم من التاني.
لكن بعد ما الكل نام، قعدت قدام المدفأة وفتحت آخر رسالة وصلتني من المحامي.
كان بيقول إن المراجعة كشفت عن مستند جديد ممكن يغيّر فهمنا لاتفاق الشراكة القديم، وإنه محتاج يقابلني أنا ونادية في أقرب وقت.
وفي آخر الرسالة، كتب
هناك بند في الاتفاق الأصلي لم يظهر في النسخ السابقة، ويتعلق بما كان سيحدث للمشروع إذا توفي أحد الشريكين قبل تسوية الحسابات.
فضلت باصة للشاشة، وقلبي بدأ يدق من جديد.
لأن محمود كان توفي من ثلاث سنين، ووالد نادية كان توفي قبله بسنوات.
ولو البند ده غيّر فعلًا طريقة تقسيم الحقوق، فممكن نكتشف إن الحقيقة اللي بندور عليها من البداية مختلفة تمامًا عن كل توقعاتنا.
وفي صباح اليوم التالي، لما وصلنا مكتب المحامي، حط قدامنا النسخة الأصلية من الاتفاق، وأشار إلى سطر واحد وقال اقرؤوا البند ده كويس... لأنه ممكن يحدد مستقبل العيلتين.

تم نسخ الرابط