تقول معلمة: ثلاث سنوات قضيتها في التدريس داخل مدرسة ابتدائية، قد أنسى منها أسماء كثيرة ومواقف كثيرة
المحتويات
ولا ماذا حدث؟
بل نظر مباشرة إلى أيمن وسأل أنت بخير؟
هنا انهار الأب تمامًا.
احتضن الطفلين معًا وهو يبكي بطريقة جعلت كل من بالغرفة يبكي معه.
وبعد أسابيع، عاد ياسر إلى المدرسة.
لكن هذه المرة لم يعد الطفل الذي يحمل العالم وحده.
صار هناك من يحمله أيضًا.
وفي آخر يوم لي بالمدرسة قبل انتقالي إلى مدينة أخرى، جاءني ياسر وأعطاني ظرفًا صغيرًا.
فتحته بعد أن غادرت.
كان بداخله ورقة كتب فيها بخطه المرتب
أستاذة أمي يوم ماتت قالت لي إذا حسّيت يوم إن الدنيا قاسية، دور على الشخص اللي يشوف قلبك مو شكلك.
وأنتِ أول شخص شافني.
جلست أبكي طويلًا وقتها
لأنني أدركت أن كلمة طيبة واحدة، أو حضنًا صغيرًا، أو اهتمامًا صادقًا قد ينقذ روحًا كاملة دون أن نشعر مرت سنوات طويلة بعد انتقالي من تلك المدرسة
تزوجت، وأنجبت، وتغيرت المدن والوجوه والفصول، لكن ياسر بقي عالقًا في قلبي كأنه أحد أبنائي.
وفي كل شتاء تحديدًا كنت أتذكر ذلك الصباح البارد، حين رأيته يحتضن أخاه قرب الجدار، وينفخ في يديه الصغيرتين ليمنحه دفئًا لا يملكه.
ثم جاءت المفاجأة بعد اثنتي عشرة سنة كاملة.
كنت في منزلي عصر يوم جمعة، أرتب بعض الكتب القديمة، حين رن هاتفي من رقم لا أعرفه.
رددت بهدوء ألو؟
جاءني صوت رجل شاب يقول السلام عليكم أستاذة مريم؟
تجمدت للحظة.
كان في صوته شيء مألوف شيء بعيد جدًا لكنه لم يختفِ.
قلت بتردد نعم من معي؟
سكت ثانية ثم قال بابتسامة شعرت بها رغم الهاتف أنا ياسر.
وضعت يدي على فمي دون شعور.
يا الله حتى صوته كبر.
بدأ يحدثني بحماس طفل لم يتغير داخله رغم السنين.
قال إنه بحث عن رقمي طويلًا حتى وجده من إحدى المعلمات القديمات. وأنه تخرج من الثانوية بتفوق. ثم دخل كلية التمريض لأنه
أما أيمن فقد أصبح في آخر سنة بالثانوية، ويحلم أن يصير طبيب أطفال.
كنت أسمع كلماته ودموعي تنزل بصمت.
لكن أكثر جملة هزتني حين قال فجأة
تدرين يا أستاذة؟ أيمن للحين إذا برد الجو ينام جنبي.
ضحكت وسط دموعي.
ثم أكمل بصوت أخفض بس فيه شيء لازم تعرفينه بابا مات السنة اللي فاتت.
شعرت بالحزن فورًا.
قال قبل ما يموت بيومين طلبني أنا وأيمن، وقال لنا سرًا ما كنا نتوقعه أبدًا.
سكت قليلًا ثم قال
طلع إنه كان يعرف الحقيقة من زمان.
شهقت دون إرادة.
أكمل قال إنه عرف بعد وفاة أمي بشهور ولقى أوراق تثبت إن أيمن ابن خالتي فعلًا.
قلت بدهشة إذن لماذا لم يخبركم؟
رد بصوت مرتجف قال إنه أول ما عرف كره نفسه لأنه فكر للحظة إنه ممكن يترك أيمن. لكن بعدها تذكر أول مرة ناداه فيها بابا.
ثم بكى ياسر وهو يكمل
قال لنا الدم مو دائمًا اللي يصنع العائلة أحيانًا الرحمة هي اللي تسويها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله.
وأكمل ياسر قبل ما يموت مسك يد أيمن وقال له سامحني لو حسستك يوم إنك مو ولدي لأنك والله كنت أعز من روحي.
ثم ساد الصمت بيننا لثوانٍ طويلة.
وفجأة قال ياسر أستاذة عندي شيء ثاني أبغى أقوله.
قلت تفضل يا ياسر.
قال بخجل واضح أنا خاطب.
ضحكت فورًا ما شاء الله! ومن المسكينة اللي وافقت عليك؟
ضحك للمرة الأولى بصوت عالٍ ثم قال ممرضة تشتغل معي بالمستشفى.
وسكت لحظة قبل أن يضيف أول شيء حكيت لها عنه مو شغلي حكيت لها عن أيمن.
ثم قال جملة جعلتني أبكي من جديد
قلت لها إذا قبلتيني لازم تعرفين إن عندي أخ مو من دمي، لكنه قطعة من قلبي.
وفي يوم زفافه دعاني بنفسي.
وعندما وصلت القاعة، رأيت شابًا طويلًا أنيقًا يقف عند الباب يوزع الابتسامات على الناس.
لكن ما إن وقعت عيناه عليّ حتى عاد فجأة ذلك الطفل الصغير الذي كان يرتجف من البرد قرب سور المدرسة.
ركض نحوي واحتضنني بقوة وهو يقول أخيرًا شفتك.
ثم أخذني إلى الداخل وهو ممسك بيدي كأنه يخشى أن أختفي ثانية.
وهناك رأيت أيمن.
شاب وسيم يضحك بثقة، يرتدي بدلة سوداء، ويقف بجانب أخيه بفخر واضح.
اقترب مني وقبّل رأسي وقال أنا أيمن الأمانة اللي خاف عليها ياسر.
لم أتمالك دموعي.
وخلال الحفل، أمسك ياسر الميكروفون فجأة وقال أمام الجميع
في ناس يعطونك درس بحياتهم بدون ما يدرون وأستاذة مريم كانت أول شخص علّمني إن الإنسان إذا شاف ألم غيره وسكت يصير شريك فيه.
ثم نظر إلى أيمن وأكمل وأنت مو أخوي وبس. أنت عمري كله.
في تلك اللحظة صفق الجميع.
أما أنا فكنت أنظر إليهما وأفكر أن أم ياسر، رغم موتها، نجحت في أهم شيء بالحياة
تركت ولدًا يعرف كيف يحب انتهى الزفاف، وعادت الحياة تمضي بهدوء
لكن قصة ياسر وأيمن لم تنتهِ عند ذلك الحد.
بعد عام تقريبًا، كنت أعمل في مدرسة جديدة، حين وصلتني رسالة قصيرة من ياسر منتصف الليل
أستاذة ادعي لنا.
ارتبك قلبي فورًا.
اتصلت به مباشرة، فجاءني صوته متوترًا على غير عادته.
قال أيمن تعرّض لحادث.
شعرت أن أنفاسي توقفت.
علمت منه أن أيمن، الذي أصبح طالبًا في كلية الطب، كان عائدًا من الجامعة حين اصطدمت بسيارته شاحنة مسرعة.
أُدخل العناية المركزة، وحالته كانت خطيرة.
وفي صباح اليوم التالي سافرت لزيارتهم.
وحين وصلت المستشفى شعرت أن الزمن عاد بي سنوات طويلة للوراء.
ياسر جالس على الكرسي خارج الغرفة بنفس الطريقة القديمة.
منحني ظهره المنحني إحساس الطفل نفسه الذي كان يحرس أخاه من البرد والجوع والخوف.
اقتربت منه بهدوء.
رفع رأسه نحوي وكانت عيناه
قال بصوت مكسور أول مرة بحياتي أحس إني ضعيف.
جلست بجانبه.
فهمست أنت تعبت لأنك حملت الجميع طويلًا يا ياسر.
خفض رأسه ثم قال شيئًا جعلني أختنق بالبكاء
أنا مو خايف أخسره لأنه مو من دمي أنا خايف أخسره لأنه نصي الثاني.
دخلنا لرؤية أيمن بعد ساعات.
كان مغطى بالأجهزة، لكن وجهه بقي هادئًا بشكل غريب.
اقترب ياسر من سريره وجلس بجانبه بصمت طويل.
ثم أمسك يده وهمس تذكر لما كنت أخبّي لك نص الساندويتش بالمدرسة؟ قمت الحين تأكل المستشفى كلها لحالك؟
ابتسمت رغم ألمي.
وفجأة تحركت شفتا أيمن قليلًا.
ثم فتح عينيه بصعوبة وهمس كنت عارف إنك ما راح تتركني.
انفجر ياسر بالبكاء فورًا.
بكاء رجل كبير هذه المرة لكن داخله ما زال ذلك الطفل الصغير الذي يخاف أن يفقد آخر شيء يحبه.
مرت الشهور، وتعافى أيمن تدريجيًا.
لكن الحادث غيّر شيئًا داخلهما.
صار أيمن أكثر تعلقًا بياسر، وكأن اقترابه من الموت جعله يدرك أن بعض العلاقات لا تُشرح بالمنطق.
وفي أحد الأيام، دعاني الاثنان إلى حفل صغير في منزل ياسر.
وعندما وصلت تفاجأت بلافتة صغيرة معلقة على الجدار مكتوب عليها
افتتاح مؤسسة أم ياسر لرعاية الأيتام.
نظرت إليهما بدهشة.
ابتسم أيمن وقال قررنا نسوي شيء يشبهها.
وأكمل ياسر ما نبغى طفل يعيش اللي عشناه.
أخذاني في جولة داخل المكان.
غرف صغيرة مرتبة. ملابس نظيفة. مكتبة للأطفال. ومطبخ تفوح منه رائحة الطعام الساخن.
لكن أكثر شيء هزني ركن صغير قرب النافذة.
فيه صورة قديمة جدًا لياسر وأيمن وهما طفلان. الصورة نفسها التي التقطتها لهما المدرسة يوم النشاط الشتوي.
كان ياسر يحتضن أيمن داخل معطف أكبر من حجمهما معًا.
وتحت الصورة عبارة مكتوبة بخط أيمن
أول بيت حمانا كان حضن أخ.
وقفت أمام الصورة طويلًا وأنا أحاول منع دموعي.
ثم سمعت صوت طفل صغير ينادي عمو ياسر!
التفتّ فإذا بطفل يتيم يركض نحوه
متابعة القراءة