زمايلي في الفصل قعدوا يضحكوا ويتريقوا عليا لما وصلت حفلة التخرج ومعايا جدتي
المحتويات
كل شيء. الحاجة تجعل أي إنسان لصًا.
ولسبعةٍ وثلاثين عامًا، صدّقه فهد.
كل تبرع كان يمر عبر المحامين.
كل مساعدة مرتبطة بعقود وتقارير وتحليلات مخاطر.
كان يعطي المال كما يوقّع رجال الأعمال الصفقات بشروط، ومسافة، وحماية.
لم يساعد غريبًا يومًا فقط لأنه يتألم.
ليس دون إثبات.
ليس دون سيطرة.
وليس دون أن يضمن ألا يستغلّه أحد.
لكن في صباح بارد من يناير، حدث شيء داخله لم يتوقعه.
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي الفستان اللي كانت لابشاه كان بسيط وقديم شوية، بس كان مرتب ونضيف ومكوي كأنها لسه جاية من يوم شغل عادي في المدرسة. كانت متوترة وهي داخلة معايا، وبتبص حواليها كأنها غريبة على المكان وأنا عارف إن كل العيون كانت علينا.
أول ما دخلنا القاعة، الهمس بدأ فورًا.
ضحك خفيف هنا نظرات هناك ووشوش بتتهامس.
ده جايب جدته فعلاً؟ شكلها عاملة نظافة عندهم! مش قادرين يفهموا هو مستحمل كده إزاي!
كنت سامع كل كلمة، بس مكملتش ولا لحظة ضعف. مسكت إيدها وقلت لها بهدوء إنتِ أجمل واحدة في المكان ده النهارده.
هي ابتسمتلي ابتسامة صغيرة، بس عنيها كانت مليانة خوف.
الموسيقى بدأت، وكل الناس اختارت شريكها في الرقص إلا أنا.
في لحظة سكون، مشيت ناحية المنصة، وأخدت المايك.
القاعة كلها سكتت.
حتى الموسيقى وقفت.
قلت بصوت ثابت
أنا عايز أقول حاجة قبل أي حاجة تحصل النهارده
الناس بصت لبعضها باستغراب.
كملت
فيه ناس شايفاني دلوقتي وبيضحكوا عليا عشان جاي مع جدتي.
همهمات بدأت تعلى.
بس رفعت عيني ناحية جدتي اللي كانت واقفة متجمدة في آخر القاعة، وقلت
بس محدش فيهم يعرف إنها هي اللي ربتني هي اللي اشتغلت واتعذبت عشان أنا أعيش واقف هنا النهارده.
القاعة بدأت تهدى.
هي مش عاملة نظافة زي ما بعضكم فاكر هي أم وأب وكل حاجة لحد ما كبرت.
سكتت لحظة، وبعدين نزلت من على المنصة ومشيت ناحيتها.
وقفت قدامها وقلت
الرقصة دي ليكي إنتي.
وفي اللحظة اللي مسكت فيها إيديها وطلعنا نرقص حاجة غريبة حصلت.
الضحك اختفى.
الهمس انتهى.
وواحد واحد كل اللي كانوا بيضحكوا بدأوا يسكتوا ويبصوا.
وبعدين فجأة القاعة كلها بدأت تسقف.
تصفيق مش عادي تصفيق طويل عالي كأنه اعتذار جماعي.
وجدتي كانت بتترعش، ودموعها نازلة على خدها، وقالتلي بصوت واطي أنا عمري ما توقعت اليوم ده يحصل
وإحنا بنرقص، حسيت إن مش أنا اللي كسبت هي اللي كسبت الدنيا كلها.
وفي آخر الرقصة المدير نفسه قرب مننا وقال بصوت مكسور سامحينا إحنا ما عرفناش قيمتكوا غير دلوقتي.
وساعتها بس فهمت إن أقسى لحظة بدأت بضحكهم انتهت بخجلهم هم بعد ما المدير خلص كلامه، القاعة فضلت هادية لحظة كأن
بس جدتي كانت لسه ماسكة إيدي بإحكام مش مصدقة اللي بيحصل.
وبعدين فجأة، واحدة من البنات اللي كانت بتضحك عليا قبل كده قربت خطوة صغيرة، وبصت في الأرض وقالت بصوت مكسور أنا آسفة ماكنتش أعرف.
وبعدها واحد ورا التاني نفس الجملة بدأت تتكرر.
آسفين حقكم علينا مكناش نقصد
بس أنا مكنتش مستني اعتذار حد.
اللي كان فارق معايا دلوقتي إنها هي.
بصيت لجدتي وقلت لها بهدوء شايفة يا تيته؟ كل اللي اتريقوا بيسقفوا دلوقتي ليكي.
ابتسمت وهي بتحاول تمسح دموعها بطرف الفستان، وقالت أنا عمري ما كنت عايزة تصفيق أنا كنت عايزة أطمن عليك وبس.
ساعتها حسيت إن قلبي اتكسر واتلم تاني في نفس اللحظة.
الموسيقى رجعت تشتغل، بس المرة دي مختلفة أهدى، أدفى.
وكل الناس كانت بتبص لينا واحنا بنرقص، مش كمتفرجين لكن كأنهم بيتعلموا درس.
وبعد شوية، واحدة من المنظمين قربت وقالت تحبوا تكملوا الحفلة؟ ولا ناخد دقيقة تكريم ليها؟
قبل ما أرد، لقيت تصفيق تاني أعلى من الأول.
وكان واضح إن القرار مش بإيدي ولا بإيدها.
اتعملت لحظة تكريم بسيطة.
المدير جاب كرسي وحطوه في نص القاعة، وقال النهارده مش يوم تخرج طالب بس ده يوم نكرّم أم حقيقية.
وقتها جدتي رفضت تقعد في الكرسي وقالتلي أنا كفاية عليا .
وسابت الكرسي وقعدت جنبي على الأرض زي زمان
وفي آخر الحفلة، وأنا ماشيين، نفس اللي كانوا بيضحكوا كانوا واقفين على الباب.
بس المرة دي مفيش ضحك.
فيه احترام.
وفيه نظرة مختلفة.
وأنا ماشي بإيدها، فهمت حاجة مهمة
مش كل الناس هتفهمك
بس في يوم من الأيام، الحقيقة بتخليهم يسكتوا لوحدهم وأول ما خرجنا من باب القاعة، الهواء البارد لمس وشنا، كأننا خرجنا من عالم تاني.
جدتي كانت ساكتة بس إيديها كانت لسه ماسكاني كأنها خايفة أختفي.
مشت خطوتين وبعدين وقفت فجأة وقالتلي هو أنا كنت تقيلة عليك في الأول لما جيت؟
بصتلها بسرعة وقلت تقيلة إيه بس؟ ده أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان.
سكتت شوية، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة فيها تعب سنين وقالت أنا عمري ما كنت فاكرة إني هعيش أشوف يوم زي ده إني أكون فخورة قدام الناس كلها كده.
وقفت قدامها وقلت إنتي مش بس فخر إنتي البداية كلها.
ساعتها دمعت تاني، بس المرة دي كانت دموع راحة.
وإحنا ماشيين في الشارع، لقيت واحد من زمايلي اللي كانوا بيضحكوا علينا، جه من بعيد.
وقف قدامنا متوتر وبص في الأرض وقال أنا أنا كنت غلطان. مكنتش فاهم حاجة.
جدتي بصتله بهدوء غريب، وقالت اللي يضحك على حد وهو تعبان عمره ما كان مرتاح في قلبه.
الجملة دي خلت وشه يتهز، وسكت.
ومشي.
وفي نص الطريق، مسكت إيديها
قالتلي وهي بتبص
متابعة القراءة