لمده عشرين سنه
لمدة عشرين سنة تقريباً، أمي كانت متأكدة إن الولد المشرد اللي ساكن جنب بيتنا ياكل كويس، حتى واحنا نفسنا مكنش معانا فلوس. وبعد جنازتها، نفس الولد ده اللي بقى راجل ناجح ولابس شيك مسك إيديا وهمسلي أمك خلتني أوعدها إني أخبي عنك حاجة قبل ما ټموت. واللي قاله بعدها غير كل حاجة كنت أعرفها عن طفولتي.
أنا كان عندي 8 سنين لما جابرييل ظهر أول مرة عند مقلب الژبالة المهجور اللي ورا منطقتنا.
كان عنده حوالي 17 أو 18 سنة، هدومه مقطعة، ملهوش أهل ولا مكان آمن ينام فيه.
أبويا كان لسه مټوفي قريب، وسايب أمي تربي أنا وأخويا الصغير وهي بتحاول تدفع الفواتير بالعافية.
الفلوس كانت على القد أوي.
بعض الأيام عشاءنا كان عبارة عن شوية شوربة خضار وعيش وخلاص.
ومع ذلك، مهما الدنيا ضاقت، أمي كانت كل يوم العصر بتعمل وجبة زيادة لجابرييل.
ساعات كانت تديله فراخ محمرة واحنا ناكل شوربة سادة. وساعات تاخدله عيش طازة وتقول إنها مش جعانة.
وأنا طفلة مكنتش فاهمة كرمها ده.
اللي كنت أعرفه بس إن حد غريب بره عيلتنا بياخد أحسن حاجة عندنا.
في يوم، ريحة فطيرة التفاح مالية المطبخ.
ودي كانت الحلو المفضل عندي، ومكلتهاش من شهور.
جريت على تحت وكنت فاكرة إننا أخيراً هناكل حاجة حلوة.
بس أمي كانت بتلف الفطيرة عشان تاخدها بره.
هناكل فطيرة تفاح النهاردة؟ سألتها بفرحة.
هزت راسها.
لا يا حبيبتي، مش النهاردة. دي لجابرييل.
فرحتي راحت.
بس يا ماما، هو ليه دايماً بياخد الأكل الحلو؟ واحنا؟
الدموع نزلت من عيني.
كنت لسه زعلانة على أبويا، ومفتقدة حياتنا القديمة، ونفسي أمي تفهمني.
بدل ما تفهمني وشها بقى جامد.
متتكلميش عن جابرييل بالطريقة دي تاني.
وقفت مصډومة.
وبعدين خرجت بالفطيرة.
ومن اللحظة دي، اقتنعت إن جابرييل خد مكاني في قلبها.
كل ما أعدي عليه وأنا راجعة من المدرسة كنت أبص الناحية التانية.
أوقات كان يشاورلي أو يحاول يتكلم معايا.
مرة حتى عملي عصفورة خشب صغيرة بإيده.
ورفضتها.
وهو معترضش.
فضل يعاملني بطيبة، حتى لما وضحّتله إني مش عايزة صداقته.
والسنين عدت وكرهي ليه زاد.
وفي الآخر جابرييل اختفى من المنطقة.
ماما عمرها ما قالتلي راح فين.
بعد الثانوية، سافرت مدينة تانية وبدأت حياتي.
علاقتي بماما بعدت.
كنا بنتكلم ساعات في أعياد الميلاد والأعياد، بس كان فيه سنين مكالماتنا مبتكملش دقايق.
وبعدين في يوم جالي مكالمة صعبة أوي.
ماما جالها جلطة جامدة.
المستشفى قالتلي حالتها خطېرة.
جريت عليها.
كانت شكلها ضعيف ومرهق، يادوب قادرة تتكلم.
مسكت إيدها.
أنا هنا يا ماما، أنا آسفة إني بعدت كل ده.
صوابعها مسكت إيدي ضعيف.
وعدتها إني هاخد بالي من كل حاجة، البيت وأي فواتير.
وبعدين حاولت تهمس بحاجة.
أرجوكي.. متسيبيش جابرييل.
اتجمدت.
بعد كل السنين دي، لسه بتفكر فيه.
وجابرييل أصلاً مكنش موجود.
ۏجع قديم رجع لصدري.
بس مقدرتش أرفض آخر طلب لأمي.
أوعدك همست.
وهي ماټت في نفس اليوم.
بعد الچنازة، طبخت أكل سخن، وحطيت عيش، وسقت لمنطقتنا القديمة.
كنت فاكرة
جابرييل لسه ساكن هناك وعايزة أنفذ وعدي وأطمن عليه.
بس لما وصلت عند بيت ماما، حاجة غير متوقعة لفتت نظري.
عربية SUV سودا فخمة راكنة على الرصيف.
وجنبها واقف راجل وسيم، دقنه محلوقة، لابس بالطو غالي.
كان بيبصلي وعينيه مليانة دموع.
كنت بدأت أفكر إنك مش هتيجي قال بهدوء.
بصيت لوشه.
حاجة في تعبيره حسيتها مألوفة.
وبعدين افتكرت.
جابرييل؟
هز راسه.
مكنتش مصدقة.
المراهق المشرد اللي فاكراه من عشرات السنين بقى واقف قدامي شبه رجل أعمال ناجح.
بصيت لعربيته وبعدين بصيتله.
جبتلك عشا قلت بتوتر. بس جابرييل.. إيه اللي حصل؟ حياتك اتغيرت إزاي كده؟
بص ناحية بيت أمي.
وشه بقى جد.
في حاجة لازم تفهميها عن أمك.
قلبي بدأ يدق جامد.
تقصد إيه؟
مسك إيديا.
قبل ما ټموت، اتحايلت عليا ما أقولكيش سر لحد ما ييجي الوقت المناسب.
بصتله.
سر إيه؟
جابرييل خد نفس عميق.
يخص أبوكي، وأمك، وحاجة حصلت من زمان أوي قبل ما تقابليني.
وبعدين فتح الباب اللي ورا بتاع العربية ومد إيده يجيب صندوق حديد قديم.
ولما شفت اللي جواه، عرفت إن أمي كانت مخبية عني حاجة بقالها أكتر من حداشر سنة.
فتحت الصندوق وانا ايديا بتترعش.
لقيت جواه شوية حاجات قديمة متربة.
اول حاجة شدتني دفتر توفير صغير لونه أزرق، مكتوب عليه اسمي.
فتحته.
لقيت كل صفحة فيها إيداع.. 200 جنيه.. 500 جنيه.. 1000 جنيه.. بتواريخ على مدار 11 سنة.
آخر صفحة كان فيها 187 ألف جنيه.
جنب الدفتر كان فيه رزمة جوابات مربوطة بأستك، وورقة ملكية البيت.
جابرييل قعد على الرصيف وقالي
أمك مكنتش بتديني الأكل الحلو عشان بتحبني أكتر منك.. كانت بتبيعه.
اټصدمت. تبيعه؟ يعني ايه؟
قالي أمك كانت بتعمل الفطيرة والفراخ المحمرة وتديهوملي، وأنا كنت بروح أبيعهم في السوق عند المحطة. الناس كانت بتحب أكلها أوي. وآخر اليوم كنت برجعلها بالفلوس، وهي كانت بتحطهم في الدفتر ده باسمك.
ليه؟ ليه اللفة دي كلها؟
عشان أبوكي قبل ما ېموت كان مديون لناس كتير، وأمك كانت خاېفة ياخدوا البيت منكم. كانت عايزة تعملك مستقبل، بس لو كانت حوشت الفلوس في البيت، كانت هتصرفها ڠصب عنها على الإيجار والفواتير. فاخترعَت حكاية إني باخد الأكل الحلو، عشان انتي متسأليش الفلوس بتروح فين.
ساعتها الدنيا لفت بيا.
يعني كل السنين اللي كنت فاكرة إنها بتحب حد غريب أكتر مني.. كانت بتحوشلي تمن الجامعة؟
جابرييل كمل
لما اختفيت من المنطقة، مكنتش هربت. أمك هي اللي قالتلي امشي. قالتلي سافرت ودتني عنوان واحد قريبها في القاهرة، شغلني في ورشة، وبفلوس بيع الأكل بتاعها دفعتلي تمن كورسات.. لحد ما فتحت الورشة بتاعتي، وكبرت بقت مصنع صغير.. وبقى عندي شركة.
مد إيده في الصندوق وطلع عصفورة خشب صغيرة.. نفس العصفورة اللي رفضت آخدها منه وأنا صغيرة.
كنت كل مرة أرجعلها فلوس الأكل تقولي اكتبي لسارة إنها لما تكبر هتفهم. بس هي ماټت قبل ما تفهمي.
قعدت في الأرض وعيطت. عيطت على كل مرة بصيتله بقرف. على كل مرة اتريقت
عليه. على الفطيرة اللي كنت عايزاها وهو راح باعها عشان مستقبلي.
جابرييل طبطب على كتفي وقالي الجملة اللي عمري ما هنساها
أمك موصتنيش أخبي عنك الفلوس بس.. موصتني أخبي عنك إني عمري ما كنت مشرد. أنا كنت ابن الست اللي كانت بتنضف عندكم زمان، وماټت، وأمك هي اللي ربتني من بعيد لبعيد عشان محدش يتكلم عليها. انتي مش كنتي بتغيري من ولد غريب.. انتي كنتي بتغيري من أخوكي.
والدفتر اللي في إيدي ده.. طلع مش مجرد فلوس.
طلع تمن عمري كله اللي فهمته غلط.