تقول معلمة: ثلاث سنوات قضيتها في التدريس داخل مدرسة ابتدائية، قد أنسى منها أسماء كثيرة ومواقف كثيرة
بسرعة.
فتح ياسر ذراعيه فورًا وحمله بحنان طبيعي جدًا كأن قلبه خُلق لهذا الدور.
سأله الطفل إذا خفت بالليل أنام جنبك؟
نظر ياسر إلى أيمن وضحك بخفة.
ثم قال أكيد بس انتبه، أيمن للحين ياخذ مكان كثير بالنوم.
ضحك الجميع.
أما أنا فكنت أراقب المشهد بصمت وأفكر
ذلك الطفل الذي كان يرتجف بردًا قرب سور المدرسة أصبح اليوم دفئًا لعشرات الأطفال مرت خمس سنوات أخرى
وكبرت مؤسسة أم ياسر بشكل لم يكن أحد يتوقعه.
صار لها فرعان، ثم ثلاثة. وأصبح اسم ياسر معروفًا في المدينة كلها، ليس لأنه غني أو مشهور بل لأن الناس كانت تقول
إذا دخل طفل عند ياسر باكيًا يخرج وهو يشعر أن له عائلة.
أما أيمن فأصبح طبيب أطفال فعلًا.
وكان يزور المؤسسة يوميًا بعد انتهاء دوامه، يفحص الأطفال مجانًا، ويحفظ أسماءهم واحدًا واحدًا، حتى إن الصغار
وفي كل مرة كنت أزورهم كنت أشعر أن روح أمهم لا تزال تعيش بينهم.
لكن الحياة، كالعادة، كانت تخبئ اختبارًا جديدًا.
في إحدى الليالي الممطرة، اتصل بي أيمن بصوت مرتبك أستاذة تعالي بسرعة.
سألته بخوف ماذا حدث؟
قال ياسر اختفى.
تجمد الدم في عروقي.
علمت منه أن ياسر خرج بعد المغرب ليحضر طفلًا جديدًا من أحد مراكز الرعاية المؤقتة، لكنه لم يعد.
وهاتفه مغلق.
بدأنا نبحث عنه بجنون.
مرت ساعات طويلة كأنها سنوات.
حتى جاءت المكالمة أخيرًا من الشرطة.
وجدوه في منطقة بعيدة قرب الطريق الصحراوي ومعه طفل صغير فاقد الوعي.
اتضح أن السيارة تعطلت وسط المطر والبرد، والطفل كان يعاني أزمة تنفس حادة.
ولأن الإسعاف تأخر حمل ياسر الطفل ومشى به وسط المطر لمسافة طويلة حتى وصل إلى
لكن من شدة البرد والإرهاق انهار هو قبل وصولهم.
وصلنا إلى المستشفى مع الفجر.
وكان المشهد مؤلمًا بطريقة لا توصف.
الطفل الصغير نائم بأمان تحت الأغطية أما ياسر فكان على السرير المجاور، موصولًا بالأجهزة، حرارته مرتفعة جدًا بسبب التهاب حاد بالرئة.
وقف أيمن بجواره كالصخرة. لكنني كنت أرى الرعب في عينيه.
همس لي تعبت وأنا أشوفه ينقذ الناس وينسى نفسه.
جلست قرب ياسر ساعات طويلة.
وفي منتصف الليل فتح عينيه بصعوبة.
أول شيء فعله؟ بحث بعينيه عن الطفل.
قلت بسرعة هو بخير.
تنفس براحة ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة وقال الحمد لله.
صرخ أيمن فيه بغضب ممزوج بالبكاء ومتى تفكر بنفسك؟! متى؟!
نظر إليه ياسر بهدوء غريب ثم قال جملة جعلت الغرفة كلها تصمت
لأن أحدًا زمان فكّر فيّ وأنا ما
انفجر أيمن بالبكاء.
أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأنني أدركت فجأة أن الرحمة تشبه السلسلة شخص واحد يمد يده لطفل صغير يرتجف من البرد فيكبر ذلك الطفل ليصبح مأوى لقلوب كثيرة.
وبعد أيام، تعافى ياسر وعاد للمؤسسة.
وفي مساء هادئ، بينما كنا نجلس جميعًا في الحديقة الخلفية للمبنى، اقترب ذلك الطفل الذي أنقذه ياسر.
كان اسمه سليم.
وقف أمام ياسر بخجل ثم سأله عمو صحيح أنت مو أبوي الحقيقي؟
ساد الصمت.
ابتسم ياسر ببطء ثم فتح ذراعيه للطفل وقال
الحقيقي مو اللي يجيبك للدنيا وبس الحقيقي هو اللي يخاف عليك فيها.
ركض الطفل إلى حضنه فورًا.
وهنا نظر أيمن إليّ وابتسم.
ثم همس نفس الكلام اللي عاشه معي يعيده الآن مع غيري.
رفعت عيني إلى السماء وقتها وأدركت أن بعض الأرواح، مهما تعبت
بل تورثه حنانًا أكبر.